منوعات

مغامرات الذاكرة.. من استعادة الماضي إلى الإبحار عبر الزمن

من بين أسرار العقل، تعد الذاكرة هي اللغز الأكبر، فلم لم يقدم لنا أحد حتى الآن تفسيرا قاطعا للعديد من الأسئلة: لماذا نتذكر بعض الأحداث وننسى أخرى؟ كيف تخزن الذكريات، وأين؟ إلى أي مدى يمكننا الوثوق بتلك الذكريات؟ وهل هناك علاقة ما بين الذاكرة وهوياتنا؟

في كتابهما “مغامرات في الذاكرة: العلم والأسرار وراء التذكر والنسيان”، تسعى الأختان النرويجيتان “يلفا” و”هيلدا أوستبي” إلى تقديم إجابات على بعض تلك الأسئلة عبر المزج ما بين المنهج النفسي والأدبي، حيث تعمل الأولى أخصائية نفسية، بينما تعمل الثانية محررة وروائية.

ذاكرة مخادعة

اعتدنا في الماضي الاعتقاد أن الذكريات أشبه بملفات تختزنها الذكرة، إما أن نتذكرها ونفلح في استرجاعها، أو ننساها فتصبح مفقودة، لكن الاعتقاد الأكثر ترجيحا الآن يميل إلى أن الذكريات تتشكل ثم يعاد تشكيلها مرة أخرى، بل مرات ومرات، مع تغيير بسيط في كل مرة.

وبالطبع يبدو هذا التصور الجديد أمرا مثيرا للقلق، فالتسليم به يعني أن ذكرياتنا غير موثوقة بطبيعتها طالما أنها عرضة للتغير المستمر، وبالتالي فإنها لا تعكس الحقيقة بدقة، وبما إننا لا ندرك ذلك -لأن ذكرياتنا تبدو حقيقية دائمًا في نظرنا- فقد نقع أسرى محض وهم.

وفي حين يتذكر بعض الناس الأشياء بتفاصيل استثنائية، يعاني البعض الآخر – مثل أولئك الذين يعانون من الاكتئاب مثلا- صعوبة في تذكر التفاصيل الدقيقة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هناك ذاكرة أكثر موثوقية من غيرها.

وتوضح “يلفا” أنه يمكننا الوثوق بذاكرتنا إلى حدٍ بعيد، ولكن ليس في كل التفاصيل الدقيقة، حيث يشبه الأمر روايات السيرة الذاتية؛ التي يعرض فيها الكاتب حقائق أساسية عن حياته ثم يملأ الفراغات باستخدام مخيلته، وبالتالي فإن العملية في محصلتها النهائية تأتي إبداعية بقدر ما هي تمثيل دقيق للماضي.

ذكريات مكبوتة

راجت العديد من الخرافات حول الذاكرة، أشهرها مستمد من فهم “فرويد” المبكر للذكريات المكبوتة، الذي رأى أن الأطفال يدفنون الذكريات المؤلمة دون وعي، مع إمكانية استرجاعها لاحقًا تحت تأثير التنويم المغناطيسي أو العلاج النفسي.

في المقابل، تؤكد “يلفا” إلى أن معظم الذكريات المؤلمة لا تنسى على الإطلاق، فالصدمات يمكن أن تدوم مدى الحياة، والأمر الأكثر غرابة هو أن الأشياء التي نرغب في تذكرها يصعب علينا استرجاعها، بينما تلك التي نود أن ننساها تظل تلاحقنا، ما يعني أننا لا نملك السيطرة على ذاكرتنا.

شتات السوشيال ميديا  

غالبًا ما يتذكر معظمنا أحداث الحياة المشحونة عاطفيًا؛ أول قبلة مثلًا، أو تجربة كدنا أن نفقد حياتنا فيها، ويتم ذلك دون أي مجهود من خلال الذاكرة العرضية المسئولة عن الاحتفاظ بالمواقف والذكريات الفريدة بتفاصيلها.

أما الذاكرة الدلالية التي تختص بتذكر الحقائق والمعلومات غير المتصلة بالتجارب الشخصية فتحتاج إلى شيئ من التركيز. تدلل “هيلدا” على ذلك بقولها إنها عندما كانت طالبة كان لديها القدرة على التركيز لفترات طويلة في الكتاب الذي تقرأه، الأمر الذي ترجح أنه لم يعد متوفرا للطلاب الآن منذ ظهور منصات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، بما يرتبط بها من تشتت مستمر لمعلومات كان من المفترض تخزينها في الذاكرة طويلة المدى مع القدرة على استعادة تذكرها، فضلا عن تأثير ذلك أيضًا على الحد من تدفق الذاكرة العرضية وهو ما قد يؤثر على الجانب الإبداعي والتفكير خارج الصندوق.

 

آلة الزمن

على الرغم من وضوح أهمية الذاكرة السينمائية في الماضي بالنسبة للإنسان والحيوان على حد سواء، حتى يتمكنوا من التعايش وتجنب المخاطر، إلا أن سبب بقاء تلك الذاكرة بنفس المميزات لدى الإنسان المعاصر لم يكن واضحًا، وتشير نظرية اكتسبت زخمًا مؤخراً أكثر من أي وقت مضى إلى أن الذاكرة تعتبر وسيلة للتحضير إلى المستقبل، أكثر من كونها مرتبطة بالأحداث الماضية.

تقول “يلفا”: من المنطقي رؤية الذاكرة باعتبارها الوجه الآخر للمستقبل، لأنها تسمح للإنسان بتخيل سيناريوهات مستقبلية، وهو ما لا يجعلنا ندرس فقط ما هو محتمل وما هو غير محتمل، وإنما أيضًا يتيح لنا الشعور بالأحاسيس المترتبة على تلك السيناريوهات، وبالتالي تحديد خياراتنا المستقبلية بصورة أفضل.

ويعد ذلك أحد أهم ما يميز البشر؛ وهي تلك القدرة على تخيل أنفسنا في المستقبل، وبالتالي القدرة على توقع وتقدير ما قد يستتبعه وضع ما أو مجموعة من الظروف. المفارقة هنا أن تلك الميزة المستقبلية مستمدة من قدرتنا على تذكر الأحداث الماضية وتحليلها، وبالتالي فنحن نخزن المعلومات وفهمنا العاطفي للأحداث كي نستخدمها مستقبلًا، وكأن الذاكرة بمثابة آلة مذهلة للسفر عبر الزمن.

 مادة مترجمة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: