رؤى

خلدون النبواني: تحالف السياسة والدين يغذي الجمود والإرهاب

إرهاب أسود يضرب العالم بقوة، تغذيه أفكار الجمود والتطرف التي أخذت في الانتشار في منطقتنا العربية في العقود الأخيرة في ظل غياب مشروع واعد للنهوض الحضاري، مع غياب دور الفلسفة في المشهد الثقافي في أغلب بلداننا، ليخفت صوت التنوير الذي طالما لعب دورا كبيرا في تشكيل وعي أجيال عربية عدة على مدى عقود طويلة.

هل ثمة إمكانية أن تستأنف الفلسفة دورها التنويري في واقعنا المعاصر؟ وهل بإمكانها أن تكون حائط صد ضد دعاة الجمود والتطرف الذين تخلق أفكارهم البيئة المواتية لموجات الإرهاب بمختلف جماعاته ومن يقفون وراءها؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت مدخل حوارنا مع المفكر وأستاذ الفلسفة السوري خلدون النبواني، وهنا نص الحوار.

لماذا يخفت حضور الفلسفة ورجالها في المشهد العربي والإسلامي المعاصر؟

هم موجودون وإن بشكل أقل حضوراً من ذي قبل، طبيعة الحياة الاستهلاكية وميل الناس إلى البحث عن مهن يجدون فيها العمل والمال لا البطالة والفقر يجعل الفلسفة في وضع مأزوم للوهلة الأولى، رغم ذلك فإن الحاجة إلى الفلسفة ملحة جداً للتعامل مع كافة أزماتنا المعاصرة، لكن يصعب ملاحظة الفيلسوف في عصره، فاكتشافه يحتاج إلى زمن يأتي غالباً بعد رحيله بسنوات، وأحياناً نُكتشف أهميته من جديد بعد قرون.

هل غياب الفلسفة عن مجتمعاتنا العربية له دور في ظهور الإرهاب؟

دون شك. غياب الفلسفة مؤشر خطير لما يعانيه العالم العربي، وليس المقصود هنا غياب تدريس الفلسفة فقط، وإنما غياب حضورها الفاعل حتى في البلدان العربية التي تُدرِّسها. الفلسفة غائبة حقيقة في المجتمعات العربية، وهذا ما أتاح المجال لأفكار الجمود الديني أن تتقدم لتملأ هذا الفراغ، وتنتشر أفكارها في نسخة متطرفة غذت نزعات الإرهاب. المعضلة أن الفلسفة لا تعادي إرهاب الجماعات المتطرفة فقط وإنما تعادي أيضا إرهاب الدولة حال تعديها على القانون وتوسعها في سلطات خارج نطاق المساءلة، ما يجعلها تحرص على تغييب الفلسفة.

وهل الفلسفة قادرة على دحر الإرهاب؟

الجواب بالنفي طبعاً لو تصورنا أن الفلسفة قوّة قائمة بذاتها تستطيع أن تواجه الإرهاب أو التخلُّف أو الجهل أو الفقر أو الاستغلال، الخ، لكن الفلسفة  يمكنها بلا شك أن تساعد كثيرا بدعوتها إلى الحوار والاعتراف بالاختلاف واحترام حقوق الإنسان وأهمها الحق في الحياة والعيش بأمان والحق في الاختلاف، وهي قد تقود الحملة ضد الإرهاب، لكنها لا تستطيع القيام بذلك دون توفر عامل القوّة الموضوعي، أي حوامل اجتماعية للفلسفة أو نخب متقدمة أو إرادة سياسية تعمل على تحقيق أفكار الفلاسفة في قوانين ناظمة تضمن قيام مجتمع مدني لن يسوده الإرهاب حينها.

لكن كيف تواجه الفلسفة الارهاب؟

بإشاعة الفكر النقديّ التنويري، والنهوض بدورها في الفضح والكشف والتعرية والإضاءة والإسهام بأفكار ومبادئ أساسية للتغيير، وتأكيد قيم الحق في الاختلاف والدعوة إلى الحوار وإرساء المبادئ الأخلاقية العامة لمجتمع متعايش بفضل اختلافاته وبتحرير الوعي من كل سُلطة قد تسلبه الرؤية سواء أكانت بشكل مقصود أو غير مقصود.

ما اسباب انتشار التطرف والإرهاب في عالمنا العربي؟

الأسباب كثيرة، ومن الصعب إحالتها إلى عامل واحد أو عاملين اثنين، لكن لعل أهم الأسباب هو حالة التهميش والإذلال وعدم الاعتراف بالشعوب العربية كمواطنين لهم الحق في المشاركة السياسيّة، والتعامل معهم كمجرد رعايا يُسيّرون بالعصا. تحالف السلطتين الدينية والسياسيّة غذى أيضا هذه الظاهرة، فالأخيرة تذل الناس والأولى تبيّض صورة السلطة وتدعو الناس إلى الطاعة التامة لولي الأمر لأن طاعته من طاعة الله. كذلك الفوارق الهائلة في توزيع الثروات، ليس فقط في أبناء البلد الواحد وإنما في العالم العربي ودول العالم، مع الإحباطات المتتالية سياسياً وانسداد الآفاق بتغيير ممكن في ظل استمرار دكتاتوريات حاكمة.

 كيف تقيم الفلسفة الاسلامية؟ وهل هي قادرة على مواجهة التطرف؟

لا أعرف ما تقصده هنا بالفلسفة الإسلامية، فحتى في الفلسفة هناك اختلاف على هذه التسمية، لكن إن كنت تقصد بالفلسفة الإسلامية تلك التي كُتبت في العصر الوسيط على يد الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد الخ فإنها لا شك ساعدت في تكوين تقاليد فلسفية في المجتمعات العربية المتدينة، لكن علينا أن لا ننسى أنها وقعت في كثير من الأحيان هي نفسها ضحية الإرهاب الذي تحاربه كما حصل مع ابن رشد أو العديد من المتصوفة. يتعلق الأمر بمناخ عام قد يسمح بازدهار الفلسفة أو تراجعها والنقمة على أصحابها. في الدكتاتوريات يكفي موت الحاكم المتسامح مثلاً أو تأليب الحاشية على الفيلسوف حتى تنقلب الدنيا على رأسه. حصل هذا مع أفلاطون مثلاً وابن رشد، بل وحتى الطهطاوي لاحقاً حين تولى الخديوي عباس  الأول الحكم. ظلت الفلسفة الإسلامية “توفيقية” حتى مع عصر النهضة، بالعموم، أي ظلت تساير الدين القويّ وهي خائفة مترددة، ما ترك الباب مفتوحاً للقوى الدينية لأن تقضي على أي إنجاز فلسفي أو فكري حديث العهد. التوفيقية سياسة رخوة، وكان يمكن للفكر العربي أن يفرض قوته أكثر لتحجيم سطوة الفكر الديني في بعض الفترات التي سادها حكام مستنيرين، وإن كانوا طغاة أيضا.

رفاعة الطهطاوي

لماذا يعادي الإسلاميون الفلسفة ويعتبرونها كفرا؟

طبعاً لا يمكن نسب هذا التكفير الواسع للفلسفة بمقولة ابن الصلاح الشهر زوري “من تمنطق تزندق”، لكن انتشار هذه المقولة مؤشر فعلي على حضور الكراهية والتخوف والاستهتار بالفلسفة في العالم العربي الإسلامي. لم تستطع الفلسفة أن تفرض حضورها في السياق العربي إلا في فترة قصيرة سادها نوع من التسامح والانفتاح وبخاصة في عصر الخليفة المأمون. وعندما تعرفنا مبكرا على الفلسفة اليونانية حاول بعض من اشتغل في الفلسفة عندنا التوفيق بينها وبين الدين، نجد هذا واضحاً عند جميع الفلاسفة المسلمين، وبشكل أوضح عند الفارابي وابن رشد مع اختلاف المقاربة.

ما طرحه ابن رشد عندما كتب “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال” يظل أقوى وأوضح وأمتن في رغبته في رفع المستوى الفقهي إلى مستوى القياس العقلي المنطقي، مقارنة بمحاولة الفارابي “الجمع بين رأيي الحكيمين”. التوفيق كما قلت ظل رخواً والظروف السياسية بتحالف السياسي والدينيّ جعلت الشعوب العربية منقادة بيسر لما تظن أنه مطلق لا يأتيه الباطل من خلفه أو من بين يديه، وبالتالي أفضى إلى معاداة الفكر الفلسفي الذي يسمح بتحرير العقول والشعوب.

وللأسف نجد أنفسنا اليوم أسرى حالة سلفية اتكالية غالبة وارتداد سلفي نحو الدين يؤكد لنا أن الغزالي السفلي قد اكتسح العقلانية الرشدية النقدية. وللأسباب الاجتماعية والسياسية التي ذكرتها أعلاه توهم المسلمون أن الإسلام هو الحل وإن سبب تخلفهم هو ابتعادهم عن دينهم ونظرتهم إلى الفلسفة باعتبارها ضلالا وانحرافا عن صحيح الدين وفكر أجنبي يهدد عقيدتهم.

 لك عمل تحت الطبع عن رفاعة الطهطاوي، هل تحدثنا عنه؟

دعني اعترف أني مبتعد منذ فترة عن الإنتاج الفكري العربيّ ومُستغرق بالكامل بحكم التدريس والاهتمام في الإنتاج الفلسفي الغربي. ما حصل أن معهد العالم العربي في باريس دعاني للكتابة باللغة الفرنسية عن مفكر عربي ساهم في مد جسور التواصل بين الغرب والشرق وبخاصة بين فرنسا والعالم العربي.

اقترحت عليهم اسمي الطهطاوي و طه حسين فأوكلوا إليّ مهمة العمل على الطهطاوي. العمل هو عمل تعريفي بهذا الرجل المستنير الذي جاء باريس إماماً وعاد منها رجل فكر مدني تحديثي.

كنتُ قد درستُ عن الطهطاوي في الجامعة، لكن هذه الفرصة جاءت مناسبة للاطلاع على بعض مؤلفاته عن كثب وبخاصة “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” و”مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” و”المرشد الأمين للبنات والبنين”. أحببت كتابه الأول عن باريس أكثر من غيره، لكني توقفت عند بعض القضايا بشكل نقدي مثل موقفه من الآخر، وموقفه من المرأة وأفكاره حول السياسة. اكتشفتُ أنه طوّر النظر في علاقته بالآخر كما نلحظ ذلك مثلاً في حذفه بعض المقاطع من الطبعة الثانية لكتاب “تخليص الإبريز” التي حملت مواقف عنصرية ضد الآخر المسيحي سواء أكان فرنسياً أو قبطياً مصرياً، أو حتى هجومه القاسي على مسلم مصري انتسب إلى المسيحية في مرسيليا، الخ.

طور الطهطاوي كل هذا دون أن يختفي عنده التمركز الإسلامي والتمركز العروبيّ. أعجبني أكثر في موقفه من المرأة رغم أنه ظل يمايز بينها وبين الرجل قليلاً حتى في أكثر مؤلفاته دعوة لحرية المرأة وهو “المرشد الأمين”. ما أثار تحفظي ضده كان موقفه السياسيّ، فبعد كتاباته التحررية الواضحة في “تخليص الإبريز” وخاصة في حماسه لتحرر الشعب الفرنسي من الطغيان إبان ثورة 1830 التي كان شاهداً عليها، نجده يأخذ في “مناهج الألباب” موقفاً محافظاً يدعو فيه الشعب إلى الصبر على الحاكم مهما فعل باعتباره غير خاضع للحساب الدنيوي، وأيضا تراجعه عن مناصرته للملكية الدستورية لصالح ملكية مطلقة، وتراجعه عن مناصرة الانتخابات النيابية التي أشاد بها في “تخليص الإبريز”، ثم عاد واعتبرها تثير الفتن وتؤخر قرارات التمدين والتحديث الخ. مع ذلك كله وبعد الانتهاء من العمل وبوضع الرجل في الزمان والمكان الذي عاش فيهما نما إعجاب حقيقي تجاهه فقد كان رائداً للنهضة حقاً.

 لو أن لك عملا عن الفلسفة والإرهاب، كيف سيكون هذا العمل وما ابرز ما ستتناوله فيه؟

أي عمل في الفلسفة هو عمل ضد الإرهاب مهما كان موضوعه ومهما بلغت درجة التجريد فيه. الفلسفة كما أفهمها هي فعل تنويري مستمر، ولهذا هي بالجوهر ضد الإرهاب. موضوع الإرهاب من المواضيع التي تفرض نفسها اليوم على الفلسفة بعد أن خيم شبحه على حاضرنا وأخذ يهدم في حياتنا، مع ضرورة التأكيد أن الإرهاب لا يقتصر على الجماعات المتطرفة المسلحة لكنه قد يكون إرهاب دولة أو حتى سياسة دولية.

شخصياً اشتغل على موضوع الإرهاب بشكل مباشر وغير مباشر، فقد سبق وترجمتُ كتاباً مهماً عن الموضوع “الفلسفة في زمن الإرهاب”، وهو حوارات لهابرماس ودريدا، وقد أشبعته بالتعليقات والشروحات وكتبت له مقدمة طويلة. كما كتبت مجموعة مقالات عن الإرهاب الإسلامي وعن دعاية الغرب بقصد حصر الإرهاب بالإسلام في حين أن بعض القوى السياسية في الغرب تريد إبقاء مفهوم الإرهاب فضفاضاً كي تتدخل في شؤون الغير تحت ذريعة مكافحة الإرهاب بإعادة تعريفه حسب مصالحها. لكن ليس في برنامجي الحالي مشروع كتاب عن الموضوع.

لك عمل مترجم عن الطريق إلى السعادة.. فكيف يصل الإنسان إلى السعادة؟

هو أيضاً كتاب ترجمته ولا علاقة لي بسياقاته. اعترف بندمي على ترجمة الكتاب، ولو بسرعة، فهو كتاب تجاريّ أكثر من كونه كتاباً جدياً. لطيف وغير معقد، ومفيد، لكن اهتماماتي الفلسفية أكثر رغبة بالتعمق والحفر بعيداً والتأليف أكثر منها في الترجمة لولا بعض الضغوط المادية أحياناً. السعادة موضوع فلسفي أصيل شغل الفلاسفة منذ تكون الفلسفة إلى اليوم وهذا ما يستعرضه الكتاب بعقد مجموعة من المقارنات ويصيب الكاتب في رفضه للوصفات الجاهزة للسعادة ويؤكد، واتفق معه في ذلك، على أن السعادة تتجلى بشكل أساسيّ في أن تجد أو تخلق معنى لحياتك وأن السعادة لا تقتصر، بل وبعيدة أحياناً عن السعادة المؤقتة أو امتلاك المال.

وما أهم مؤلفاتك الأخيرة وأبرز ما تناولته فيه؟

في السنوات الأخيرة قدمتُ مجموعة كتب، اثنان منها بالفرنسية واثنان بالعربية. الكتابان العربيان، كانا على التخوم بين الفلسفة والأدب. كتابان يحملان بصمة الحرب السورية بكل ما فيهما رغم سعي الحثيث، بكتابتهما، للهروب من كابوس الحرب والمأساة السوريّة. الكتاب الفرنسي الأخير هو جزء من تخصصي الفلسفي في الفلسفة المعاصرة وقد تفاجأت حقاً بانتشاره الأكاديميّ السريع وغير المتوقع فقد أخذته 12 جامعة أمريكية و 5 جامعات فرنسية من أهم الجامعات وهناك الآن من يقوم بترجمته إلى العربية وأرجو أن يصدر قريباً بلغة الضاد. أقوم كذلك بتجميع مجموعة من المقالات الفلسفية المحكمة التي نشرتها في السنتين الأخيرتين بالعربية والإنجليزية والفرنسية لإصدارها في كتابين باللغة العربية. هناك أخيراً مشروع فلسفي جاد وطويل يحتاج سنوات بدأت فيه وأعمل عليه بهدوء ولا زلت في بدايته سأفصح عنه حين إنجازه.

 

الوسوم

أحمد الجدي

باحث في شئون الإسلام السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق