منوعات

BlacKkKlansman.. صرخة ضد العنصرية الجديدة القديمة

العنصرية تصنع العنف، والعنف يقابله عنف مضاد، وكلما تجذرت العنصرية في تاريخ مجتمع ما، بات التخلص منها أكثر صعوبة، خاصة إذا تربعت على رأس السلطة السياسية في الدولة.  

منذ الدقائق الأولى، ومع الحركات الأولى للكاميرا في مواجهة ممثل وحيد أمامها، تعرف أنك أمام فيلم جديد للمخرج الأمريكي سبايك لي، وكعادته في تقديم أفلام تتناول قضايا الأقليات، خاصة الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، الذي ينتمي هو إليهم.

فيلم BlacKkKlansman مستوحى من قصة حقيقية كتبها رون ستالورث ضابط الشرطة السابق في مدينة كلورادو سبرينجز في ولاية كلورادو الأمريكية عام 1970، شارك في فضح إحدى منظمات كوكلوكس كلان العنصرية التي تؤمن بتفوق الجنس الأبيض وتعادي الأقليات، خاصة الأمريكيين السود واليهود.

الفيلم يحمل كل سمات أو علامات الإخراج عند سبايك لي، بداية من حركة الكاميرا، مرورا بالتركيز في بعض الأحيان على وجوه الممثلين Medium Close Up وتحدثهم للكاميرا مباشرة، وما سبق ان اتبعه في معظم أفلامه بالتركيز على الأبطال Medium Shot من الوجه مع التصوير بأسلوب اللقطة المزدوجة  double dolly shot الثابت للشخصية والمتحرك للخلفية، وأخيرا التواجد القوي لشخصية نسائية في الفيلم رغم عدم وجودها في القصة الحقيقة على أرض الواقع.

عرض الفيلم ضمن فاعليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وسبق ورشح لعدد من الجوائز أهمها الجائزة الكبرى بمهرجان كان للعام الحالي Grand Prize of the Jury وكان من ضمن المرشحين للسعفة الذهبية لنفس المهرجان، وقوبل الفيلم باستحسان واسع عند طرحه في السينما الأمريكية والأوربية في أغسطس الماضي.

يبدأ الفيلم بخطاب مصور لشخصية الدكتور كينبرو بوجارد (أليك بالدوين)، في بداية تمهد للدخول في عصر الفيلم في السبعينيات، التي شهدت بداية استعادة المنظمة المتطرفة البيضاء لقوتها مع صعود موجة جديدة للحقوق المدنية للسود. يربط الفيلم ذلك كله بالتاريخ العنصري لجماعة الكو كلوكس كلان، وخطابها المحرض للمواطنين البيض لرفض التعامل بالمثل مع السود وعدم الامتثال للقوانين التي تعبر عن المساواة، وكأن الفيلم يسقط ذلك على خطاب اليمين المتطرف الأخير.

لكن بداية الفيلم الحقيقية تبدأ مع ظهور رون ستالورث (ديفيد واشنطن)، الذي يرغب في العمل في شرطة المدينة، في مسعى من الدولة لدمج السود بعد عقود من العنصرية شهدت منعهم من العمل سواء بشكل قانوني أو عرفي. يتسلم رون عمله في الأرشيف ويقابل بعنصرية من بعض زملائه، فيطلب نقله، ثم يكلف بمراقبة مؤتمر للسود ينظمه نادي الطلاب من أصل أفريقي بإحدى الجامعات، لرفع تقرير حول إمكانية اندفاع الطلاب للعنف، وهناك يتعرف على باتريس (لورا هارير)، التي ستظل شخصية محورية طوال أحداث الفيلم حتى نهايته.

يشاهد بطلنا الأسود إعلان في جريدة لمنظمة كو كلوكس كلان، فيقرر أن يتصل بها على سبيل التجربة، ويقدم نفسه باسمه الحقيقي ولكن على أنه رجل أبيض، وهنا تبرز في عقله فكرة اختراق تلك المنظمة وعمل تحقيقات حولها، وهو ما حدث في الواقع، لكن برزت أزمة لونه ليطلب من زميله فريد زميرمان (آدم درايفر) أن يحل محله في المقابلات الشخصية، فيما يستمر هو في دوره على الهاتف. تكمن المفارقة التي صنعها سبايك لي بعيدا عن القصة الحقيقية في جعل الشرطي زميرمان يهودي، ليصبح القائمان على التحقيقات يهودي وأسود، وهي الشخصيات التي تكرهها المنظمة بشدة.

ينخرط الزميلان في المنظمة حتى يحصلا على بطاقة العضوية بعد التواصل مع الشخصية الأبرز في المنظمة وفي المجتمع الأمريكي اليميني ديفيد ديوك (توفر جريس)، وهنا خيط أخر بين السيناريو والواقع، فتلك الشخصية تكرر طوال الفيلم مصطلحات يرددها اليمين الأمريكي ودونالد ترامب مثل “لنجعل أمريكا أمة عظيمة مجددا”، وديفيد ديوك هي شخصية حقيقية احتفت بشدة بوصول ترامب لسدة الحكم هناك.

“صورة للخطاب الأصلي لقبول رون ستالورث عضوا بالمنظمة

الفيلم يقوم بتشريح تلك المنظمة في إطار الكوميديا السوداء، تصل في النهاية في رغبة المنظمة في جعل “رون ستالورث” الأبيض رئيسا للمجموعة المركزية في المدينة. هناك شخصية أخرى شبه محورية في الفيلم وهي السيدة البيضاء، ويضع سبايك لي يده على دور النساء في منظمات اليمين المتطرف، بل وفي دورهن في التصويت لصالح ترامب، عبر دور “كوني” (اشلي أتيكسون)، تلك المرأة التي تريد أن تشارك وبقوة في أي شيء تريده المنظمة، ورغم كون الشخصية هشة وكرتونية، وربما تتعاطف مع سذاجتها إلا إنها ستنتقل لدور القاتل والمفجر بشكل سلس ومخيف، حيث تقنعها المنظمة بضرورة تفجير سيارة رئيسة اتحاد الطلاب السود “باتريس” لكنها تفشل وتقتل زوجها أحد أعضاء المنظمة.

ينتهي الفيلم برفض استكمال التحقيقات من قبل رئيس رون المباشر، لكن سبايك لي يقدم نهاية أخرى مرتبطة بالواقع، فنرى رون وباتريس وقد قامت المنظمة بإشعال الحرائق أمام منزلها في مشهد تكرر كثيرا خلال السنين الأخيرة.

أخيرا يقدم سبايك لي ما قد نعتبره النهاية الوثائقية مثلما كانت بداية الفيلم، حيث التظاهرات التي تمت عام 2017 للمطالبة بتحسين وضع السود والتظاهرات المقابلة التي كانت على رأسها كو كلوكس كلان، والتي احتفت بوصول ترامب للسلطة، وأيضا جزء من خطابات ترامب حول تلك المنظمة المتظرفة ورفضه لوصفهم بالنازيين الجدد، وأخيرا جزء من خطاب ديفيد ديوك يرحب فيه بوصول ترامب، باعتباره مناصرا لأفكار كو كلوكس كلان.

يبرز تركيز الفيلم على علم ولايات الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والذي رمز في وقت الحرب الأهلية للولايات التسع التي رفضت إلغاء العبودية، واستخدمته المنظمة “كو كلوكس كلان” في الثلاثينات كرمز لها، وأعيد استخدامه في السبعينيات مع استعادة نشاط المنظمة، وكذلك استخدم في كل تظاهراتها في وقتنا الحالي بجانب شعار النازي.

كما يبرز تقديم سبايك لي لعدد من أفلام التراث السينمائي الأمريكي بإعتبارها سببا في التحريض على العنصرية منها فيلم “ولادة أمه”1915، وهو فيلم يشهد احتفاء كبير به من قبل المتطرفون البيض سواء في الفيلم أو في الواقع، ربما أراد “لي” جذب أنظار صناع السينما حول ماضيهم وما قد يصنعونه في المستقبل خاصة أن له مواقف عديدة في مقاطعة الأوسكار بسبب التمييز العنصري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: