رؤى

الصوفية والسلف.. جذور الخلاف ومآلات الصراع (2)

نجح التصوف في اختراق المذاهب الفقهية على تنوعها، كما نجح حتى في اختراق بعض فرق المتكلمة كالأشاعرة، فصار كثير من الفقهاء يجمعون ما بين الفقة والتصوف، ما بين علوم الشريعة ظاهرا والحقيقة باطنا. وقد يكون من الضروري أن نميز في تلك المرحلة من تاريخ التصوف (النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ومطلع الثالث الهجري) ما بين التصوف السني العملي (الأخلاقي) القائم على مفاهيم وممارسات الزهد والورع والتوبة، وهو ما ساهم في مد جسور التواصل ما بين المتصوفة والفقهاء، وما بين التصوف العرفاني والذوقي والذي جاء نتيجة مباشرة لتوسع المتصوفة في فنون التأويل، ودخول بعض المتصوفة كالحلاج، وأبو يزيد البسطامي في تجارب روحية وصلت بهم إلى نتائج تعارضت مع ظاهر الشريعة، على الرغم من لجوء هؤلاء إلى الرمز وابتداع لغتهم الخاصة في التعبير عن أحوالهم ومواجيدهم.

وفيما لقى الصنف الأول قبول واستحسان العديد من الفقهاء الذين صاحبوا المتصوفة وتتلمذوا عليهم وساهموا بكتابة التصانيف تحت مسميات الزهد والورع كالإمام أحمد بن حنبل الذي صنف مؤلفين بنفس الأسماء، فلقد تحامل كثير من الفقهاء لاسيما الحنابلة على الصنف الثاني واعتبروه بمثابة انفلات ديني وتحلل من ضوابط وأحكام الشريعة، ويمكننا استبيان حقيقة هذا الأمر من ملاحظة التدرج في موقف الحنابلة تجاه المتصوفة وعلومهم.

وكما أورد الدكتور محمد حلمي في كتابه “ولاة وأولياء” فقد كان أحمد بن حنبل علامة فارقة في تاريخ العلاقة ما بين المتصوفة والفقهاء، فهو عاصر مجموعة من كبار المتصوفة اشتهروا في زمانهم وربطته علاقات قوية ووطيدة ببعضهم كمعروف الكرخي(200هـ) الذي كان بمثابة المفتي الأول لأحمد بن حنبل، وحين سأله ولده عبدالله: بلغنا انك كنت تختلف إلى معروف الكرخي، أكان عنده حديث؟ فيجيبه: يا ولدي كان عنده رأس الأمر..تقوى الله. كما امتدح ابن حنبل وكيع ابن الجراح(200هـ)، وقال في حقه (لو رايت وكيعا رأيت عجبا، حج أربعين حجة ورابط في عبادان أربعين ليلة ولم يتلطخ بالسلطان)، وقال عن بشر بن الحارث(227هـ) (هو رابع سبعة من الأبدال): الطريق ما عليه بشر، ولو تزوج لكان قد تم أمره. كما جمعت محنة خلق القرآن بين ابن حنبل وذي النون المصري(246هـ) في سجون العباسيين، وتطول قائمة من ارتبط بهم الإمام أحمد ومدحهم وتتلمذ على أيديهم من أئمة الصوفية على ما أوردت كتب المناقب والطبقات.

ويمكننا أن نتبين في تلك العلاقة عدة أمور: أولها تأثر واعجاب أحمد بن حنبل بهؤلاء إلى حد مسايرتهم في بعض المفاهيم كالزهد والورع والهرب من التقرب من السلطان، على عكس أكثر فقهاء زمانه، واستعمال مفرداتهم كالإبدال والولاية، وإقراره العديد من المفاهيم التي ستصير محل جدل ما بين المتصوفة وبين اتباع مدرسته فيما بعد، كالولاية والتبرك والوسيلة وغيرها من مفاهيم.

الأمر الثاني هو التشابه بين ابن حنبل والمتصوفه في التعرض للاضطهاد والمحن من قبل فقهاء السلطان والسلطة السياسية. واللافت أن كثيرا من كتب تراجم المتصوفة ومناقبهم أوردت سيرة الإمام أحمد بن حنبل باعتباره من ائمة القوم، كحلية الحافظ أبو نعيم وطبقات الشعراني الكبرى.

أما الأمر الثالث فهو التحفظ الدائم من قبل ابن حنبل تجاه كل ما يتعارض ولو ظاهرا من ممارسات المتصوفة مع الشريعة أو يحدث ارباكا لدى العامة، كما يتضح من تعليقه السابق على حال بشر بن الحارث (ولو تزوج لكان قد تم أمره)، ولعل العلاقة التي ربطت ما بين أحمد بن حنبل والحارث بن أسد المحاسبي (243هـ)  هي أوضح نموذج على ذلك.

 تزامن ابن حنبل والحارث المحاسبي في بغداد، وكان لكل منهما مريديه وتلاميذه، لكن ابن حنبل كان يصر على منع تلاميذه من مخالطة تلاميذ المحاسبي أو الإصغاء إليه، وقد أورد السبكي في طبقات الشافعية الكبرى حكاية غريبة في هذا الشأن، فقال أن أحد تلاميذ الإمام أحمد كان قد سبق أن حضر مجلس المحاسبي واعجب وارتاح لما سمع منه، وقد عز عليه انكار الإمام أحمد بن حنبل عليه، فأخبره بأنه يحضر مجلس المحاسبي، حينئذ سأله ابن حنبل أن يدعو المحاسبي ومريديه إلى داره وأن يخفي الإمام أحمد في غرفة بالدار حتى يصغي لكلامه، وما أن حضر المحاسبي وتلاميذه حتى أكلوا وشربوا وذكروا الله جماعة، ثم أخذ المحاسبي يلقي بكلامه في الزهد والورع وما لأهل الصوفية من أحوال ومقامات، ثم قام فغادر ومن معه، وانتظر تلميذ ابن حنبل خروج شيخه من الغرفة فلم يخرج، وعندما طال الانتظار دخل الغرفة فوجد ابن حنبل مغشي عليه، وما أن أفاق الإمام حتى قال له: والله ما سمعت أجمل ولا أحق من هذا ..وأرى لا تصاحبه ولا تصاحب تلاميذه. وقد اختلف كتاب الطبقات في تفسير هذه الرواية، غير أن صاحب الرواية السبكي رأي في موقف ابن حنبل محاولة للحيلولة دون وصول هذا النوع من المعارف إلى العامة، ففي نظره أن هذه المعرفة لم تكن تناسب مقام التلميذ ولا وجب أن تعرض عليه.

 والغريب أن ابن حنبل ظل على موقفه هذا من الحارث بن أسد المحاسبي حتى وفاة الأخير بعد أن تعرض لمحنة عظيمة من اتهام الفقهاء اضطرته إلى ملازمة بيته، ولم يصل عليه حين وفاته سوى أربعة من أصحابه، بينما ظل ابن حنبل يقول للناس: “لا تخدعنكم انحناءة رأسه، فإنه رجل سوء لا يعلمه إلا من خبره”…على الرغم من أن ما تركه المحاسبي من مؤلفات مثل (الرعاية لحقوق الله) لم تغادر مفاهيم محاسبة النفس ورياضتها والزهد والورع والتقوى. والأكثر غرابة ما سيقوله تلميذ ابن حنبل، وهو ابن تيمية الخصم الأشرس للمتصوفة في مجموعة الرسائل والمسائل، حين يقول عن المحاسبي: “المحاسبي أعلم المتأخرين بالسنن والآثار”. ومع امتداد مدرسة الإمام أحمد بن حنبل سيظهر مصطلح السلفية، وتبدأ مرحلة جديدة من الصراع مع المتصوفة.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق