ثقافة

يوسف نبيل: غياب المشروع الثقافي يقتل الإبداع

اختار دراسة اللغة الروسية بكلية الألسن، متبعًا حلما راوده طويلًا، منذ أن وقع مبكرا في عشق تولستوي وميخائيل بولجاكوف وغيرهم من أعمدة الأدب الروسي، لعل المعايشة القريبة لأعمالهم في لغتها الأم تلهمه بعض أسرار إبداعهم الفريد.

 رحلة يوسف نبيل من حلم الترجمة إلى الدراسة، مرورًا بالرواية، وصولًا إلى المترجم والروائي، يرويها لنا خلال الحوار التالي:

 مشروعك الروائي بدأ برواية “العالم على جسدي” مع الروائية زينب عبد الحميد، كيف ترى هذه التجربة؟

رواية “العالم على جسدي” هي أكثر رواياتي نجاحًا، وهذا واضح من تفاعل القراء، وتحولها إلى أكثر من عرض مسرحى وفني ومشاريع تخرج بكليات فنية. ولا أرى ما يمنع تكرارها ما دمت على قناعة بأن العمل الروائي يمكن أن يضم أكثر من صوت بشروط معينة، وأن ذلك من شأنه أن يغنيه، رغم اصرار البعض حتى يومنا هذا على اعتبار الكتابة عمل نرجسي لا يسمح بالتعاون.

صحيح أن بعض النقاد رفضوا التجربة من حيث المبدأ دون النظر إلى المنتج، لكن هذا طبيعي وسط تردي حالة النقد الأدبي، فالأمر مرهون بحجم التفاهم بين الكاتبين.

ما الذي يحرض روائي أن يصبح مترجمًا؟

تخرجت في الأصل من كلية الألسن قسم اللغة الروسية جامعة عين شمس في عام 2008، وكان هدفي أن أترجم عن الروسية، تعطل حلمي لسنوات داخل الكلية لسوء مستوى الدراسة وصعوبة اللغة، وعدم اهتمام أحد من الأساتذة بأن يأخذ بيدي إلى عالم الترجمة، لكن عاودني الحلم بعدها مرة أخرى بسنوات، وقررت هذه المرة أن أصل إليه بأي ثمن، وهذا ما حدث. أما كتابتي للرواية فهي سابقة على الترجمة، لأن الكتابة كانت حلمي منذ فترة مبكرة قبل الجامعة، ونشرت أول أعمالي في عام 2011.

العلاقة بين الكتابة والترجمة علاقة تفاعلية، فالترجمة بالنسبة للكاتب تصبح أسهل بحكم فهمه لعملية الكتابة نفسها، بالإضافة إلى أن اللغة تثري عملية الكتابة لأنها تمنح الكاتب فهمًا لغويًا عميقًا، وعلى الرغم من أن الارتباط بينهما ليس حتميا إلا أنني أستفيد من كل منهما في إثراء المجال الآخر.

لماذا اخترت ترجمة الأعمال الفكرية الأصعب، خاصة تولستوي؟

ترجمة الأعمال الفكرية صعبة إن لم يكن المترجم على وعي جيد بالمجال الفكري الذي يترجم له، سواء في الفلسفة أو علم النفس أو علم الاجتماع أو غيرها من المجالات، لكني أظن أن الترجمة الأدبية أصعب كثيرًا، فإن كنت على وعي جيد بالمجال الفكري الذي أترجم منه يصبح الأمر سهلًا، أما الترجمة الأدبية تحتاج إلى عناية فائقة بالأسلوب، بعكس الترجمة الفكرية التي تهتم بمخاطبة الفكر بلغة مباشرة في أغلب الأحيان.

أما عن تولستوي فالأمر له علاقة بإعجابي الشديد بأفكاره، ورغبتي في توفيرها للقارئ العربي الذي عرف تولستوي الأديب أكثر من تولستوي المفكر.

ما يثير إعجابي بتولستوي هو طريقته الجذرية في التعامل مع القضايا، إنه يذهب دائمًا إلى أبعد نقطة في التحليل والاستنتاج مع بعض التطرف الذي يكون مفيدًا عندما تستشري حالة من الميوعة في معالجة قضايا هامة، بالإضافة إلى فردانيته الملفتة، أقصد أن ما يطرحه من وجهات نظر متفردة للغاية، ومخالف لأغلب المعسكرات الفكرية الشائعة.

هل صعوبات الترجمة تختلف عن معاناة خلق نص إبداعي؟

المترجم يلتزم الحذر في تغيير أي شيء في الترجمة، فلا يلجأ إلى أية مناورات سوى تلك الخاصة بطبيعة اختلاف البناء اللغوي من لغة إلى أخرى، بمعنى أن بنية الجملة الأجنبية تختلف عن العربية، ما يفرض على المترجم أن يعيد أحيانًا ترتيب الجملة بطريقة مختلفة، وأن يستخدم بعض التأخيرات والتقديمات في حدود واضحة تتعلق ببنية اللغة العربية، أما فكرة الحذف والإضافة فيبتعد عنها تمامًا، ويمكن فقط أن يلجأ إلى إضافة بعض الحواشي التفسيرية، التي تزيد من قدرة القارئ على فهم البيئة التي ولد فيها النص الأصلي.

 ما تفسيرك لغياب مشروع حقيقي للترجمة في عالمنا العربي؟

غياب مشروع حقيقي للترجمة في عالمنا العربي، مرتبط بغياب أي مشروع من الأساس، فما المشروع الذي يمكن أن نتحدث عنه في الآن؟ ثمة تعارض مصالح بين التنوير والأنظمة الحاكمة، بالإضافة للفساد في تشكيل كيانات ثقافية رسمية، وتضييق الخناق على كافة الكيانات المستقلة، فنحن نعيش في بيئة ثقافية تقتل الإبداع.

لماذا تركز ترجماتنا على كلاسيكيات الرواية والنقد والفكر الغربي؟

لسببين: الأول أن الكلاسيكيات أعمال عظيمة تعيش مع الزمن وتتخطى حدود عصرها.

السبب الآخر أن كثيرا من الكلاسيكيات لم تترجم حتى الآن، ترجمت مؤخرًا قاموس فولتير الفلسفي الذي يعد واحدًا من أشهر أمهات الكتب في العالم، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها باللغة العربية، وهو أمر قد يبدو غريبًا، لكن هناك كثير من الأعمال على هذا الحال، وهناك مترجمون يترجمون أعمالا معاصرة سواء أدبية أو فكرية، فالأمر في النهاية غير منظم.

تميل إلى ترجمة ما لم يسبق ترجمته عربيًا.  هل تهرب من المقارنة مع ترجمات أخرى؟

الطبيعي أن نختار عملًا غير مترجم، ولا نلجأ لإعادة ترجمة ما سبق ترجمته، إلا إن كانت هناك مشاكل كبيرة بالترجمة الأولى، فترجمة ما قد ترجم يجب أن يكون أمرًا استثنائيًا.

ترجمتي لرواية تولستوي “السند المزيف” كانت المرة الأولى التي تظهر فيها مترجمة عن الروسية، صحيح أنها ترجمت في الماضي عن الفرنسية بعنوان: “العملة المزورة”، لكن كان بها الكثير من المشاكل، وأغلب ما ترجمته كان لأول مرة يظهر بالعربية.

رغم ذلك هناك بعض الأعمال التي قد تظهر لها عدة ترجمات في نفس الوقت تقريبًا بالصدفة، هذا ما حدث مثلا مع ترجمتي لرواية “ألحرس الأبيض” لميخائيل بولجاكوف، عندما ظهرت مع ترجمة الأستاذ عبد الله حبة عن المركز القومي للترجمة قبل صدور ترجمتي بشهر واحد. بشكل عام لا أهرب من المقارنة، بل هي تضع أيدينا على طبيعة عملية الترجمة، وكيف يتعامل المترجم مع النص الأجنبي.

تبدو مهموما أكثر بالاشتغال على الأعمال الفكرية؟

أعتقد أني حرصت على التنويع، ترجمت كثير من الأعمال الأدبية: “السند المزيف” (تولستوي)، “امرأة صغيرة” (كافكا)، “هل فعلها؟” (ستيفان زفايج)، “الحرس الأبيض” (ميخائيل بولجاكوف)، ميخائيل زوشينكو – قصص مختارة، بالإضافة إلى أعمال اسحاق بابل تحت الطبع. مشروعي في الأعمال الفكرية محدد بمجموعة معينة من المفكرين مثل تولستوي، إريك فروم، ولتر ستيس (تحت الطبع)، وتجمع هذه الأسماء بعض المشتركات منها فكرة البحث عن معيار، والوقوف ضد حالة السيولة الفكرية.

المكتبة العربية ليست متخمة بالأعمال الفكرية… هذا ما أعتقده، فنسبة الأعمال الأدبية أكثر من الأعمال الفكرية على ما أعتقد، بالإضافة إلى أننا يجب أن نضع في الحسبان نسبة ما تُرجم مع ما يصدر من كتب في الخارج، وإن نظرنا إلى الأمر بهذه الطريقة سنجد النسبة هزيلة للغاية.

هل يمكن للمترجم أن يتخلى عن أسلوب الكاتب ويترجم بأسلوبه؟

يتحدث بعض المترجمين كثيرًا عن هذا الأمر، لكن قراءة ترجماتهم تشي في كثير من الأحيان بعكس ما يقولون، لأن أسلوب الكاتب مرتبط في الأساس بلغة أجنبية، فعندما يحاول المترجم أن يلتزم بأسلوب الكاتب يواجه صعوبة شديدة في تطبيق ذلك على اللغة العربية.

بالطبع لا يمكن أن أقرأ أسلوبً واحد للمترجم في كافة ترجماته، فهذا يقضي على صوت المؤلف، لكن الأمر في النهاية يتعلق بحساسية شديدة للمترجم يحاول بها حل إشكالية اللغة والأسلوب.

على المترجم أن يمتلك حساسية مثلا فيما يتعلق باختيار مفرداته، فبعض الكتاب يستخدمون لغة حالمة شاعرية، وبعض الكتاب يستخدمون لغة جافة، وهذا بدوره يطرح على المترجم السؤال حول اختيار المفردة المناسبة في العربية، فهو يمكنه أن يقول: السماء مرصعة بالنجوم، ويمكنه أن يقول السماء ممتلئة بالنجوم.

الأمر الآخر يتعلق ببنية الجملة، فلكل كاتب أسلوب خاص، وفي كل مرة على المترجم أن يسأل نفسه كيف ينبغي له أن يجد أسلوبًا ومترادفات هي الأقرب إلى أسلوب الكاتب الأصلي دون أن يُقدِّم في النهاية جملة عربية مشوهة، كما يحدث في كثير من الترجمات.

ما من وصفة محددة لدى المترجم لحل مثل هذه الإشكاليات، لكن حساسيته اللغوية، وفهمه العميق لفكر وأسلوب الكاتب هما ما يعينانه على البحث عن حلول، وفي كل مرة يكون الحل مختلفًا.

هل يمكن القول إن الترجمة خطفتك من مشروعك الروائي؟

أنهيت بالفعل رواية جديدة بعنوان” اللقاء الأخير”، من المفترض أن تصدر في معرض الكتاب بالقاهرة عن دار المحروسة، هناك أيضًا فكرة رواية أخرى تراودني وسأبدًا فيها قريبًا.

كنت أعمل بكثافة شديدة على الترجمة لأنها يمكن أن تحقق توازنًا ماديًا أحتاج إليه عندما أقرار الانسحاب من العمل للتفرغ للرواية، لكن الآن الوقت أصبح متاحًا، وأشعر أن أعمالي الروائية القادمة ستختلف كثيرًا لأني أملك الوقت والتركيز الذين كنت في حاجة إليهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق