منوعات

أمية الرسول

تحل في أيامنا هذى ذكرى المولد النبوي الشريف، ومع تلك الذكرى العطرة تنشط الاحتفالات وتتنوع بتنوع المحتفلين؛ احتفالات رسمية نعرفها ونقدرها جميعًا، واحتفالات شعبية بتناول أنواع من الحلوى، وهي احتفالات يقف لها أدعياء السلفية بالمرصاد، ويلقون بالاتهامات القاسية على رؤوس المحتفلين كأنهم قد خرجوا على الملة.

وثمة طقس احتفالي يحرص عليه كل عام بعض الذين يريدون إقامة مهرجانات للجدال لغرض في نفوسهم، أعني بهم هؤلاء الذين يخوضون في السيرة النبوية الشريفة خوضًا تمليه عليهم أهواء نفوسهم، وللإنصاف يبرع هؤلاء في تجديد مواد احتفالهم، ففي كل عام لهم مادة يتناولونها ويروجون لها، ومادة عامنا هذا كانت “أمية الرسول”.

عامة المسلمين وأكثرية خاصتهم يؤمنون بأن الرسول الكريم كان أميًا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ويستشهدون على صحة موقفهم بالأحاديث الشريفة ووقائع التاريخ والآيات الكريمة التي تناولت أمية الرسول باللفظ الواضح الصريح، ولعل الآية الكريمة الواردة في سورة العنكبوت: “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ”، هي الآية الأشهر في هذا المقام.

أصحاب احتفال الجدال لوجه الجدال يبدأ الواحد منهم بأن يشتم الأمة التي تفاخر بأمية نبيها، ثم يلتف ويدور حول معاني كلمة “الأمية” ليدلل على أنها لا تعني الجهل بالقراءة والكتابة، وإنما تعني كل الأمم غير أمة اليهود. وبعد أن ينتهي هؤلاء من جولاتهم في بطون الكتب التي يأخذون منها بدون بصيرة ولا روية، ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: يتوقف عند حد نفي الأمية عن الرسول.

القسم الثاني: يوغل في فرضيات علم الرسول وتعلمه لكي ينتهى إلى النتيجة التي يريدها وإن لم يفصح عنها بطريقة واضحة، وهي أن القرآن الكريم جهد بشري بذله رجل عبقري صاحب مواهب عقلية خارقة.

عيب هؤلاء الرئيس أنهم ينظرون إلى مقامات النبوءة نظرهم إلى البشر العاديين، نعم الأنبياء والرسل الكرام هم بشر ولكن الله عز وجل أعدهم إعدادًا خاصًا يمكنهم من تحمل أعباء رسالاتهم، وذلك الإعداد يتضمن ما يمكننا تسميته بـ”المنع” أو “الحجب”.

ولشرح المصطلح نقول: كل الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت تحيط بطفولة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت تحتم عليه أن يكون متعلمًا، فهو ابن سادة بني هاشم الذين كانوا سادة  قبيلة قريش سيدة قبائل مكة، ومن المنطقي أن يكون ابن السادة متعلمًا لكي يمارس سيادته عندما يأتي وقت ممارسته لها. ثم أن البارزين من أبناء جيل الرسول كانوا متعلمين، مثل صاحبيه الصديق والفاروق وغيرهما.

هنا تأتي علة المنع الإلهية، الله هو الذي صرف عن أذهان أسرة النبي فكرة تعليمه، كانوا حريصين على صحة جسده ونفسيته وبلاغته فألحقوه بالبادية حتى يشب على قيمها المتميزة ويأخذ العربية من أفواه أصحابها، ولكن فكرة التعليم لم تراودهم.

وحتى عندما شب الرسول وأصبح وليًا لأمر نفسه لم يتعلم، وستزول غرابة الأمر عندما نضع تحت أعيينا قصة تاريخية ثابتة تشبه قصتنا هذه. إنها قصة نبي الله يوسف بن يعقوب الذي فعل به أخوته ما فعلوه، وكان وقتها صبيًا يعرف أهله ويعرف المنطقة التي كان يعيش بها، ثم عندما جاء إلى مصر، ذلك البلد البعيد عن سكن أهله وتعلم في مصر وعاش في قصر الحاكم كواحد من أبناء القصر المدللين ثم حدث له ما حدث مع زوجة العزيز ودخل السجن وهو البريء الطاهر، فهل من المنطق في شيء ألا يفكر هذا الولد الذي يعرف مدى حب أبيه له ومدى حرصه على حياته أن يرسل لأبيه برسالة من كلمة واحدة مع أي قافلة من القوافل التي كانت تأتي من بلده إلى مصر للتجارة؟ لم يكن مطلوبًا من يوسف سوى رسالة جد صغيرة تطمئن قلب الأب المكلوم. لماذا لم يفعلها يوسف؟ ولو أهدرنا فكرة المنع أو الحجب الإلهية لكان الأمر كله خارج نطاق العقل والمنطق.

إن المنع هو تهيئة الله لرسله كل حسب ظروفه، لقد مُنع يوسف من مراسلة أبيه ومن العودة إلى بلاده لكي يصبح رجل مصر الأول ومنقذ البشرية من مجاعة قاتلة، وكذا منع رسولنا من التعليم لكي تكون أميته آية، فهذا الأمي الذي لا يعرف الكتابة والقراءة سيعلم البشرية كل البشرية بكتاب نزله الله على قلبه.

إن سجن يوسف ينتصر لأمية الرسول، وعبودية يوسف وغربته هى كأمية محمد، حكمة إلهية يؤمن بها من يؤمن ويجادل فيها بالباطل من يجادل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: