الحدث

ياسر عرفات في ذكراه.. نختلف معه ولا نختلف عليه

في ذكرى الرمز الأهم في مسيرة الثورة الفلسطينية، يبقى حاضرا في المشهد عبر تداعيات دعوته المبكرة إلى إطلاق ثورة الكفاح المسلح خيارا رئيسيا لتحرير فلسطين. في مرحلة هامة من تاريخ النضال الوطني تصدى بجسارة لتحمل مسؤوليات القيادة، ونجح في إطلاق حركة شعبية ضمت عشرات الآلاف من شباب فلسطين والأمة العربية قبل نهاية الستينيات من القرن الماضي.

قاد أبو عمار الغارات المسلحة انطلاقا من الحدود الأردنية ثم الحدود اللبنانية، وقدمت الثورة الفلسطينية في مسيرتها الممتدة آلاف الشهداء والجرحى من ابناء الشعب الفلسطيني، وفي القلب منها خرجت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات من الرحم الفلسطيني، لتمثل علامة فارقة في تاريخ النضال الوطني.

اختلفنا مع الشهيد ياسر عرفات، لكننا لم نختلف عليه، منذ بدأ مسيرته الطويلة في تحمل مسئولية قيادة العمل الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية، خلفا للمناضل أحمد الشقيري الذي نجح في تحقيق وحدة لحمة الشعب الفلسطيني عبر عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في مدينة القدس بمشاركة كافة الرموز الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني عام 1964.

بعدها تصدى أبو عمار لمواصلة مسيرة النضال الفلسطيني واستكمال بناء هذا الصرح الكبير بمشاركة الفصائل الفلسطينية والرموز الوطنية المستقلة التي حرص على أن تكون لها الأغلبية في مجالسها الوطنية وقيادتها الممثلة فى اللجنة التنفيذية، حتى لا يسيطر فصيل على المنظمة ويملى قراراته عليها .

خاض ابو عمار العديد من المعارك وأقام أقوى العلاقات مع نظام عبد الناصر الثوري، وتدرب آلاف الشباب في معسكرات الجيش المصري ليشاركوا في معارك الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني. وكانت معركة الكرامة على نهر الاردن وهجمات الفدائيين غربي النهر وشرقه شاهدا على إيمانه الراسخ بخيار الكفاح المسلح.

جمال عبد الناصر، وياسر عرفات

تابع ابو عمار العمل السياسي والنشاط الثقافي والعلمي والإعلامي من خلال دوائر منظمة التحرير الفلسطينية وأقام اقوى العلاقات مع الأنظمة الثورية العربية في الجزائر والعراق وسوريا وليبيا واليمن، التي انطلقت منها كتائب الثورة الفلسطينية ولم تبخل في دعمها ماديا ومعنويا.
كان أبو عمار قائدا بسيطا متواضعا أحب الجميع وأحبه كل من عرفه، ومن أجل هذا خرجت جماهير شعبنا تحيى ذكرى رحيله بمشاركة فتية صغار لم يشهدوا حياته إلى جانب الكبار الذين عاصروه.

لم أكن فتحاويا رغم علاقتى بالكثير من قيادات فتح، إبان عملنا معا في الحركة الطلابية الفلسطينية، قبل أن يتحملوا مسئولياتهم في قيادة حركة فتح، أذكر منهم أخي أبا اللطف وأخي هانى الحسن وهايل عبد الحميد وغيرهم كثيرون، كما أذكر أخي الشهيد أبي إياد الذى توطدت علاقتي به قبل رحيله.

كان ابو عمار يزورنا كثيرا فى رحلاته المكوكية الى القاهرة، وكنا نلتقيه ونذهب معه إلى حيث يقيم في استراحته بقصر الأندلس، نتناول معه وجبة العشاء الخفيفة من الجبن والطماطم والحلاوة والعسل، ويتداول معنا في الشأن الفلسطيني، ثم ينطلق للقاء رموز العمل الوطني فى مصر، ولم ينس مرة ان يزور البابا او أقطاب المعارضة. كان أبو عمار محبا لمصر ويقول دائما إنه مصري الهوى، وكان يؤمن أن مصر هي العمق الاستراتيجي في مساندة الثورة والمقاومة الفلسطينية، التي وصفها عبد الناصر بأنها أنبل ظاهرة في تاريخنا المعاصر، ووقف مدافعا عنها في معركة الأغوار يوم تعرضت المقاومة لتصفيتها وتصفية قيادتها، ورحل ناصر عن عالمنا في ختام القمة العربية التي دعا إليها لحماية المقاومة.

كلفني أبو عمار بكثير من المهمات الوطنية، ومنها تمثيل فلسطين في الحوار الأوروبي مع أخي الدكتور أحمد صدقي الدجاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي كان الشهيد ياسر عرفات يعتز كثيرا بآرائه رغم أنه عارض اتفاق أوسلو. رحمك الله يا أبا عمار، ستبقى في قلوبنا حتى نلقاك، وسيبقى شعبنا في طريق النضال حتى يحقق الأهداف التي قاومت من أجلها أنت وكل الشرفاء في الوطن على طريق المقاومة والتحرير وإنهاء الاحتلال.

*عضو المجلس الوطني الفلسطيني

نقلا عن صفحة الكاتب على الفيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق