ثقافة

«رب على شكل طائر».. محمد عيد يحتفي بالهامش الذي صار متنا

احتفى منتدى عفيفي مطر بأتيلييه القاهرة بأحدث إصدارات الشاعر الكبير محمد عيد ابراهيم “رب على شكل طائر”، بمشاركة حشد من الأدباء والشعراء والنقاد. ورأى المشاركون في النقاش أن الديوان الجديد يعكس القيمة التي سعى الشاعر علي مدي تاريخه أن يؤصلها، وهي أن يكون الشاعر نفسه أولا مهما كثر آباؤه في المنحى الشعري أو الطريق الذي سلكه.

واستعرض النقاش تطور  تجربة الشاعر لتأكيد هذا المعنى منذ ديوانه الأول “قبر لينقض”، ومرورا بـ”خضراء الله”، و”عيد النساج”، و”مجنون الصنم” وغيرها من الدواوين التي بلغت ١٤ ديوانا

.

وقال الشاعر محمد حربي في تقديمه للندوة إن محمد عيد إبراهيم أحد أبرز رموز جيل السبعينيات الذي لا يزال  يقاوم بالكتابة والإبداع الشعري في زمن خفت فيه وهج القصيدة في المشهد الثقافي المصري، لافتا إلى ما ميز أبناء هذا الجيل من المبدعين الذي جعلوا الدأب والمقاومة اليومية  قيمة جمالية نتكئ عليها كلما أيقظنا الواقع علي صدمة أو داهمتنا التفاصيل اليومية الخانقة في مناخ يعادي الإبداع ويقتات على أجنة القصائد، حسب تعبيره.

وأضاف: كان عيد ابراهيم هو نفسه، مع أنه يكتب قصيدة الهامش ضد المتن المزدحم بالأصوات والفحيح، لافتا إلى أن هامشية الشاعر جاءت عبر زاويتين، أولهما الهامش الاجتماعي الذي ينتمي إليه بانحيازه الواضح لعالم الكادحين والمهمشين، والثاني الهامش الجمالي الذي يمثله بانحيازه إلى قصيدة النثر فيما كان رفاق الدرب غارقيتن في التفعيلة التي سميت خطآ بالشعر الحر.

وتابع: اختار عيد قصيدة النثر، تأسيا وليس تأثرا بمسيرة  التجربة اللبنانية، خاصة عند المبدع الراحل أنسي الحاج، ذلك الهامش الجديد الذي كان يتشكل علي مهل منذ الستينيات والسبعينيات في لبنان، والذي صار متنا، لكن المفارقة أن اعتبر عيد أن الهامش قدره وأن متنه الحقيقي في التجريب  المستمر، متكئا على الحلم دائما، متحديا جبروت العقل غير رافض له، يعيد الاعتبار للأساطير والأفكار الأولى، ويجمع المقدس والمدنس في زواج التفاصيل العصية علي الجمع.

بدوره، اعتبر الناقد د. رمضان بسطاويسي أن تجربة الشاعر تعكس رؤية متفردة ومغايرة ظهرت واضحة في ديوانه  “رب على شكل طائر”، عبر ما تضمنه من تجليات تجربته وذواته المتعددة في الديوان، وبراعته في تضفير السيرة الذاتية بحضرة الخيال في نصوص استحضرت الأساطير وأقوال الفلاسفة والمتصوفة، في أداء ينحو لتجريب ما يشبه الرباعية غير المكتملة أحيانا والدائرة المفتوحة التي  تقفل  فقرة لتفتح أخرى.

وقال الشاعر أسامة حداد إن الشاعر محمد عيد إبراهيم يواصل اشتباكاته مع القارئ ويؤكد على موقفه وانحيازاته الجمالية والأيديولوجية، فمنذ العنوان العتبة النصية الأولى يفتح آفاق التلقي ويواصل ممارساته الدلالية، إنه يبدأ بكلمة رب  بكل ما تحمله من دلالات وموروث ثقافي وديني، فهي تعني صاحب كما تشير إلى النبي في الأدب العبراني والآلهة في الميثولوجيا، وتحديدها في شكل طائر يدفع بنا في اتجاهات متعددة، فحورس الإله المصري كان على هيئة صقر مجنح، والطائر “إنزو” لدى السومريين سارق اللوح، والمسيح في اللاهوت قام من قبره محلقا في السماء، ولا يمكن – بالطبع – أن نتجاوز الطواطم لدى الشعوب والقبائل القديمة وعبادتها وكتاب “ليفي شتراوس” حولها،  إنه في صراع مع القارئ منذ البداية وعلى المتلقي ألا ينتظر لغة شفافة أو نصا ينحو باتجاه الشفاهة واليومي والبساطة، إنه يقدم نصا يبدو من الوهلة الأولى سرديا عبر المعمار الخارجي من خلال استخدام الكتلة السردية وآليات السرد الروائية بأشكالها المتعددة، ولكنه يمنحها طاقات شعرية، ويقدم مجازا كليا قادرا على إثارة التأمل والدهشة معا.

أسامة الحداد

وجاء النص الثاني بعنوان ” معلقة الثدي” حيث التناص مع نصوص وكتابات لشعراء وكتاب متنوعين من ثقافات مختلفة مع الاشتباك مع المعلقات تلك النصوص العربية الباذخة، والمزج بين معارف شتى بما في ذلك ما هو موروث شعبي ( ثديك بطن دجاجة ) إن النص يعيدنا إلى الشعوب القديمة والإلهة الأم في بلاد الرافدين وبعض الديانات في الهند وفكرة الأمومية وتنظيرات فرويد حول مبدأ اللذة، والثدي داخل النص كدلالة مركزية يحمل تناقضات وتصورات حول العالم والتاريخ عبر ممارسات دلالية من القرآن إلى أوفيد وأبي نواس ورامبو، إنه يجمع العالم والتاريخ في الثدي رمز الحياة والأنوثة ( ثديك جوهر للموت، ثديك شجرة،  ثديك الملك الغشوم، ثديك فرس، ثديك عين بيضاء، ثديك امرأة تتمطى، ثديك امرأة تصعد السلم …) عبر هذه التصورات يتشكل العالم ويجتمع التاريخ ويتجاور المقدس والمدنس معا في تناغم ويغدو الثدي رمزا للحياة والموت وإشارة إلى عذابات البشر وصراعاتهم، في أداء شعري لا يقدم الثدي كما جاء نصوص شعرية كثيرة إنه ليس الجمال الباذخ ولا هدف الرجل وغايته، ولا يمثل مصدر الجمال والأنوثة لامرأة تفتن الرجال، إنه ليس نبع لذة حمراء تشعل الدماء ولا أيقونة إنه يجاوز هذا ليكون محورا للحياة بكل تناقضاتها وصراعاتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: