رؤى

هل يحكم الشرع البادية؟.. التمدد السلفي يعزز نفوذه في غيبة الدولة

 “أخ لنا في الله، أخطأ وتاب ويريد أن يقيم شرع الله، فهل نتخلى عن من يقيم شرع الله”.. “واحد غارم ومحتاج مساندة لرفع راية الشرع”.. هذه نماذج من عبارات يلجأ إليها الإسلاميون في المجتمعات البدوية لحث الناس على المشاركة في سداد تعويضات على غارمين يعجزون عن الوفاء بها، بعد أن حكمت بها “اللجان الشرعية”، التي تمثل أحد أشكال القضاء العرفي في مجتمعاتهم.    

يبدو جليا ما تمثله تلك العبارات من تكريس لمكانة القضاء الشرعي، بوصفه “قضاء يطبق شرع الله، ويساند الضعفاء”، وفقا لما يرصده عالم الاجتماع د. سعيد المصري في دراسته الأنثروبولوجية عن المجتمع البدوي في مرسى مطروح، تحت عنوان “الشرع يحكم البادية، دراسة لعملية أسلمة المجتمع البدوي في مصر”، الصادرة عن مكتبة الاسكندرية، وحدة دراسات المستقبل، عام 2016.

لكن ماذا عن القضاء العرفي؟ وهل تمكن القضاء الشرعي حقا أن يأخذ مكانة القضاء العرفي الذي طالما حكم البادية، وهل باتت الشريعة تحكم البادية حقا؟ وكيف أحكم الإسلاميون سيطرتهم على المجتمع البدوي؟ هذا ما تسعى دراسة د. سعيد المصري لاستكشافه عبر مسح شامل لمجتمع البادية مترامي الأطراف في مرسى مطروح.

د. سعيد المصري

مجتمع البادية

قبائل “أولاد علي” هي الأوسع نفوذا في صحراء مصر الغربية، التي تشغل محافظة مرسى مطروح أغلب مساحتها المأهولة، وهم ينقسمون وفقا للدراسة إلى فئتين: “السعادي”، و”المرابطين”. المنتمون إلى فئة السعادي هم الأعلى مكانة والأكثر حظوة، نظرا لانتسابهم إلى الأشراف، من نسل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم”، أما المرابطون، فهم تابعيهم، وبالتالي يأتون في مكانة تالية لهم، فيما يحظى بعضهم ممن يطلق عليهم “المرابطون بالبركة” بمكانة خاصة، كونهم يقومون بأعمال الإشراف على الأضرحة والموالد وممارسة الطب الشعبي. أما المكانة الأعلى فيحتلها زعماء القبائل، ويطلق عليهم وصف “العواقل”، باعتبارهم حراس العرف والتقاليد البدوية.

ويضم مجتمع البادية في مرسى مطروح أيضا الوافدين إليها من أبناء وادى النيل، الذين استقروا بها بعد أن قدموا إليها للعمل بها من موظفي الحكومة والمعلمين بالمدارس وغيرهم، وقد لعب هؤلاء الوافدون دورا مهما في عملية الدمج التي سعت الدولة إليها في مجتمع مرسى مطروح.

تمدد سلفي

التساؤل الأهم الذي سعت الدراسة إلى البحث عن إجابة عليه هو: كيف تمكن الإسلاميون من اقتحام عالم البادية؟ وحسب الدراسة، فإنهم نفذوا إلى عالم البادية عبر رافدين: الأول، الوافدون الذين استقروا في البادية عقب انتهاء فترة عملهم فيها كموظفين حكوميين، ومعلمين بالمدارس غالبا، ما أتاح لهم فرصة نقل أفكارهم إلى جيل جديد تربى على أيديهم، أما الرافد الثاني، فقد كان أبناء القبائل البدوية أنفسهم، الذين تعلموا وخرجوا من البادية للالتحاق بالجامعات المختلفة، وتأثروا بأفكار التيارات السلفية في تلك الجامعات، ثم عادوا إلى باديتهم، بصفتهم الأكثر علما، الذين يمكن الاعتماد عليهم في تعليم أبناء البادية.

الصوفية السنوسية

لكن هل الثقافة البدوية ذاتها تعد داعمة لفكر الجماعات الاسلامية؟ ترصد الدراسة هنا الدور البارز الذي لعبته الجماعة الصوفية السنوسية في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية في مجتمع البادية منذ أن قدموا إلى مصر في عام 1841، وأسسوا ما عرف بـ”الزوايا”، التي كانت بمثابة دور للعبادة والتعلم وحفظ القرآن، فضلا عن دورها كملجأ للحماية والدعم، ما منح هؤلاء المتصوفة الفرصة الكافية للسيطرة على الحياة الاجتماعية في البادية، ومن ثم منحهم القدرة على غرس بذور أفكارهم، التي ربطت الدين بالبداوة، بما مهد الطريق لأن تصبح البادية أرضا خصبة لأصحاب الفكر الاسلامي، ممن وفدوا إلى مجتمع الصحراء لاحقا.

التحكيم العرفي

يستمد القضاء العرفي، أو التحكيم العرفي، مكانته المميزة في مجتمع البادية من استناده إلى الأعراف البدوية السائدة هناك، ويعتمد أساسا على آلية التوسط في تسهيل المصالحة بين أطراف النزاع، وكثيرا ما يلجأ إلى “القسم العرفي”، خاصة في حالة السرقة، والذي يشترط أن يقوم المتهم بأدائه أمام أحد الأضرحة، وأشهرها ضريح “العوام”، وأحيانا يتم إضافة مشاركة أقارب المتهم في أداء القسم، وهنا يلعب “المرابطون بالبركة” دورا بارزا في حل المنازعات بحكم اضطلاعهم بمهام الإشراف على الأضرحة.

وتتمتع سلطة القانون العرفي بالقوة والمرونة في أداء مهامها، ومن أمثلة ذلك نجاحهم في استحداث أحكام للنزاعات المترتبة على حوادث السيارات والمعاملات التجارية الحديثة، وغيرها. وحين لا يستريح البدوي إلى حكم أحد “العواقل” في نزاع يخصه، فمن حقه أن ينقضه بقوله: “شرع الله عند غيرك” كناية عن رفضة لما تضمنه الحكم، واستناده إلى عرف لا يروق له، ومن حقه هنا اللجوء إلى محكم أخر، عله يحظى بحكم أخف وفقا للعرف أيضا.

تطويق العرف

عمدت التيارات الإسلامية خلال العقدين الأخيرين إلى توسيع نفوذها في مجال القضاء عبر تطويق سلطة العرف والسيطرة عليه بإحلال قواعد شرعية جديدة محله، بزعم أن “جوهر العرف هو الشرع”، وأن عملية الإحلال هذه خطوة على طريق الإصلاح الديني، حسب زعمهم. وتواكب ذلك مع محاولتهم البدء في هدم أضرحة تقع بأماكن نائية، باعتبارها أقل شأنا من تلك الأضرحة الكبيرة ذات المكانة الروحية الهامة، غير أن حركتهم قوبلت بالرفض الشديد من الأهالي، ومن المرابطين على وجهه الخصوص.

على جانب أخر سعى الإسلاميون إلى تعزيز تواجدهم في مجتمع البادية عبر آليات التفاعل اليومي المباشر مع الأهالي وتقديم الدعم المادي للفقراء، فضلا عن المشاركة في حفلات الأعراس، ومن ثم فرض رؤيتهم على طبيعة إقامة الأفراح. ومع الوقت، بدا مألوفا أن يبادر أحدهم إلى إلقاء ما يشبه الخطبة الدينية ضمن طقوس العرس المقام، ومن ثم تراجعت مظاهر الغناء والرقص واللعب والذبائح التي طالما كانت من الطقوس المعتادة في الأعراس البدوية.

وتفرد الدراسة مساحة لرصد أداء القضاء الشرعي، الذي يمارس الإسلاميون نفوذهم من خلاله، ويتم عبر ست مراحل متتالية، تبدأ بالتوسط في النزاع وتقديم المشورة الشرعية، ثم إجراء التحقيقات الشرعية، ويليها إصدار الفتوى النهائية وعقد المجلس الشرعي لإصدار الحكم، ومن ثم العمل على تنفيذه، مع مراعاة أن يصدر الحكم داخل المسجد، سعيا لإضفاء قدر أكبر من الهيبة والشرعية على هذا النوع من التقاضي، الذي يكرس سمعتهم بأنهم وحدهم من يحكمون وفقا لشرع الله.

وتحرص اللجنة الشرعية، إمعانا منها فى كسب التأييد، أن تستعين بالعواقل، لما يتمتعون به من هيبة ومكانة إجتماعية كبيرة، وذلك بهدف تفعيل أحكام اللجنة، غير أن الدراسة لفتت إلى الصعوبة الشديدة التي تواجه اللجنة الشرعية خلال مرحلة تنفيذ الحكم، ما حاولوا التغلب عليه بمبادرة الإسلامين أنفسهم لحث أفراد المجتمع على تسهيل تنفيذ الحكم، عبر دعوتهم لجمع المبالغ المادية المفروضة كعقوبة على بعض المتهمين، مع الضغط على الناس بطرق شتى، تشمل إثارة مشاعرهم الدينية، وإغراء أطراف النزاع بالمنفعة المتحققة من أحكام القضاء الشرعي.

وتلفت الدراسة هنا إلى إخفاق لجان القضاء الشرعي في تنفيذ ما اتفقت عليه أحكام القانون الوضعي والشرعي من حق المرأة في الميراث، وذلك امتثالا لسطوة الأعراف والتقاليد التي لا تزال أقوى من نفوذ اللجان الشرعية وأحكامها.

إخفاق الدولة

وتنبه الدراسة أيضا إلى الدور الذي لعبته المؤسسات التعليمية، على إختلافها، سواء داخل مرسى مطروح ذاتها أو خارجها من جامعات يستكمل فيها أبناء البادية دراستهم، والتي كانت بمثابة البوتقة التي نضجت فيها عناصر الحركة الإسلامية، وسمحت لها لاحقا بممارسة نفوذها الواسع على مجتمع البادية في مرسى مطروح، خاصة مع غياب دور فعال لمؤسسات الدولة في مجالات الثقافة والرياضة وغيرها.

كما تطرقت الدراسة إلى إخفاق بعض المحاولات التنموية من قبل الدولة، والمتمثلة في تسهيل تقديم قروض لأهالي البادية، قوبلت بالرفض تأثرا بما أشاعه الإسلاميون بأن مثل تلك القروض هي من أعمال الربا، حسب زعمهم.

 وشددت الدراسة في ختامها على أهمية تعزيز دور مؤسسات الدولة، وبالأخص مؤسسات التعليم والجامعات ومراكز البحث العلمي، في تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها السكان وجذب الشباب لمساندة جهود إضفاء الطابع المدني على مجتمع البادية، باعتباره طوق النجاة لمساعدة هذه المجتمعات على عدم الوقوع تحت سيطرة الفكر السلفي الوهابي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق