فن

أحمد مرعي.. تراجيديا التألق والتهميش

في الحياة أبطال لا يتسع العالم لمواهبهم؛ فلا يهبهم إلا أنصاف الفرص، ثم ما يلبث أن يضيق بهم فيدفعهم دفعا نحو الانزواء أو الانشغال بما هو أقل بكثير مما يجب عليهم الانشغال به، فيما يفسح المجال أمام فئة قليلة الموهبة تجيد انتهاب الفرص وخلق مساحات للتواجد والصعود السريع نحو القمم الهشة.

الفنان أحمد مرعي أحد هؤلاء الموهوبين الذين لم ينالوا حقهم من التقدير اللائق في بلدهم رغم نجاحه المبكر وموهبته الفذة التي احتفى بها العالم منذ أن عُرض فيلمه “المومياء.. يوم أن تحصى السنون” من إخراج العبقري شادي عبد السلام، لعام كامل في دور العرض في لندن.

بوستر “المومياء”، وبوستر الفيلم البولندي “في الصحراء والبراري”

لم يقف دور “مرعي” عند أدائه لدور البطولة، إذ أشرف بصفته أستاذا لمادة الإلقاء في المعهد العالي للسينما- على أداء الممثلين للحوار الرائع الذي كتبه علاء الديب؛ فاجتمع لحوار الفيلم ما لم يجتمع لغيره من عمق المعنى وتعدد المدلولات، إلى جانب الدقة المتناهية في الإلقاء مع روعة بلغت حد الكمال في هندسة الصوت للفنان حسن التوني. الغريب أن هذا الفيلم الذي اعتبر أحد أهم 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية، لم يعرض في مصر إلا بعد خمس سنوات من إنتاجه، لم تنقطع فيها المهرجانات الأوربية عن الاحتفاء به ومنحه جوائز استحقها بجدارة.

في مشهد من فيلم المومياء 1969.

أدى مرعي في “المومياء” دور الشاب ونيس المتمرد على قبيلته التي تعيش على بيع الآثار، تلك الحقيقة التي صُدم بها بعد وفاة والده شيخ القبيلة. جسّد “مرعي في ذلك الدور الصراع المحتدم في النفس البشرية بين الركون إلى تقاليد راسخة، وارتضاء العيش الذليل، والتمرد على كل ذلك، وما فيه من مخاطرة تصل إلى القتل، وهو ما حدث لأخيه الأكبر حين أعلن رفضه صراحة لتلك الجريمة النكراء.

في هذا العمل الخالد عبّر مرعي صامتا في كثير من المشاهد عن تلك المشاعر المضطربة التي انتابته بعد أن فرّ من وجه عمَّيه اللذين عقدا العزم على التخلص منه بعد أن كشفا له سر المقبرة الكبرى.. وبرغم أن مرعي كان أحد أبلغ فناني عصره إلا أنه استطاع أن يعبِّر بملامح الصمت ما جاء أبلغ من الكلام.

كان فناننا المتفرد على وعد بعد ذلك مع جماعة السينما الجديدة التي قرر أعضاؤها الخروج بالسينما إلى رؤية جديدة تشارك بها المجتمع كله في محو عار الهزيمة التي لحقت بنا في عام 1967، وحفز الطاقات سعيا لتحقيق النصر واسترداد الأرض والكرامة، وكان فيلم “أغنية على الممر” الذي حمل رسالة الصمود في وجه غطرسة العدو متمثلا في سرية من سرايا الجيش المصري ترابط على أحد الممرات وتمنع مركبات العدو من اجتيازه، ويستمر الصمود حتى آخر جندي في السرية.

لم يتردد المخرج علي عبد الخالق في اختيار مرعي في دور “كمال” الفنان النبيل الذي يحمل هموم الناس ويلتحم مع قضاياهم، وهو صاحب الأغنية التي صارت رسالة الفيلم للشعب العربي كله، وكالعادة لم يعرض الفيلم في موعده، وتأخر عرضه إلى ما بعد انتصار أكتوبر، في قتل عمدي لمضمون الفيلم ورسالته على نحو محيّر لا يُفهم إلا في سياقات محاربة كل ما هو جيد وأصيل من أعمال فنية.

في فيلم أغنية على الممر 1972.

لكن مرعي يعود عالميا من جديد شاغلا بأدائه المبهر أوساط السينما في أوربا من خلال بطولته لفيلم بولندي بعنوان “في الصحراء والبراري” عن قصة للأديب الحائز على جائزة نوبل في الآداب هنريك سنيكيويتش وإخراج فلاديتش سيلسكي.

شارك في الفيلم عدد من الممثلين المصريين، وتم التصوير بين مصر والسودان، وتناول الفيلم فترة ثورة المهدي في السودان وما صاحب ذلك من اضطرابات، وأدى مرعي في الفيلم دور الخادم “خميس” الذي يشترك في اختطاف طفلين أجنبيين من أجل الضغط على الإنجليز لتحرير فاطمة أخت المهدي وأطفالها وإرسالهم إلى والدهم إسماعيل بالسودان.

عرض الفيلم الذي تجاوزت مدته الساعات الثلاث على جزأين كان مرعي هو بطل الجزء الأول الذي ينتهي بمقتله، بعد أن قاسى من صراع نفسي لكون الطفلين كانا في أمانته، وكونه أحد افراد قبيلة “الدنجلاوية” التي ينتمي إليها المهدي ما أوجب -على الفتى- نصرته. لقى الفيلم إقبالا جماهيريا كبيرا وثناءً من النقاد وعُرض لفترات طويلة في دور العرض في العديد من العواصم الأوروبية، ورُشح لعدة جوائز عالمية.

أكملت جماعة السنيما الجديدة مشوارها الفني بإنتاج فيلم ثان عام 1974، وهو فيلم “الظلال في الجانب الآخر” من إخراج الفلسطيني غالب شعث، وناقش الفيلم الصراع العربي الصهيوني ودور الشعوب العربية في دعم القضية الفلسطينية في ظل تخاذل معظم الأنظمة العربية، وأدى مرعي دور الفنان الملتزم بقضايا أمته، الذي يرفض دعاوى اليأس والاستسلام.

قبل الإشارة إلى دور زيد بن حارثة الذي قدمه مرعي في الفيلم العالمي “الرسالة” من إخراج مصطفى العقاد عام 1977، والذي استغرق تصويره ستة أشهر بالمغرب، لابد أن نشير إلى أن البداية السينمائية لـ “مرعي” كانت من خلال مشاركته فور تخرجه في المعهد العالي للسينما في فيلم “النصف الآخر” عام 1966، ثم في فيلم 3 وجوه للحب عام 1969، الذي نال عن دوره فيه جائزة أحسن ممثل.

دور زيد في “الرسالة” هو أحد أهم الأدوار وأكثرها من حيث عدد المشاهد ومدة الظهور وبالقطع كان أداء مرعي استثنائيا كعادته بعد أن حفظ السيناريو كاملا قبل البدء في تصوير الفيلم الذي استعد له على كل المستويات استعدادا خاصا.

في دور زيد في “الرسالة”

قدم مرعي كل تلك الأعمال العظيمة وهو لم يتجاوز بعد سن السادسة والثلاثين، وكان المنطقي أن يصبح بعد كل هذا التألق والأداء المبهر نجما من نجوم الصف الأول في السينما المصرية؛ لكن ما حدث كان العكس تماما، إذ أغلقت في وجهه كل طرق العمل في السينما؛ وكانت المبررات أوهى من بيت العنكبوت.

كان ذلك خلال ما تبقى من عقد السبعينات الذي اشتهرت أفلامه بالعري منافسة ما كان ينتج في بيروت من أفلام تافهة، ثم جاء عقد الثمانينات فاجتاحت السينما التجارية ما كان قد بقي للسينما من أمل في النهوض.

اتجه مرعي بعدها إلى أعمال الدراما التليفزيونية التي وجد فيها متنفسا حقيقيا لموهبته الفذة، فقدم أعمالا خالدة مثل دور سليمان الحلبي في المسلسل الذي حمل اسمه في عام 1976،  ودور “عنترة” في مسلسل بنفس الاسم عام1978، ودوره في مسلسل “ليلة سقوط غرناطة” 1979، ودور المتنبي في مسلسل “مصرع المتنبي” عام 1980، ودور البخاري في مسلسل الإمام البخاري 1982، ودور “الخليل بن أحمد” في مسلسل بذات الاسم عام1984، والزير سالم في مسلسل “ملحمة الحب والرحيل” عن حرب البسوس، وصولا إلى واحد من أهم أدواره في الدراما الدينية، دور أبي طالب في مسلسل “الوعد الحق” 1993.

وفي الدراما الاجتماعية شارك مرعي بأدوار بارزة في أكثر من مسلسل، ومنها “الشبيهان” الذي حقق نجاحا كبيرا عام1980، و”أيوب البحر” عام 1982، و”مسافرون بغير زاد” 1983، و”الهروب إلى السجن” عام 1987، و”أولاد آدم” 1986، وغيرها من أعمال رائعة أمتعت الجمهور لسنوات.

وفي عام 1995 رحل عنا الفنان القدير أحمد مرعي عن عمر ناهز الخامسة والخمسين بعد صراع مع المرض، تاركا لنا رصيدا خالدا من أعمال تلك الموهبة الفريدة التي خرجت من قلب الدلتا المصرية وانطلقت نحو العالمية حاملة للعالم أجمع رسالة مصرية خالصة ستظل تتردد في أسماع الزمان إلى الأبد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: