ثقافة

إدوار الخراط.. وعوالمه الساحرة

من غير اللائق أن تكون الكتابة عادية في حضرة إدوار، على المرء أن يتحلى بقدر يسير من التأدب حتى لا يخدش ذلك الحضور الفارق بجملة منمّطة أو بتعبير مستهلك. سيضحك إدوار كثيرا بسخرية كما حدث ذات مرة في لقاء متلفز بسبب إصرار المذيع على ذكر الحوادث مجردة والتواريخ باهتة خاوية، واستعراض الجوائز وقد انطفأ أوار الفرح بها.. سيضحك إذا أقدم أحدهم بجلافة قروي ساذج على اقتراف الكتابة المعلبة عنه، سيمتعض ويحمد الله كثيرا في ضحكات متتابعة أن عافاه من كل هذا الهراء البائس عديم القيمة الذي لفظه منذ كان في العاشرة، بينما مازالوا يتعاطونه إلى الآن بنهم.

إدوار “الحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ” إذ لم يكن دخوله إلى العهد الجديد ناتئا، فهو متحدر بوعي كامل من بردية توثيقية لمحاورة عن الخلود والتجدد واستمرار الحياة والإيمان العميق بتفرد الإنسان بتراكم الخبرة المؤلمة وتداولها لكنها ليست خبرة فنية، “فالفن شيء يستعصي تماما على نقل الخبرة، أقصد الخبرة الحسية، الخبرة الشعورية، الخبرة المعرفية إلى غير ذلك، لأن الخبرة قائمة بذاتها لا يمكن أن تنقل، ولا يمكن أن توجد إلا في ذاتها”.

إنه الجنوب الذي صالح روحه بعروس شمالية سكنت وجدانه أبدا فكان “ترابها زعفران” روي بماء التجربة النهمة للمعرفة الشبقة باكتشاف وشوم الحضارة بتعاقباتها على “حجارة بوبيللو” الصامتة في توجسها الحذر، ناطقة بلسان الخرس باعترافات لا تعرف الخجل.

في سفر التكوين لا تغرينك تلك المظاهر الصاخبة فتعميك عن تلمس ألم دفين متقد بالفاقة والحسرة، وأنت تتابع بعيون الصغير الحالم خطوات عم “قلته” وهو يعود منهكا بعد أن انكب على دفاتر الحسابات لساعات طوال أكلّت بصره وأكلت روحه، من أجل هذا الصبي وإخوته سيتحمل ذلك وأكثر.. بعد تبدل الحال إلى البوار، سيقبل إدوار يد “قلته” الآن مواسيا، وسيخبره أنه على وعده في الاجتهاد؛ ليكون “مكرم عبيد” آخر.. أوسع صيتا وأنصع بيانا وحجة.

لكن “قلته” يخلف وعده ويرحل والفتى مازال في السابعة عشرة طالب حقوق ثم موظف في مخازن البحرية البريطانية ليعول أمه وإخوته، ثم عضو نشط في تنظيم تروتسكي بينما “إسكندريته” تحت قصف المتحاربين في الحرب الثانية.

“خائفا تدنو من سرير أمك تتابع أنفاسها وجلة تتردد.. أنت رجاؤها، تعلم الآن أنك توشك تحتويك الجدران الرطبة في العتمة الموحشة، خلف الباب الذي يفتح على صبر نافد وتأثّم فادح وسؤال ملحاح.. كيف ضيعت أمانتك؟”.

من مغربها إلى مشرقها لنحو عشرين شهرا تتقاذفك الجدران -في أبي قير أولا، ثم هايكستيب يمر “هنري كوريل” بسرواله القصير، وساقيه المستدقتين، ونحوله البادي- هذا التفاهم والتنسيق بين الشيوعيين والتروتسكيين، هل ساهمت فيه سيد إدوار؟ هل أضحكك؟ هل قلت لهم بيت شوقي: إلام الخُلف بينكم؟… ليس كل هذا ولا بعضا منه.. شيء ما لا أخلاقي تماما قد استشعرته بعد ذلك بسنوات وأنت وحيد بالخارج.. وهم في الواحات يبدعون، هل آثرت الصمت أم أسكتك ذلك التأثّم من جديد.

“حيطان عالية” لا تخضع لمرتق عتيق لا يملك جسارة الاقتحام؛ فليس إلا أن تُرمى بالخطل والجنون.. “يا سيد إدوار مكانك ليس هنا، مكانك هناك خلف أسوار مستشفى العباسية”.

من أجل أن تخرج “ساعات الكبرياء” للنور استغرق الأمر ثلاث عشرة سنة، حكى إدوار أنه انشغل أثناءها بتأسيس البرنامج الثاني بالإذاعة المصرية.. لكن الحقيقة أنها كانت فترة صمت لم تصادف تبريرا مقنعا.. لكنها أيضا فترة قراءة كثيفة بلغات ثلاث وترجمات للعديد من الأعمال التي أثرت البرنامج الثاني وأسهمت في ظهوره على نحو مبهر.

إدوار أنت مؤهل تماما للصدام الآن.. الفظهم جميعا، إنهم لا يستحقون، واقعيتهم زائفة تفتقر إلى أدنى مقومات الحقيقة.. يسيرون على نهج “نجيب محفوظ” وكأنهم يخشون إن حادوا عن دربه أن تتخطفهم كلاليب التجريب وتلتهمهم أشباح الحداثة.. لا يوجه إدوار خطابه هذا إلى هؤلاء المقلدين: أين أنتم من نص “نجيب” ذلك النص التأسيسي الريادي المكين؟ أين أنتم من موهبة “نجيب” ودأبه وانسياب لغته؟ ليس جديرا بكم أن تظهروا أو تختفوا في عباءة “نجيب” أما أنا فلكثير من الملابسات سأتمنع عن كل هذه التصنيفات، وإن شئتم فقولوا أنني أحد كتاب ما بعد “المحفوظية”.

تبلورت رؤى إدوار واكتملت بعمق حول “الحساسية الجديدة” واهتدي في تلك الدياجير التي تسكنها طيور الجمود إلى أنها كتابة “عبر نوعية” من لم يقبلها فليتركها ويمضي؛ فأنها لن تطارده في صحوه أو منامه.. لكنها -على وجه اليقين- ستتجاوزه، كما أنه ترحب بكل متجاوز لها في ود حقيقي غير مصطنع.

“ضاقت بي رحابة الشعر عن رؤية كثيفة أردتها؛ فتلمستها في القص والروي فأصبت بغيتي.. ولكأنما أحسست بي رعدة أو نحو ذلك.. فلما أردت أن أتخفف من حمولة الشعر ما استطعت” ولكن إدوار لم يقل ذلك صراحة، أو هو قال بعضه صراحة، واضمر بعضه.. والحقيقة أن حمولة الشعر ظلت قريبة من قلبه إلى لحظة الكشف الأخيرة.

“سأستبدل المراوحة بالحدث، واللغة الكثيفة الظلال باللغة الناصعة، وسأحمل التابوت فيه سكينة.. وبقية مما ترك الأولون، أولئك الذين اقتطعوا من حجارة الجبال صروحا، وأولئك الذين استراحوا قرب المدينة البيضاء، يسترقون السمع لهسيس البيوت وقد تزاحمت قرب البحر المصطخب، وسأضم “أضلاع الصحراء” في حضرة الشيخ عبد الله الدمياطي؛ مجاهدا في سبيل الله ضد الفرنجة، وستجتبيني “صخور السماء”.. يا إلهي كم آلمتني تلك النزوات.. لكم أشعر بالوحدة.. أيها التاريخ إن شئت فاذكرني في صفحة لا يشاركني فيها أحد.. لكأني أضعت طريقي”.

في فترة تقترب من العقدين، كتبت الثلاثية الإدوارية “رامة والتنين” و” الزمن الآخر” و”يقين العطش”، لكن “رامة” الجميلة بقيت كمسودة شبه منسية لعامين قبل أن تطلب للنشر، بينما “الزمن الآخر” مثلت في كتابة منجزة استغرقت أقل من شهرين، ثم جاء “اليقين بالعطش” على مهل كحقيقة احتاجت أكثر من عقد لتتثبت من نفسها، برغم أن ما كتبه إدوار كان موجودا بالقوة قبل أن يكتب كما قال “بالزاك”.

“من يدرأ عني شواطئ الأرزاء المتلألئة بأحجار الألم؟ أحجار الألم شوهاء. هذا أدركه الإدراك كله. فبأي الآلاء تتألم؟ أوجاعك لا يعبأ بها أحد، وليس لأحد أن يعبأ. أليس لكل أعباؤه التي تضوء في شتاء دائم؟ الشقاء الألف الشقاء الياء. أما أنت فلست إلا نتوءا وأهواؤك ملجأ للحدأ الأكالة لا أطأطئ أمامها رأسي أبدا. ومع ذلك فإن الأفلاك مازالت تؤج حوله في رواء يرأب أذى الأرض ويبرئ اليأس الأجاج. اليأس غير بريء”. الزمن الآخر ص 19، 20.

من “اختراقات الهوى والتهلكة” تلك النزوات الروائية إلى “رقرقة الأحلام الملحية” مع “مخلوقات الأشواق الطائرة” و”تباريح الوقائع والجنون” لـ ” أبنية متطايرة” طوّف بنا إدوار في عوالمه الساحرة، فأمتعنا وأجبرنا بلطف على التحقق من صدق مقولاته الفنية وكونها مبرأة عن الهوى؛ لكونه نبي بلا أتباع قال كلمته ومضى.. لروحه السلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق