ثقافة

شعراء الأرض المحروقة.. شهادات من قلب الوجع

الكتابة عن الحرب هي ذاتها  الكتابة عن جرح مفتوح لم يندمل بعد، كتابة خارج الكتابة، تلعب وسط الألغام، وتبدو أشبه بطفل رضيع يبحث عن صدر أمه.

يشتبك الشعراء بعيون مفتوحة مع آلام متجددة يوما بعد يوم، الحقيقي الذي يصلنا من الكلمات هورائحة البرود، مشهد الدم المسفوك هناك، عيون خرجت من مكانها تبحث عنا، أيدي متجمدة معلقة في الهواء بانتظار طوق نجاة. المشهد يعيشه الشاعر العربي من اليمن حتى بغداد مرورا بسوريا وليبيا، مشهد تشظى بالجرح وغياب الضمير الإنساني، ليت الكتابة بإمكانها أن تعيد إلينا ذلك الضمير الذي دهسته الحرب.

هنا شهادات حية من شعراء يعيشون الحرب بكل ويلاتها، يجلسون معها على المقهى، يتنزهون مع أشباح موتى كانوا بصحبتهم، يواجهون رعبًا مستمرًا ويتنفسون هواء مشبعًا برائحة الغياب والبارود، يرون في كل ظلٍ قنبلةً، ووراء كل حائط قتلة، سيارات مفخخة توزع الموت، تبدو الحياة وكأنها خطوة نحو مقبرة جماعية.

أسامة حداد (مصر): كيف تخرج الوردة من شظية؟

لن نصفق لحكايات راويةٍ أعمى، أو من أجل شاعرٍ متجولٍ يغنى على ربابته سيرة أبو زيد الهلالي، ويحكي عن بطولات دياب، فلسنا فى موالد الأولياء نستمع إلى السير الشعبية، كما أننا لا نقرأ ملحمةً  قديمةً،  فالصراع لا يقصه هوميروس عن أخيل وهيكتور، وانتصار الإغريق ودمار طروادة مدينة بريام ، وصراع الآلهة والبشر، ولا نستمع إلى المتنبي فى قصيدة عن حروب سيف الدولة. تذكروا أن دميان صديق هيرمين هيسة فقد ذاته في الحرب، وخديعة الفضائيات وهى تلتقط مشاهد من الحروب ليست فيلمًا سينمائيًا يتابعه الجالسون أمام الشاشات، وينبهرون بالخدع الجديدة التي تستهلك مشاعرنا وإنسانيتنا.

لم تعد الحروب كما كانت محدودة جغرافيًا بل اتسعت، ولم يعد الجنود وحدهم هدفًا بل المجتمع بكامله، وما أقسي  أن تعيش مع احتمالات رصاص ينهمر بعد قليلٍ، وكأنك تتوقع هدفًا في مباراة للكرة، أن تنتظر قصفًا عشوائيًا بعد لحظاتٍ، انفجار سيارة مفخخة، تبادل إطلاق النار. وسط هذه الاحتمالات تمسك أوراقك البيضاء وتدون كلماتٍ قد تكون الأخيرة، أو تفقد ما كتبته لحظة الهرب من موتٍ إلى آخر، وتلعن من حولوا الحرب إلى لعبة يمارسها الأطفال على أجهزة الحاسوب، وكأنهم يُفقدون الصغار مشاعرهم أمام الموت.

وسط كل هذا البؤس والخراب، حيث تنعدم الخدمات، وتنهار الحياة تحت قذائف متتابعة، كيف يعيش الأدب بوعيه الجمالي؟ كيف تخرج وردة من شظية؟ ويرفرف سربٌ من العصافير حول قنبلة؟

من العراق إلى الشام فاليمن السعيد وليبيا يعيش البسطاء جحيم حرب فُرضت عليهم، وعدا أرض البابليين وموطن جلجامش تحول الربيع الثوري بأحلامه عن الحرية إلى كابوس، انتهت رهانات الحرية بالفجيعة، واشتعلت الحروب التي لا يهمنا الآن من يربحها أو من بدأ القتال، فالبسطاء هم  من يدفعون الثمن من أرواحهم، وداخل هذا الخراب هناك من يكتب ويحلم من يواجه الطلقة القادمة بالكلمة.

كتب الكثيرون عن الحرب عبر التاريخ، وقدم لوركا أهم قصائده عن أصدقائه الذين اختطفتهم الحرب الأهلية قبل أن يموت هو أيضًا تاركًا كلماته ترفرف في رؤوسنا (لا تبحثوا عني، لن تجدوني)، فقد حياته فى غمار الحرب الأهلية الإسبانية، وكتب إيلوار عن تجربته القاسية مع الحرب العالمية الثانية واحتلال الألمان لباريس، وتوجها بقصيدته الشهيرة (الحرية).

تجاربهم أمثلة من الكتابة تحت اللهيب، وبعدهم كان وديع سعادة، خاصة ديوانه الأشهر (بسبب غيمة على الأرجح)، أحد أهم من كتب عن الحروب من العرب، تأثيرات معايشة الحرب الأهلية اللبنانية وكيف تتحول الذاكرة إلى بقعة زيت، فماذا يكمن داخل اللحظة الآنية؟ هنا تحضرنا تجارب من الأرض المحروقة والمنازل الضائعة، ونقرا ما كتب عن مدنٍ كانت آمنةً، عبر شهادات حية من مبدعين عرب عن تجربتهم القاسية خلال معايشتهم للحرب، كيف للحرب بسلبيتها ووحشيتها أن تنتج نصوصًا بديعًة تحمل الدهشة والتشكيلات الجمالية؟ كيف لشجرةٍ أن تنهض مورقةً من رحم الجحيم؟ كيف تنجو الحروف من الطلقات الطائشة والنيران الصديقة؟ هل للأحلام وجودها وسطوتها؟ وأي رهانات تعيشها الكتابة مع موت متوقع كل لحظة وهرب مستمر بلا قرار.

لسنا مع طرف ضد الآخر بل مع الحياة بكل صراعاتها وإشكالياتها نتضامن مع البسطاء وأحلامهم، ومع الكتابة كطوق نجاة، مع ما هو جمالي ضد قسوة الموت المجاني، لا ندين أحدًا سوى الحرب وتجارها، فالشعوب تخسر كل يومٍ، والحياة غدت حلمًا في بلادٍ تبحث عن وجودها وأرضٍ نسمع قسوة نحيبها. نعم ضد الحرب، فالحرب حين تكون بين أبناء الوطن يخسر الجميع.

عامر الطيب (العراق): أتعمد الكتابة عن الحب والشجر

يقول جورج أورويل “كل نكتة هي ثورة صغيرة”، حتَّى تلك النّكتة الَّتي تنقل شيئًا عن الحرب هي بشكل ما انقلاب على الحرب، رفض لبشاعتها وأساليب إبادتها. أسوق ذلك القول لأنَّ الشّعر أيضًا أحد أكثر أساليب السّخرية جديًّة وأنا بمواجهة سؤال مثل: ما الَّذي يفترض أنْ يكتبهُ الشَّاعر في الحرب؟

 مع أنَّ السُّؤال ليس عاديًّا في بلد مثل العراق حيث ثمّة حروب ننسى أن نحصي ضحاياها، حروب الأخوة الأعداء موجعة و بشعة و منسيّة، أقول أنَّ مشكلتنا مع الآخر هي مشكلتنا مع أنفسنا. دائمًا ما يقال لي يفترض أنْ تصير واقعيّا و تصوّر ما يحدث في الحرب، لكنّي أتعمّد الكتابة عن أشياء مثل: الحبّ ،القلق ،الفرص المضيّعة، الجّسد المسلي ،القبلة، الطَّريق المنشق، الشّجر ملتقى العشاق.

حتى في زمن الحرب أدير وجهي عن الجّثث، لكنَّ ذلك ليس تنصّلا بقدر ما أعني أنّ الشّعر ابتداع عالم ما: لو أن الحرب حدثت بسرعة ما، لو أنّها لم تتركْ أثرًا سوى تشويه طفيف يمكن أن يعالج بالأغنية، الشّعر الأغنية، الشّعر النّكتة، بالضبط هذا هو الشّعر إذا كنّا نعتبره استمرار الوجود البشريّ متعثرًا أو سليمًا بالنّمو.

واجب الشّاعر في الحرب أن يكتب بالقوّة الّتي تتغذّى بالملل والشَّغف، وبمواجهة اليأس وباللغة يلعبُ و يصنعُ و يستثمر. كلُّ حرف في اللغة مهم في اللعبة، كلُّ حرف بطل على طريقته. أظن أنَّ فلوبير قال مرّة: “أنَّ وضع فارزة في مكانها أجمل من أيّة امرأة في العالم”. أعترف أنّ ثمة جفاء في العبارة لكنّي متأكد من أنَّ ذلك نابع من أهميّة الكتابة، أتذكّر العبارة الآن لأنَّ الإجابة عن سؤال الشَّاعر في الحرب تتطلّب عدم الخلط بين مفهومين: يكتب عن الحرب، أو يكتب ضدّ الحرب.

سوسن العريفي (العراق): الشعر طوق نجاة

أن تختنق بدخان قصائد يتراكم أنينها في مخيلتك، ثم تتعفن كجثثٍ ملقاة على صدرك، فهذه نتيجة حتمية لشعورك بالعجز أمام هذا الكم الهائل من الخراب والدمار والقتل. يتضاءل فعل الكتابة، وتتواطأ القصيدة مع الحرب على قتلك، وأنت لا تستطيع أن تغمض روحك، ولا حتى بمقدورك أن توصد باب الجحيم الذي يظل يكرر صور عذاباته في ذاكرتك.

تتمنى حينها لو تصبح حجراً لا تؤرقك هذه المشاعر الحادة، لكنك تتراجع عن أمنياتك لحظة سماعك لقصفٍ صاروخي على بعد خطواتٍ من منزلك. ترى بعدها الأحجار وقد تهاوت تحت القصف، حاملة ذكريات أصحابها، أحلامهم، ضحكاتهم، صدى ارتعاشة خوف غمرت صراخهم، وحتى الجملة الأخيرة التي لم تستطع الفرار فهوت وتناثرت كأشلاءٍ في الظلام.

الشعر كآلية دفاع ــــ مستمدة من روح كاتبهاــــ ضد الخوف والصدمات، ضد الواقع المحمّل بالبشاعة والجرائم والقتل. الشعر هذا الطفل الذي يتمرد، يخاف وينفعل، يرتعش ويضيء، قد يخبو لبعض الوقت، لكنه يظل مشتعلا تحت الرماد، يتجاوز الواقع، ويتحايل على اللحظة باقتناصها، ثم يعاود خلقها على نار متأججة من الأفكار المعرفية والمشاعر، من الخبرات الحياتية والأسرار التي تتراكم في أعماق كاتبها، حتى يغدو الشعر في نهاية المطاف طوق نجاة.

لكن كيف نستطيع أن نمارس فعل الكتابة وقت الحرب، وكل شيء يتجاوز حدود الإدراك، ويصل بنا الى نقطة تماسٍ مع ذواتنا الانسانية؛ التي تتصلب في حالة ما من الذهول والفصام، فلا تقوى حتى الأحجار على استيعابه بسبب الموت الوافر والقتل المجاني.

صحيح أن الكتابة، وكتابة الشعر بشكل خاص لا تندرج تحت الطلب، ولا توجهها القضايا، سواء كانت ذات محمولات سياسية أو اجتماعية، فالشعر صوت فردي جدا يستلهم كينونته من الذاتي والشخصي، من أسلوبه في التعاطي مع اليومي والهامشي بتفاصيل قد تبدو جلية ومتناقضة في مفارقاتها، إلا أن آلة القتل لا تترك لك الفرصة لتحيط بذاتك وسرعان ما تحيلك الى الغياب.

فكيف يمكن لنا أن نكتب الشعر والقذائف تترصدنا من كل صوب، وصوت الطائرات تحلق فوق رؤوسنا، لا يفصلنا عن الموت سوى لحظات؟ نموت خلالها ألف مرة، ونموت مرات بعد الألف حين نسمع بضحايا آخرين قد نعرفهم وقد لا نعرفهم.

من قال أن الكتابة في آتون الحرب وتحت جناح الموت هي الخلاص والانعتاق من اللحظة؟ قد تكون الكتابة في بلاد أخرى، بالنسبة لي فعل يقظة من الموت وعودة مؤقتة الى الحياة. الموت الذي ظل عالقاً في روحي حتى وأنا أغادر مدينتي، أهلي وأحبابي. الموت الذي أوسعني رعباً لدرجة أنه التصق بي في لحظة فصام. الموت الذي سيذكرني بوجوده، إلاّ من فعل يقظةٍ، تعيدني فيها الكتابة عودة مؤقتة إلى الحياة، حينها ستعلق شبه ابتسامة على حواف ذاك.

عبير خديجة (سوريا): أهرب من الشعر إلى الرسم

ربما ليسَ من الحكمةِ إطلاقاً التحدث عن شيء لم يكتمل مفهومكَ ضمنياً عنه، لكنك تُمارسه رغبةً، إن كان لابد من ذلك فسأتحدث بلسان الغِرِّة عن علاقتي السرّية بالشِعر الذي قد يبدو لنا أحياناً وكأنه مسٌ شيطاني ونحن الشعراء المرجومون.  لم أكن مرة لأشعرَ بأن بي مسٌ من شعر حتى الخامسة عشرَة من العمرِ حين بدأت بقراءته. مي زيادة، نزار قباني ؛ كانت أولى قراءاتي، بينما في الطفولة كنت أعاني من هجماتٍ شرسةٍ للخيال أرّقتني غالباً .

ربما إذن الشعر يُخلق مع الروح،  ثم يغدو تكويناً ثقافياً جمالياً فلا يمكن أن يفلح في ألا يكون إلا منسياً في الوقتِ الذي يكون فيه مجرد مزحة ثقيلة، في مرحلة لاحقة لم أكن ولمدة أعوام قد قرأت شيئاً، ومع ذلك كانت الكتابة هي النجاة التي تسبقها الحاجة إليها كجزءٍ من معنى الحياة وهنا دخلت مرحلة من القدرة على الانتقاء بين شاعر وآخر، أدهشني وليد زوكاني بديوانه (منذ ماءٍ كثير)، وتعبأت بوليد خازندار بكل دواوينه، أحببت أشعار علي الجندي بينما من الأصوات النسائية لم تُسحرني إحداهنّ كمرام المصري، وإنّ هذا لمُحزن وأرجع ذلك لذائقتي الشعرية. عموماً الفنون كلها، ومنها الشعر موت في الحياة، مُتع هذيانية لهزيمته تموت أنىًّ أردت وبالطريقة التي تريدها، إذن هو الحرية التي يقول عنها هيجل: لا تشعر بأنها حيّة إلا في فعل الهدم .

وكما قال شوبنهاور: كنت أكتب دائماً بقلمي أما عقلي فلم يكن معي أبداً، هكذا لم أشعر مرّة بأني كتبت شيئاً هو تماماً ما أردته، فكانت القصيدة فرساً جموحاً تقودني ولا أقودها، وكانت في المخيلة تبدو الصورة أجمل لذا كانت الكتابة مغامرة بتكنيك أسلوب توظيف ما أمكن من الكلمات لرسم فكرة قد لا تروق للغالبية من القرّاء في هذه المرحلة من الحداثة، حيث نرى نمط البسيط المفهوم كفكرة سائدة، وعندما كنت أصاب بحالةٍ من العجزِ عن استخدام القليلِ مما حفظته من منظومةٍ لغويةٍ مهما اتسعت تضيق ألجأ إلى الرسم، أما الكتابة في زمن الحرب فهذا لم أفكر فيه قط، فكل قصيدة كانت عندي نتيجة حرب صغيرة نخوضها تبدأ من هنا وسبابتي الأن مسدساً على صدغي، لكن ربما العيش في ظلها والطغاة لا شك بأنها إضافة عظيمة لروح الإنسان هي تجعلنا أقوى وأكثر ازدهاراً فيما يعتقد الغالبية أنها عكس ذلك، و هذا عائد لطبيعة كل إنسان، عموماً لا صبر لي على سفاهة الساسة والسياسة ولم أكتب مرّة في هذا المضمار ربما بسبب انحيازي لقضية المرأة، كل كاتب يمر بخبرات وتجارب تضيف له شيئأً لكن بي ظن وبعد الظن إثم بأن الشعر الوليد لمرحلة ما قد يكون في خطر فربما يخبو ضوؤه بزوال السبب وانتهاء المرحلة، يموت مالم يكن أصيلاً بالروح، ومع ذلك مرّت بي أوقات كثيرة تمنيتُ لو أنني لم أكتب لأنّ الأعمال الأدبية قطع بلاغية تتطلب نمطاً من القراءة على درجةٍ عالية من اليقظة ولا أعلم إن كنت فيما تبقى لي من العمر سأكون شاعرة وإن أصبحت فسيكون هذا محضَ صدفة.

خلود الفلاح (ليبيا): الشعر حصني المنيع

 يقول جوستن ترودو: “نحتاج الشعراء لتغيير العالم”، ولكن نحن متعبون في هذه البلاد من الموت ونأمل أن تنتهي الحرب، قصيدتي الصغيرة لا تملك إلا التمني وتسعى لعقد مصالحة مع قسوة ممتدة على مدى خمس سنوات.

في مدينتي “بنغازي”، كتبت ديواني الأخير “نساء” حيث الحرب على أشدها. كانت الكتابة هي حصني المنيع، كان عبارة قصائد مكثفة التفاصيل، عن حالات إنسانية لنساء يتحدثن بحميمية عن الملل والتقدم في العمر وعن الخيبات المتواصلة، هن لسن نساء مهزومات ولكن قويات ومتفوقات.

لم أستطيع الخروج من دائرة الخراب. فبيتي لا يبعد كثيرا عن محور مازال القتال فيه مستمر، كتبت قصائد بعد الديوان وجدتها لم تخرج عن إحساسي بالمعاناة واليأس من وصولنا لمرحلة التساوي بين الموت والحياة، كلاهما أصدقاء لنا.

تعرفت على الحرب من شاشة التليفزيون فقط ،ككل البشر يؤلمني مشهد الدماء والأصوات المنهكة من الألم وهنا أذكر ما كتبه إشمائيل بيه في كتابه “الطريق الطويل: يوميات صبي مجند”، كان الناس الذين يأتون إلى قريتنا هربا من وحشية المتمردين ويروون ما يحدث من مشاهد دامية لم أكن أصدقهم وأحيانا أقول انهم يبالغون ولكن عندما دخل المتمردين قريتي وشاهدت رؤوس البشر في أيديهم والدماء تتساقط منها أدركت بشاعة ما يحدث وحدث، هنا أتشابه معه في الحكاية فأنا تصلك القذائف العشوائية وأنت نائم في سريرك من الأمور العادية وأن تعيش تجربة أربعة أيام متواصلة بدون كهرباء فهذا حدث عادي جدا، أن تطبخ النساء الطعام في القرن الواحد والعشرين على الفحم والحطب في ظل نقص كبير في أنابيب الغاز فهذا يدخل في إطار المألوف في زمن الحرب التي لا تفرق بين أحد، أن تقع قذيفة بالقرب من بيتك وتخرج للشارع وتشاهد الناس تجري في كل اتجاه فتقول بينك وبين نفسك هذه الحرب اللعينة، وتتعرف على تفاصيل أكثر دقة من أخبار شاشات التليفزيون.

أعيش اليوم تجربة مختلفة جعلت مني إنسانة أكثر عقلانية وأكثر إحساس بالآخرين وأكثر هشاشة هل سلبتنا الحرب إنسانيتنا؟ قد يأتي يوم أمتن فيه لهذه الحرب لأنها جعلتني أعيش وسط خرابها المستمر أفكر بموضوعي الجديد للجريدة واقرأ الكتب وأكتب القصائد وأتابع نشرات الأخبار وأشاهد المسلسلات وأستمع للأغاني وأشترى الملابس وأذهب للكافية واكتشف ان هناك دائما حياة موازية لكل شيء ولا أدري هل هناك رغبة كبيرة في دواخلنا للحياة رغم كل ما يحدث. هل ملزم الشعر بأن يحقق الجدوى من كتابته؟ لا، الشعر هو منجزي الخاص، الذي سيظل يمنحني لحظات سعيدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: