ثقافة

محمد هاشم: الدولة مطالبة بدور حاسم لإنقاذ صناعة النشر

دور النشر الخاصة لعبت دورا أساسيا في المشهد الثقافي المصري في السنوات الأخيرة، ونجحت في إضفاء قدر من الحيوية والتنوع في سوق نشر وقع بين رحى مؤسسات رسمية طالها الترهل والجمود ودور نشر كبرى غلب على أدائها الطابع التجاري، ما أفسح المجال أمام تنامي نفوذ تيارات أصولية جامدة تقف بالمرصاد لكل إبداع جديد وكل فكرة جديدة، بزعم الحفاظ على خصوصية ثقافية لمجتمعاتنا العربية تعزلنا عن كل جديد يجري في العالم من حولنا.      

في هذا الحوار مع محمد هاشم أحد أصحاب المبادرات المهمة في السعي لكسر حال الجمود في سوق النشر، نستعرض معه المشهد الثقافي الراهن ومدى نجاح تجربته الخاصة في محاولة إفساح المجال أمام مبدعين وإبداعات جديدة تستعيد للمشهد الثقافي حيوية طالما افتقدها. كما نتطرق معه إلى رؤيته لسبل تجاوز أزمات النشر والناشرين واستعادة مصر لدورها الرائد في هذا المجال.

بعد سنوات من تجربتك في تأسيس دار “ميريت”، كيف تقيم التجربة؟  

وجود “ميريت” كان هدفه الأساسي سد الفجوة التي صنعتها دور النشر الكبرى جراء عدم اهتمامها بالكتابات الشابة الجديدة، وقصر النشر على الأسماء الكبيرة سعيا وراء جمهورها المضمون. رسخ دورنا وتجذر بعد أزمات عديدة واجهتها المؤسسات الثقافية الرسمية في أزمة الروايات الثلاث الشهيرة، فضلا عن “وليمة لأعشاب البحر”؛ وكان جُل اهتمامنا ضرب وتكسير كل التابوهات التي صنعتها الأصولية الجامدة وجماعات التكفير وغيرها من الجماعات التي رفعت شعارات الإسلام السياسي.

حرصنا منذ البداية أن نؤكد تمسكنا في ما نقدمه من إصدارات أنه ليست هناك رقابة على الأفكار، وخضنا المعركة ضد التيارات الظلامية بتبني منجز فكري وإبداعي للطليعة والأسماء البارزة المؤمنة بأهمية إفساح المجال أمام كل جديد والدفاع عن حرية التعبير.

استفدت بالطبع من تجربتي السابقة في دار “المحروسة” مع فريد زهران في النصف الثاني من الثمانينيات، التي أنجزنا فيها ما كنا نأمل إنجازه وقتها من أفكار ركزت بالأساس على إثراء المشهد الثقافي بالإسهامات الفكرية والأكاديمية البارزة في التاريخ والسياسة، كما بادرنا إلى إنشاء المركز الصحفي الذي لعب دورًا كبيرًا في تقديم معلومات لكل المهتمين في هذه المجالات، ولكن كانت لدي رغبة كبيرة متأصلة في التركيز على مجال الإبداع وتأسيس دار نشر خاصة لهذا الغرض.

وهل ثمة شركاء تحمسوا معك لإنجاز هذه الخطوة؟

أود هنا تسجيل امتناني لجهود أساتذة وأصدقاء تحمسوا للفكرة، وكانوا شركاء حقيقيين في إمكانية ظهورها للنور، وفي مقدمتهم الراحل إبراهيم منصور، ود. حسنين كشك، ومحمد عبد الرسول، عادل السيوي، الفنان أحمد اللباد، وغيرهم ممن دعموا التجربة بمنجزهم الفكري، ودعموا استمرارها تحت شعار “لا سقف لحرية التعبير”، الذي سمح بإصدار العديد من الكتابات التي حركت المياه الراكدة في المشهد الثقافي المصري.

وما عزز مشروعيتنا هو تمسكنا عن قناعة وإيمان كامل بأهمية الإسهام في صنع وعي حقيقي وحماية حرية الكاتب في ما يصدر عنه من إبداع، وضرورة أن تكف الأيدي عن المصادرة والمنع في عالم أصبح مفتوحا؛ ولا تجدي معه سياسات الانغلاق والجمود والثبات.

وساعد هذا النهج أن تكون “ميريت” نافذة مفتوحة أطل من خلالها العديد من الأصوات الإبداعية الجديدة في مصر، منها على سبيل المثال القاص محمد الفخراني، بلال فضل، وعلاء الأسواني  في “نيران صديقة” و”عمارة يعقوبيان”.

ماذا تراه يميز “ميريت” عن غيرها من دور النشر؟

حرصت ميريت منذ البداية أن يكون لها بصمتها الخاصة في إصداراتها وإخراجها الفني، وساعد على ذلك تميز تصميمات الفنان التشكيلي أحمد اللباد، ما أعطانا بصمة خاصة اشتهرت بها إصدارات ميريت.

بدت “ميريت” في قلب المشهد في 25 يناير وما بعدها، هل تحدثنا عن هذا الدور؟

بحكم وجود مقر الدار في بؤرة الأحداث قريبا من ميدان التحرير، فتحت ميريت أبوابها أمام كل من لجأ إليها من الكتاب والثوار من كل الأطياف، الذين اعتبروا الدار مقرا للقاءاتهم للتداول في ما يجري وتنسيق الجهود بداية من انطلاق الثورة وحتى خلع الإخوان عن الحكم، وهو أمر نراه مدعاة للاعتزاز ويتسق مع مشروعنا الفكري والتنويري، وإذا كان البعض وجده مبررا لحصار دورنا، فإننا نؤمن أن حصار الأفكار مصيره الزوال.

ما أبرز الصعوبات التي تواجه استمرار الدار في دورها؟

لولا الجهود التطوعية من كتاب وأصدقاء “ميريت” ما كان لنا أن نستمر في ظل الظروف الراهنة، نعمل بعيدًا عن أي دعم خارجي، كما أن كتابات الدار ظلت ممنوعة لفترة كبيرة من إدراجها على قائمة النشر ضمن إصدارات “مكتبة الأسرة” الصادرة عن وزارة الثقافة، فضلا المعاناة كغيرنا من الصعوبات التي لحقت بسوق النشر في تدبير احتياجاتها من الورق والطباعة وتكاليف التشغيل التي تضاعفت أسعارها، مع غياب أي دعم من الدولة للمساعدة في استمرارنا في دورنا لخدمة الثقافة المصرية.

أضف إلى ذلك مواجهتنا المستمرة لعمليات القرصنة وتزوير الكتب، التي أصبحت ظاهرة تهدد سوق النشر في مصر. الغريب أن لدينا عقد من عام 2012 مع المركز القومي للترجمة لم ينفذ حتى الآن وأتمنى أن يحدث هذا قريبا.

كيف يمكن أن تدعم  الدولة دور النشر؟

يمكن أن يتم ذلك عبر خطوة بسيطة للغاية عبر المؤسسات الثقافية التابعة للدولة مثل الهيئة  العامة لقصور الثقافة ومكتباتها التي تزيد على 500 مكتبة تنتشر في جميع محافظات مصر، وكذلك عبر المكتبات التابعة لوزارات التعليم والتعليم العالي والشباب والجامعات والمدارس المصرية. ليس  من المنطقي أن تخلو مثل هذه المكتبات من إصدارات دور النشر المستقلة، فيما تفسح المجال أمام كتابات تكرس الجمود والتخلف، ما يهيئ البيئة المساعدة على إنتاج العنف والإرهاب.

ثمة غياب ملحوظ للكتاب للنقدي والشعري في دور النشر المصرية؟

 قدمنا الكتاب النقدي، وليس لدينا أي أزمة في تقديم الكتابات النقدية سواء مترجمة أو مؤلفة، ومن إصداراتنا في هذا المجال الكتابات النقدية للدكتور شاكر عبد الحميد “الفن والغرابة”، وكتاب “نظرية التشكيل” للفنان التشكيلي عادل السيوي، وغيرها. أما نشر الشعر فقد أصبح مغامرة كبرى مع عدم الإقبال على شراء الدواوين الشعرية، ورغم ذلك نجحنا في تقديم العديد من الأصوات الشعرية الجديدة، منهم على سبيل المثال مايكل عادل، أميرة الأدهم، فضلا عن أصوات شعرية راسخة مثل إبراهيم داوود، الذي قدم أغلب أعماله الشعرية عبر دار ميريت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق