منوعات

كامل زهيري.. الأمين على حرية الصحافة

الصحافة حرة بالضرورة، ومن غير الحرية تصبح الصحف قصاصات من الورق منقوشة بحبر أخرس، وهي لذلك في رأى المشرعين حرية خطرة، ومن هنا كان تزاحم القوانين عليها، وقد يختلف مشرع عن آخر، ومن هنا كان الدفاع عن حرية الصحافة والصحفيين دفاعا شرعيا.. وليس هذا من مسئولية الصحفيين فقط بل هو مسئولية الرأى العام”.

ما سبق جزء من خطاب أرسله نقيب النقباء كامل زهيري إلى رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب عام 1985 للاعتراض على تعديل قانون الصحافة، قال فيه: “إيمانا بأن الحوار الوطني المسئول هو طوق النجاة، وأن اصطناع الطاعة لا يقل ضلالة عن تصيد الخطأ، وإيمانا بأن الاختلاف في الرأي طالما طابت النوايا هو دليل صحة وعافية وليس نذير مرض عضال، فإنني أخيرا أعلن صراحة رأيي في طريقة إعداد قانون الصحافة الجديد.. إننى أعترض من ناحية الشكل والمضمون. ولن أناقش المواد مادة مادة، فلا النصوص تكفي، ولا الخطب ولا الأوصاف ولا الألقاب المخلوعة.. إنما العبرة كما يدرك كل دارس لقوانين الصحافة أن تتسق النصوص مع روح الدستور حتى لا تزهق روح الدستور بحبال مفتولة من الكلمات”.

حق المواطن

الصحافة واستقلالها هي القضية التي عاش نقيبنا الأسبق محمد كامل زهيري (1927 – 2008) ومات من أجلها، دافع عن حرية الرأي والتعبير وعن حق المواطن في المعرفة دون وصاية من أي سلطة: “الحرية ليست امتيازا ولا حصانة الصحفيين، بل هي دفاع عن حق المواطن في أن يحصل على صحيفة على قدر كاف من الرأي والخبر.. وهو ما نسميه حق المواطن في الاعلام”.

ويضيف: “لأن الحرية ليست مطلقة بل توازن بين حرية التعبير وحقوق الآخرين فهناك قانون العقوبات، الذي يعاقب الصحفيين في بابه السابع على جرائم السب والقذف، وفي المادة 80 يعاقب كل من يحاول إذاعة أخبار أو بيانات كاذبة، والغريب أنه ابتدعت الابتكارات الجديدة في محاسبة الصحفيين إلى جانب هذه الترسانة من القوانين النقابية الصحفية طريقة ثالثة هي عقاب الصحفيين بالتدابير عن طريق محكمة القيم وقانون العيب.. وهذا ما اعترض عليه يا رئيس المجلس”. ويختتم “زهيري” رسالته بالقول: “وبدلا من مراجعة جميع القوانين الموروثة للعقوبات منذ الاحتلال 1882 وكل التجديدات التي استحدثت ليلغى أو يخفف، إذا به يضيف إلى ما كان، وبدلا من تأكيد حرية الصحافة واستقلالها يبتدع قوانين جديدة لتكبيلها”.

قارئ محترف

عشق زهيري الصحافة وتعامل معها باعتبارها فن، قال في مقدمة كتاب “صعاليك الزمن الجميل” لصديقه الكاتب الصحفي يوسف الشريف: “آية الفن الصحفي أن يتواصل الكاتب مع قارئه، وأن يعبر عن أفكاره مهما كانت صعبة ومعقدة بعبارات سهلة ومباشرة وبسيطة ومسبوكة ومحبوكة، ولابد للأخبار كذلك من أسرار وأفكار أيضا، حتى تصل رسالة الكاتب إلى عقل القارئ وقلبه معا.

وعن رحلته في بلاط صاحبة الجلالة يقول زهيري: “رغم حصولي على العديد من الأوسمة وتقلدي الكثير من المناصب على مدار حياتي، من مدير تحرير إلى نقيب صحفيين فإنني أنظر إلى نفسي ككاتب هاو وقارئ محترف، وقد علمني والدي ووجهني ماذا وكيف أقرأ، فبعد انتهائي من دراسة القانون وحصولي على ليسانس الحقوق لم أرغب في شغل وظيفة حكومية، واقترح والدي عليّ التفرغ للقراءة لمدة عام وعرفت طريق المكتبات المنتشرة بمدينة القاهرة وفيها وجدت ضالتي وما يشبع نهمي وأبرزها هذا الكنز الرائع في دار الكتب القديمة، وقابلت العديد من مشاهير الفكر والرأي مثل عباس العقاد وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ومشاهير السياسة مثل حسين أيت احمد واحمد بن بيلا”.

درس “إحسان”

وينسب زهيري الفضل في اكتشافه كصحفي إلى الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس رئيس تحرير “روز اليوسف” الأسبق، “اكتشفني صحفيا وكان يقول لي دائما: عليك بتبسيط الأمور للوصول إلى عقول الناس، وكتبت له سلسلة خطابات في بداية عملي معه بروز اليوسف انتقده فيها بشدة ولم يفصلني من المجلة أو يسيء معاملتي وهو ما جعل قيمته تزداد في نفسي”. ·

ويضيف زهيري: “تعلمت من إحسان عبدالقدوس أن الصحفي القدير والكبير هو الذي يكبر مع الصحفي الشاب ولا يكبر عليه، وهو ذات المعنى الذي جسده أحمد بهاء الدين وفتحي غانم ومحمود أمين العالم، وعلمني إحسان توصيل الفكرة إلى الشخص بدون إحراجه، وعلمني أن أجرح بدون إسالة للدماء لأن الأعلى صوتا ليس هو الأقوى حجة، وفي خلافي مع الرئيس أنور السادات حول مياه النيل اعتمدت على الوثائق والمستندات بعيدا عن الآراء ووجهات النظر”·ويضيف: “كان مثالا للتفاني والدقة، الأمر الذي رفع توزيع مجلة روز اليوسف، وأصبحت المجلة الوحيدة التي اعتمدت على التوزيع”.

وعن انتقاله إلى “دار الهلال” يقول: “عرفت الفرق بين العمل الصحفي بصحيفة يومية والعمل بمجلة شهرية أو أسبوعية”.

محطة دلهي

وعن البدايات يقول زهيري: في مطلع الشباب اتجهت شرقا ولم اتجه غربا حيث سافرت إلى الهند بعد حصولي على ليسانس الحقوق وكان عمري 21 عاما تقريبا وكنت أول مصري يعمل في إذاعة الهند، ورغم أنني لم أعش هناك إلا عاما واحدا فإن حياتي تغيرت تماما فقد التحقت بالعمل في هذه الإذاعة بالمصادفة بعد أن قابلت أول مستشار ثقافي هندي بالقاهرة عقب استقلال الهند عام 1947 ولاحظ اهتمامي بالقراءة عن غاندي وتاريخ الهند فعرض عليّ العمل كمذيع في القسم العربي بالإذاعة الهندية·

ويضيف: كانت إذاعة عموم الهند مشهورة ولها تأثير بالغ حيث أعطاها الإنجليز اهتماما كبيرا لمواجهة دعاية أعدائهم من اليابانيين لكن القسم العربي كان موجها لمنطقة الخليج فقط فأراد الهنود التوسع ليشمل العالم العربي بأسره، وقد عملت في إذاعتهم مترجما ومقدما للبرامج، وكان مبنى الإذاعة ضخما ويقع بالقرب من البرلمان·

وعن أول تقرير ينشر له في الصحافة المصرية بأجر يقول زهيري: “أثناء وجودي بالهند تعرفت على مسؤول يمني يعيش هناك وكان أحد الحاضرين في مؤتمر دعا إليه نهرو للتضامن مع إندونيسيا وكانت جلسات المؤتمر سرية ولم يسمح للصحفيين بالحضور وبعد انتهاء المؤتمر فوجئت به يعطيني التفاصيل الكاملة لما دار في الجلسات ولا أعرف لماذا شعرت بأهمية هذه المعلومات فكتبت كل ما أخبرني به صديقي وأرسلته الى صحيفة ‘الأهرام’ وبعد عدة أيام فوجئت بكل ما أرسلته منشورا على صفحة كاملة كانفراد للصحيفة وفي أعلى الموضوع كُتب: من مندوب الأهرام في دلهي”· وأضاف: خلال وجودي بباريس وقعت في ضائقة مالية فأرسلت للأستاذ أحمد الصاوي محمد الذي تولى رئاسة تحرير ‘الأهرام’ وطالبته بمستحقاتي عن الموضوعات الصحفية التي نُشرت لي وفوجئت بعدها بأسبوع بحوالة مالية قيمتها 250 جنيها وهو مبلغ ضخم مقارنا بالقيمة النقدية منذ 55 عاما.

“روبين هود” المصري

يقول زهيري: “عندما عدت إلى مصر أعطاني أبي 700 جنيه لأفتح مكتب محاماة لكنني قلت له: أريد أن أسافر إلى باريس لدراسة الآداب ولكنه تردد وفجأة وجدته يقول لي: لو تركت لك عمارة يا محمد فقد تخدعك إحداهن وتأخذها منك لكن ما يدخل رأسك لا يمكن لأحد أن يأخذه،·· وكان يقصد أن قيمة الإنسان بعمله لا بما يملك”.

وبعد عودته من فرنسا فتح زهيري مكتبا للمحاماة ليحقق حلم والده، “كنت أقوم بدور روبين هود حيث أحصل على الفلوس من الأغنياء وأنفقها على الفقراء.. لكني تركت المحاماة التي أعتبرها دفاعا عن العدل الأصغر، عدل الأفراد، إلى الصحافة التي أرى فيها العدل الأكبر، أي حقوق الشعوب والوطن والقضايا التي تستحق التضحية·

عمل زهيري في مؤسسات صحفية عملاقة، فترأس تحرير “روز اليوسف” ومجلة “الهلال”، وصار في وقت لاحق رئيسا لمجلس إدارة “دار الهلال” و”روز اليوسف”، وانضم إلي كتاب “الجمهورية” عام 1972 ليكتب عموده اليومي “من ثقب الباب” حتي وفاته، كما ترأس مجلس إدارة مكتبة القاهرة الكبرى.

نقيب النقباء

انتخب زهيري نقيباً للصحفيين أكثر من مرة، وشارك في تأسيس اتحاد الصحفيين العرب، وساهم خلال رئاسته الاتحاد في إنشاء نقابات الصحفيين في 9 دول عربية. يقول: دخلت العمل النقابي معتمدا على دراستي للقانون وثقافتي العامة حيث اكتشفت كتابا عن حرية الصحافة في عهد الخديوي إسماعيل، والتاريخ المصري يزخر بالعديد من الشخصيات التي نادت بالحرية مثل احمد حلمي”.

ويقول عنه تلميذه، نقيب الصحفيين السابق يحيى قلاش: اسم كامل زهيري ارتبط بمواقف وإنجازات ومعارك كبرى خاضتها النقابة وخاضها الصحفيون، يحتاج كل منها سجلا خاصا في تاريخ النقابة.. فقانون النقابة الحالي الذي كان آخر قانون وقعه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قبيل رحيله في سبتمبر عام 1970، وكل ما حمله هذا القانون من مزايا للصحفيين في حينه لم يكن هبة، بل كان تكليلا لمشوار كفاح جيل من الزملاء بقيادة كامل زهيري نقيب الصحفيين في ذلك الوقت.

لا يمكن لتاريخ الصحفيين المصريين إلا أن يتوقف طويلا عند المعركة التي خاضتها نقابتهم في العام 1979 ضد الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان يريد تحويل النقابة إلى مجرد نادٍ للصحفيين، ورفض كامل زهيري كل الضغوط واستطاع تعبئة الصحفيين والرأي العام معه حتى تم التراجع عن القرار، وبالطبع تعرض زهيري للمضايقات نتيجة صلابته فتم منعه من الكتابة، ثم الفصل، والنقل إلى هيئة الاستعلامات.

يضيف قلاش: أول قرار لنقابة مهنية بحظر التطبيع مع الكيان الصهيوني ارتبط باسم النقيب كامل زهيري، صدر القرار في فبراير عام 1980 وأيدته الجمعية العمومية في مارس من العام نفسه. كما رفض زهيري الاستجابة للضغوط لفصل عدد من الصحفيين المصريين العاملين بالخارج هاجموا الرئيس السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ورفع وقتها شعار “العضوية كالجنسية”.

كام زهيري خلال مناقشات الجمعية العمومية عن القانون 93 لسنة 1995

فارس الحريات

ويحكي قلاش عن دور زهيري في معركة إسقاط قانون 93 لسنة 1995 الذي عرف حينها بقانون “اغتيال الصحافة”: “طوال فترة مواجهة القانون وعلى مدى 14 شهرا استغرقته تماما مهمة دفع العدوان على المهنة والنقابة، كان كل يوم بيننا لقاء أو أكثر من اتصال، تفرغ تماما لمهمة دفع العدوان عن المهنة والنقابة ورفض كل الدعوات التي وجهت له خلال هذه الفترة لزيارة أي بلد خارج مصر. أخذ زهيري يجمع كل مرجع قانوني يدفع باتجاه دعم موقف النقابة في معركتها، وكان يتلو عليّ كل يوم قائمة مطلوبة من هذه المراجع.. وسمع عن رسالة دكتوراه لأحد الباحثين في كلية الحقوق بالإسكندرية تخدم الموضوع فلم يهدأ حتى حصل على نسخة منها وأخذ يسبح ضد تيار ممن كان يسميهم “العقوبيين”، ونجح بالمنطق والحكمة في أن يشكل جماعة ضغط في مواجهتهم حتى انتصرت إرادة الصحفيين.

زهيري خلال مظاهرة أمام مجلس الشورى عام 2006

كان نقيب النقباء رحمه الله، نموذجًا للفارس النبيل في بلاط صاحبة الجلالة، لم يُضبط يومًا متلبسًا بمهادنة سلطة، ولم يقف على عتبات المسئولين انتظارا لمنح أو عطايا، ولم يتورط في مجاملة وزير أو غفير، وظل حتى رحيله حصنًا لزملائه وأبنائه من شباب الصحفيين، يشد من أزرهم، ويساندهم، ويقف في مقدمة صفوفهم، كلما حاولت يد السلطة أن تنال منهم، حتى أنه شارك رغم تقدم سنه في وقفة احتجاجية عام 2006 أمام مجلس الشورى للمطالبة بإلغاء الحبس في قضايا النشر بمشاركة مجلس نقابة الصحفيين وعدد من رموز المهنة، لذا استحق نقيب النقباء لقب “حارس الصحافة الأمين” عن جدارة.

جنازة كامل زهيري تنطلق من نقابة الصحفيين

صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق