ثقافةفن

«موت ستالين».. محاكمة ساخرة لحقبة الحكم الشمولي

مجموعة من المهرجين المتصارعين على إسعاد الديكتاتور العجوز يسجلون الدعابات التي يبتسم لها ليعيدوها مرة أخرى، ولا يكررون أي دعابة لم تحظ بضحكته، يسهرون ليلا إرضاء لرغبته في مشاهدة فيلم كاوبوي في الدولة الأبرز في مواجهة الثقافة الغربية.

هكذا يرى المخرج والمؤلف الاسكتلندي ارماندو لانوتشي أعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي حول ستالين. قدم رؤيته تلك من خلال الكوميديا السوداء في فيلمه “موت ستالين” التي شارك في كتابتها مع ديفيد شنايدر، وتييري روبن، ويان مارتين، وفابيان نوري.

الفيلم تم عرضه خلال فعاليات “بانوراما الفيلم الأوربي” التي تشرف على تنظيمها سينما “زاوية” في قلب القاهرة، كنافذة تقدم من خلالها الأفلام الأوربية ذات النظرة المختلفة عن نوعية الأفلام التجارية السائدة في السوق.

منذ الدقائق الأولى للفيلم الذي تم إنتاجه في 2017، ومدته ساعة وأربعين دقيقة تقريبا، ستتذكر بشكل ما رواية “حفلة التفاهة” للكاتب التشيكي ميلان كونديرا، وما سطره من رواية تخيليه لحديث دار بين ستالين وأعضاء حكومته حول قيامه باصطياد 24 طائرا على دفعتين كانوا يقفون على غصن واحد. في الرواية يصف كونديرا كيف استقبل أعضاء المكتب السياسي تلك القصة معبرين عن مهارة الديكتاتور، الذي انتظر دخولهم للمرحاض ليستمع إلى سبهم له وعدم تصديقهم للمزحة التي رواها منذ قليل بشكل يوحي بجديتها.

الفيلم يخلط بين الشخصيات التاريخية الحقيقة وبعض الوقائع التي حدثت بالفعل، برؤية ساخرة لإعادة تفسيرها وتقديمها للمشاهد دون أن نعتبره فيلما تاريخيا. يبدأ الفيلم مستندا على واقعة تنسب إلى عهد ستالين، لكن المخرج قام بتطويعها لتناسب الخط الساخر للفيلم. يستمع ستالين عبر بث إذاعي مباشر إلى “كونشرتو موتسارت” بقيادة عازفة البيانو الشهيرة ماريا يودينا بمصاحبة الاوركسترا، فيبدي إعجابه بأدائها الذي استمع إليه وهو يراجع قائمة “أعداء الوطن” المزمع تصفيتهم بأيدي عناصر جهاز الأمن الداخلي بقيادة “بيريا”.

طلب ستالين النسخة المسجلة من المعزوفة على اسطوانة، فيقوم المسؤول القائم على الإذاعة بشكل ساخر جدا بمنع الجمهور الحاضر للعرض من مغادرة القاعة، وكذلك أعضاء الفرقة الموسيقية التي فقدت المايسترو الذي سقط مغشيا عليه خوفا من ستالين، ليجري استقدام مايسترو آخر بديل بملابس المنزل، وحشد جموع من المواطنين يبدو عليهم فقر المعيشة داخل الأوبرا الفاخرة لتسجيل الاسطوانة والهتاف لستالين، ولدى تسلم ستالين النسخة يكتشف بداخلها رسالة هجاء من يودينا، فتنتابه أزمة صحية ويسقط مغشيا عليه.

يودينا في الحقيقة وفي الفيلم

يهرع أعضاء المكتب السياسي إلى المنزل الريفي للديكتاتور فور سماع الخبر، ويبدأ الصراع بين طرفين كانا يتسابقان في إضحاك الديكتاتور في المشاهد الأولى للفيلم: نيكيتا خروتشوف، ولافيرينتي بيريا، كل منهما يحاول أن يكون أكثر حزنا، سعيا لخلافة الديكتاتور على عرش الاتحاد السوفييتي، ويستعرض الفيلم بشكل ساخر محاولات الغريمين لاستمالة أعضاء المكتب السياسي للفوز بمقعد ستالين.

يحتار أعضاء المكتب السياسي في محاولة العثور على طبيب كفء بعد اكتشافهم أن أفضل أطباء موسكو تم اعتقالهم أو قتلهم بعد أن أدرجهم بيريا في القوائم السرية لأعداء ستالين.

يفوق الديكتاتور من غفوته، ومن حوله أعضاء حكومته ويشير باتجاه نقطة ما في الغرفة، ويبدأ كل من في الغرفة بمحاولة تفسير تلك الإشارة، بما يعكس في تناول ساخر من الفيلم تأليه الديكتاتور من قبل الحاشية، فهم يرون إشاراته أعمق من قدرة عقولهم على إدراك مغزاها: هل يشير القائد إلى الخليفة المنتظر؟ أم أنه يومئ إلى رسالة يريد إيصالها للشعب؟ وقبل أن يحسموا تفسيراتهم، يفاجؤون بموت الزعيم الذي لم تكن إشارته سوى رغبة في كوب ماء ربما كان لينقذه من الوفاة أو يؤخرها قليلا.

لا يترك الفيلم مناسبة تتقاطع مع الواقع، إلا ويعالجها بسخرية مريرة، حتى لحظات القتل أو صراع أعضاء المكتب السياسي على خلافة ستالين، التي يغيب عنها تماما أي دور للشعب في اختيار الخليفة المنتظر. ويركز الفيلم هنا على دور الرجل القوي بيريا الذي يرغب في حسم الخيار لصالح شخص باهت عديم الرأي في واجهة السلطة، وينتهي الأمر بالموافقة على اقتراح بتكليف خروتشوف بمهام التحضير لجنازة ستالين، سعيا من بيريا لتهميش دوره لبعض الوقت، إلى حين ترتيب الأمر ليشغل موقع الرئاسة من هو أكثر طوعا منه ليسهل التحكم في قراراته وإخضاعه لمشيئة جهاز الأمن الداخلي.

الفيلم إنتاج فرنسي بريطاني مشترك، وتم منعه من العرض في روسيا بعد وصفته السلطات هناك بأنه ليس سوى دعاية غربية تعادي الثقافة الروسية وتنتمي للحرب الباردة، خاصة أن توقيت إنتاجه يواكب الاحتفالات بمرور 100 عام على الثورة البلشفية، وذكرى الانتصار السوفييتي على ألمانيا النازية في معركة ستالينجراد، التي أدت إلى هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية.

الجنرال جوكوف في الحقيقة والفيلم

مشهد جنازة ستالين يمثل ذروة المشاهد الساخرة في الفيلم، حيث لا يهتم مالينكوف سوى بالصورة التي سيظهر عليها على الشعب، ويسعى للعثور على طفلة سبق أن شاركت ستالين أحد صوره، فيما ينتهز بيريا المناسبة ليفرض سيطرة جهاز الأمن الداخلي على العاصمة وعزل الجيش عن المشهد تمهيدا للانقضاض على البلاد، وفي المقابل يسعى خروتشوف لإقناع جوكوف قائد الجيش بخطورة بيريا الذي يسعى لتكريس كل السلطات في يديه.

تتطور الأحداث إلى نجاح خروتشوف في حسم الأمر لصالحه بعد تمكنه من تأمين تأييد أغلبية المكتب السياسي وقائد الجيش، والتخلص من بيريا بتهم عديدة منها اغتصاب الفتيات المعتقلات، ويجبر مالينكوف بالتوقيع على نص الحكم على بيريا بالإعدام رميا بالرصاص، وبالتالي انفراد خروتشوف بالسلطة.

ينتهي الفيلم بمشهد خروتشوف في حفل تعزف فيه ماريا يودينا، وحوله أعضاء اللجنة المركزية، ويجلس خلفه بريجنيف الذي سيقوم بعد سنوات بالانقلاب عليه وخلافته في السلطة.

الفيلم افتقر إلى عناصر الإبهار السينمائي، حتى تلك التي سبق وقدمها مخرج الفيلم ارماندو لانوتشي، وإن كان اتخذ نفس النهج في النقد الحاد للدولة السوفيتية تحت حكم ستالين.

تم ترشيح الفيلم لعدد من الجوائز وحاز على جائزة أحسن إخراج وتأليف من “بافتا اسكتلندا”، وهو من بطولة ستيف بوشيمي، أولغا كوريلنكو، وجيفري تامبور، وتوبي كيبيل، ومايكل بالين ،وسيمون روسل، وبادي كونسيدين، وأندريا رايزبورو، وروبرت فيرند.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: