فن

عبد المنعم إبراهيم.. ضحكة قلب محزون

ياقوتة نادرة تشع موهبة تبرق من زاوية مختلفة لم يألفها جمهور الكوميديا في مصر منذ قرر يوسف بك وهبي في ثلاثينيات القرن الماضي منهجا تمثيليا يقوم على المباشرة والصوت الجهوري. كيف يلتفت الجمهور لهذه الياقوتة التي صارت وكأنها ملقاة في زنزانة لا يبحث فيها السجناء إلا عن أعقاب السجائر، أو هي بئر بترول في صحراء يتلهف الناس فيها على زجاجة ماء مثلج.. هذه الكلمات مستوحاة من تحليل للكاتب محمود السعدني حاول فيه كشف أسباب ابتعاد عبد المنعم إبراهيم صاحب الموهبة الفذة عن صدارة المشهد الكوميدي في مصر، وانزوائه خلف أدوار ثانوية لا تقترب من قدراته الهائلة. رأى السعدني أن هذا المزاج العام المعتل أسهم في إطفاء بريق «منعم» الذي كان صوته كموهبته في نعومة الحرير الياباني.

ألمح البعض إلى أن «منعم» يشبه في الصورة والأداء النجم الأمريكي الشهير ستان لوريل، وربما لذلك أحب السعدني أن يلقّبه في كتابه «المضحكون» بالخواجة، وكان يقول إن أداء «منعم» سيظل الأداء الأمتع بالنسبة للمثقفين الذين يضحكهم أوسكار وايلد ومارك توين.

ارتضى هذا الفنان العظيم أن يؤدي بعض الأدوار الثانوية في العديد من الأعمال السينمائية، ربما تحت ضغط الظروف المادية؛ لكنه في المسرح كان شديد الحرص على انتقاء الأعمال التي يشارك فيها، والتي ضاع معظمها للأسف بفعل الإهمال فلم يصل لنا منه إلا أقل القليل.

عشق عبد المنعم إبراهيم الفن منذ حداثة سنه؛ حتى أنه شارك وهو ما دون العاشرة في فيلمين من إخراج الأخوين لاما الأول بعنوان «المدينة الهادئة» عام 1931، والثاني بعنوان «شبح الماضي» عام 1934، ولكن هذين الفيلمين لا أثر لهما إذ ضاعا كما ضاع كثير من تراث السينما المصرية.

والده كان يعمل كاتبا بوزارة المالية، وكان شديد الولع بالمسرح والسينما، ويبدو أنه هو من سعى لدخول «منعم» عالم السينما مبكرا. أثرت ظروف كثيرة في طفولة ذلك الفنان النادر، فبالرغم من أنه ابن الدلتا، تحديدا قرية ميت بدر حلاوة التابعة لمركز سمنود بمحافظة الغربية؛ إلا أنه ولد في صعيد مصر، بمدينة بني سويف، حين كان والده يعمل هناك، وعندما عادت الأسرة إلى القاهرة اختارت حي الحسين للإقامة؛ لكنها ما لبثت أن فارقته بعد حادثة أليمة تعرض لها «منعم» كاد على إثرها أن يفقد بصره، وعانى بسببها ضعفا شديدا في قدرة الإبصار بالعين اليسرى وسحابة بيضاء تظلل جزءا من الحدقة.

انتقلت الأسرة إلى حي عابدين، ودخل «منعم» المدرسة؛ لكنه في أول أسبوع من الدراسة تعرض لاعتداء من زميل له في الفصل كاد أن يفقده حياته بعد أن أصيب بجرح قطعي طوله سبعة سنتيمترات في ذراعه اليمنى أعلى المعصم مباشرة. بعدها اضطر أهله لنقله من المدرسة ليستقر به الحال في مدرسة عابدين الابتدائية التي سيجد فيها ضالته المنشودة فيقبل على تعلم العزف على الآلات الموسيقية، ويختار البيانو الذي رآه الأنسب له، لكنه عندما طلب من والده أن يشترى له واحدا فوجئ أن ثمن المنزل الذي تسكنه الأسرة لا يفي بثمن البيانو.

كانت الأسرة قد اعتادت قضاء الإجازة الصيفية في ميت بدر حلاوة، وهناك كان «منعم» يقيم مسرحا في أحد الأجران يشاركه التمثيل فيه أترابه من طلاب المدارس ممن هم في مثل ظروفه، كانوا يستعيضون عن «المكياج» برماد «شواشي» الذرة التي كانوا يصنعون منها لفافات يدخنونها بعد انتهاء العرض كمكافأة لهم على حسن الأداء.

في عام 1938، حصل «إبراهيم» على الشهادة الابتدائية بتفوق، وحل خامسا في الترتيب العام، فاقترح صديق والده، الأستاذ عبد الحليم العشري ناظر مدرسة الزراعة المتوسطة بمشتهر، على الوالد إلحاق «منعم» بالمدرسة؛ ليضمن وظيفة في وزارة الزراعة فور تخرجه؛ لكن لحسن حظ الفنان –كما قال هو فيما بعد- رسب في الكشف الطبي بسبب الإصابة القديمة في عينه اليسرى. يتعجب ملك الكوميديا الراقية من تصاريف القدر يومذاك، فيقول في إحدى حواراته الصحفية: «لقد أسدى لي ذلك الصبي المؤذي صنيعا دون أن يقصد؛ إذ أهدى لي صنعة الفن التي ما كنت أرتضي لها بديلا».

وبسبب تلك الإصابة يُرفض الفتى من كل المدارس الثانوية؛ فلا يجد الاب مفرا من إلحاقه بمدرسة الصنائع ببولاق. التحق عبد المنعم إبراهيم بقسم «الميكانيكا»، وكانت الحصة الأولى مادة التكنولوجيا، لكن فتانا قبل أن يحضرها كان قد تعرف على عدد من طلاب المدرسة ممن يهيمون حبا بفن التمثيل، على رأسهم الفنان عدلي كاسب وعبد المنعم مدبولي وحسين الفار وبديع خليل وآخرين. في غضون العامين كونت تلك المجموعة فرقة مسرحية واستأجرت مسرحا بحي السيدة زينب، وقدمت عددا من العروض المسرحية الناجحة، وكانت مسرحية «الضحية» من إخراج عبد المنعم مدبولي والتي عرضت على مسرح الأزبكية عام 1941، أول بطولة لـ «إبراهيم»، تلاها في العام التالي مباشرة عمل آخر كان لنجاحه صدى كبير، وهو مسرحية «أولاد السفاح» من إخراج جورج أبيض.

تقدم «منعم» للالتحاق بمعهد الفنون المسرحية عام1944، وكان عدد المتقدمين 1500 طالبا اختير منهم أربعون طالبا، وكان العدد المطلوب عشرين طالبا فقط. تحدد يوم التصفية النهائية، لكن والدة «منعم» توفيت قبل الامتحان بيومين، وقرر «منعم» ألا يذهب للامتحان؛ لكن أصدقاءه ألحوا عليه، وأمام لجنة مكونة من العمالقة جورج أبيض ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وحسين رياض وزكي طليمات وآخرين، أدى «منعم» مشهدا من مسرحية البخيل لـ «موليير» لم ينل إعجاب اللجنة، فطلب منه زكي طليمات أن يؤدي دورا آخر فأنشد بعض أبيات من الشعر، أمره الرجل بعدها بالتوقف والانصراف. أيقن الفتى أنه لن يقبل لكن المفاجأة حدثت ووجد نفسه بين المقبولين.

في نهاية السنة الأولى قدم طلاب المعهد عرضا مسرحيا بقصر الأميرة شويكار بطنطا ضمن العمل الخيري لصالح جمعية الإسعاف. كان العرض من تأليف عزيز أباظة بعنوان «جامعة الدول العربية»، وكان كل طالب يؤدي دور بلد عربي، وكان على «منعم» إنشاد قصيدة مكونة من اثني عشر بيتا عن لبنان، وبمجرد أن تفوه ببضع كلمات حتى ضجت القاعة بالضحك؛ لكنه تحلى بأعلى درجات الثبات الانفعالي وأكمل القصيدة دون أن يهتز له جفن. كانت المكافأة من عميد المعهد بالانتقال إلى السنة الثانية مباشرة دون امتحان، ولدى تخرجه في المعهد كان ترتيبه ضمن الأوائل.

عين منعم عام 1945 موظفا بوزارة المالية براتب عشرة جنيهات، لكنه لم يستمر في الوظيفة الحكومية طويلا، وانتقل بعدها للعمل بالمسرح الفني الحديث الذي كان يديره أستاذه طليمات، وقدم من خلاله مسرحية «مسمار جحا» عام 1952، من تأليف على أحمد باكثير وإخراج طليمات، واستمر عرضها لثلاثة أشهر، ثم مسرحية «كفاح شعب» في أكتوبر من نفس العام عقب ثورة يوليو المجيدة، وبعدها مسرحية «ست البنات» قبل أن يبهر الجميع في مسرحية «تحت الرماد» بأدائه لدور ضابط نازي ناقم على رؤسائه، ولا يبوح لأحد بمشاعره، فكانت كل انفعالاته تظهر في نظرات عينيه الحائرة القلقة المتوجسة.

وبعد رحيل طليمات عن المسرح الحديث، تولى إدارته يوسف وهبي فأعاد «منعم» إلى الأدوار الثانوية بعد أدوار البطولة، ما اضطره إلى تقديم استقالته والانضمام إلى مسرح الريحاني ثم إلى فرقة إسماعيل ياسين، ليستقر به الحال بعد ذلك في المسرح القومي «جامعة المسرح» كما كان يطلق عليه، هناك قدم «منعم» أروع أعماله مثل «جمهورية فرحات»، و«أفراج الأنجال» و«معروف الإسكافي» و«عائلة الدوغري».

توفي والده تاركا له أربعة إخوة في عمر الزهور، أنجبهم من زيجة ثانية، وآل أمر رعايتهم إلى «منعم» أخيهم الأكبر، ورغم حزنه الشديد إلا أنه كان على خشبة المسرح يؤدي دوره ليلة الوفاة. وأثناء عرض مسرحية «سكة السلامة» فقد «منعم» أخاه الشقيق «محمد» وكان شديد التعلق به، إلا أنه غالب أحزانه، واعتلى الخشبة في ذات الليلة مؤديا واجبه كفنان حقيقي يحمل رسالة الفن السامية.

كان أشد ما عاناه الفنان عبد المنعم إبراهيم من أحزان تجربة مرض زوجته الأولى بالسرطان واكتشاف ذلك في مرحلة متأخرة قبيل الوفاة بأشهر، عاشها الفنان منغمسا في أحزان كالجبال لم يكن من الممكن الاستسلام لها في ظل ما عليه من مسئوليات جسام. كان قد اضطر للسفر إلى العاصمة المجرية بودابست للعمل في فيلم مصري مجري مشترك، وكان يهاتف زوجته كل أسبوع لصعوبة الاتصالات، إلى أن جاءته مكالمة تخبره بضرورة العودة سريعا حتى يلقي على زوجته الحبيبة نظرة الوداع. رغم تأخر الطائرة لمدة سبع عشرة ساعة إلى أنه وصل قبل الوفاة بيوم، وظل إلى جانبها حتى فاضت روحها إلى برئها تاركة له أربعة أطفال أصغرهم عمره عام.

 ثم كانت تجربته الفريدة مع الكاتب ألفريد فرج في ثلاثة أعمال خالدة هي «حلاق بغداد» و«على جناح التبريزي» و«بؤبؤ الكسلان».. ثم «باب الفتوح» من إخراج سعد أردش عام1967، ويعتبر العمل الأقل نجاحا رغم ما تميز به العرض من فنيات عالية.

أما عن السينما فقد أصرت بمعاييرها المختلة أن تعطي ظهرها للفنان الموهوب، فلم تتعد بطولاته المطلقة فيها عدة أفلام نذكر منها «سر طاقية الإخفاء» عام1959، و«سكر هانم» عام 1960، و«لعبة كل يوم» عام 1972، ودوره الرائع الذي يعد أحد علامات السينما المصرية لشخصية «ياسين» في فيلم بين القصرين عام1962.

تجاوزت أعمال الفنان عبد المنعم إبراهيم 150 فيلما أدى خلالها أدوار ستظل خالدة في ذاكرة الجماهير مثل دور محروس في فيلم «إشاعة حب» 1960، ودور المجنون في فيلم «بين السما والأرض» 1960، ودور الأستاذ حكم مدرس اللغة العربية في فيلم السفيرة عزيزة1961، ودور محمود أبو العباس المكافح في «ميرامار» 1969، ودور المناضل العمالي الخال علي في فيلم عودة مواطن 1986، ودور إبراهيم الكمساري في «سكة سفر» 1978، وغيرها من الأدوار الخالدة مما يجل عن الحصر.

وفي الدراما التليفزيونية قدم منعم أعمالا خالدة مثل: مسلسل: القضية 80، زينب والعرش، هي والمستحيل، الجريمة، الذين يحترقون، بعد الغروب، الرجل والطريق، أبواب المدينة، لسه باحلم بيوم، حارة الجوهري، محمد رسول الله (عدة أجزاء)، الشهد والدموع، وأخيرا «أولاد آدم» الذي لم يمهله القدر لرؤية نجاحه الساحق الذي حققه عندما عرض في مصر.

في مثل هذا اليوم من عام 1978 رحل عن عالمنا الفنان عبد المنعم إبراهيم، وقد خرجت جنازته من المسرح القومي كما أوصى؛ ليدفن في مسقط رأسه بقرية ميت بدر حلاوة. رحم الله الفنان الجميل وغفر له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: