الحدث

«النوستالجيا والضحية».. ثنائية المتطرفين لاصطياد العقول

كتب: يان فويتش

ترجمة و عرض: تامر الهلالي

بعد أن منيت بهزيمة فادحة في سوريا والعراق، وفقدت سيطرة لم تستمر طويلا على الأراضي هناك، تسعى قيادة تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” (داعش) إلى الحفاظ على الروح المعنوية لأتباعها وكسب أنصار جدد عبر نهج جديد يركز على إلهام أعضائها القدامى ومن تسعى إلى تجنيدهم من عناصر جديدة، أن الفرصة لا تزال سانحة لاستعادة المجد التليد للتنظيم “أيام كنا نمتلك الخلافة”.

رواية الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) لا تمثل منهجا جديدا في أساليب منظمات العنف لتجنيد أتباع جدد، إلا أن طرحها من التنظيم مجددا يثير التساؤلات عما إذا كان يمكن التعويل عليها بالفعل أم العكس تمامًا حال فقدان رؤية واضحة للصورة الأوسع؟.

على امتداد الزمن كانت النوستالجيا عنصرا مهما لإلهام كل حركة ثورية، سواء باستدعاء مراحل العصر الذهبي في الماضي، أو توظيفها في تصور مستقبل مشرق يحاكي أمجاد الماضي. وعلى صعيد الإسلاميين، يمثل هذا النهج عاملا مهما لدى الجهاديين والسلفيين غير العنيفين بشكل عام، عبر الإلحاح على أن محاكاة المبادئ والتعاليم الواردة في القرآن والسنة وما ساد من قيم ونمط حياة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين من بعده كفيل أن يجلب المجد والفلاح للأمة (جماعة المؤمنين).

لكن هذا النوع من الحنين إلى الماضي يخالف مفهوم النوستالجيا لدى داعش وغيرها من جماعات العنف المسلح الذين يمثلون مجموعة أضيق من الحالمين عامة باستعادة الإسلام كأساس قانوني للدولة، وبالتالي فالأرجح أن يلقى هذا الخطاب رواجا لدى عدد أقل من المجندين المحتملين، وإن كان قد يساعد في الوقت نفسه على إلهام عناصر هم بالفعل على مسار التطرف.

تطرف الأفكار والأفعال

وبحسب برفيسور كاسبر راكايك، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز Globsec لدراسات التطرف و الإرهاب، في كتابه “رجل ذو قنبلة صغيرة”، فإن كل عائد من الجهاد يجلب قصصا ملهمة عن القتال والمجد، كما في رواياتهم عن تلك المعارك التي خضوها في كل من أفغانستان والبوسنة والشيشان والصومال إلى العراق وسوريا.

يتعين هنا التمييز بين التطرف في الأفكار، والتطرف في الفعل، فغالبا ما يكون “الحنين إلى الماضي” أكثر تأثيراً على أفعال الأشخاص الذين يعتنقون بالفعل أفكارا متطرفة.

وثمة رواية غالبا ما تتلازم مع الحنين إلى الماضي، وتبدو وكأنها الشقيق التوأم لها، وهي تقمص دور الضحية، فالحنين يعبر عن الحلم الذي نطمح في تحقيقه فيما يمثل دور الضحية التصور السلبي لدى الفرد أو المجموعة الأوسع عن واقعهم المعاش، ومن هنا تتولد الديناميكيات والطاقة نتيجة الرغبة في الانتقال من حال الضحية إلى الحلم باستعادة المجد القديم مجددا، وبالتالي فإن مجابهة مثل هذه الاستراتيجية التي يعتمد عليها الإرهابيون في التجنيد، يتطلب العمل على تقليل المسافة بين سردية الحنين إلى الماضي وسردية دور الضحية.

سبل المجابهة

السؤال هنا هو: كيف يمكن لنا تحقيق ذلك؟ قد يعتقد البعض أن السبيل إلى ذلك هو فضح حقيقة “تنظيم الدولة الإسلامية” وفشله في تحقيق وعد الخلافة، إلا ثمة عاملان يجعلان هذه التوقعات مبالغ فيها، أولها أن تجربة التنظيم في الحكم لم تستمر لفترة طويلة بما يكفي لتشويه سمعته في نظر أتباعه والمتعاطفين معه، كما أنه يمكن لهم تبرير هذا الإخفاق بأن التنظيم كان في حالة حرب وحصار من قوى عالمية.

من جهة أخرى، وكما هو الحال مع الأيديولوجيات الطوباوية الأخرى، فإن أجيالاً جديدة من الإسلاميين ستفكر ببساطة أنها يمكنها أن تتتجنب تلك الأخطاء وتعيد المحاولة مستقبلا على نحو أفضل. وربما يشابه ذلك سلوك معتنقي أفكار الاشتراكية والشيوعية، فرغم ما أثبتته تجارب الواقع من إخفاق المجتمعات التي تبنت تلك الأفكار في الاستمرار طويلا، لا تزال تظهر مجموعات جديدة لديها الاقتناع بإمكانية النجاح في تجنب أخطاء أسلافهم وتحقيق الحلم دون التخلي عن أفكارهم اليسارية.

وهنا علينا ألا نغفل إمكانية إدعاء داعش النجاح في إثبات أن فكرة إنشاء دولة إسلامية إقليمية هي فكرة قابلة للتحقق عمليا، وبالتالي إقناع أنصارها أن ما تعرض له التنظيم من إخفاق بين عامي 2014 إلى 2017 قد يكون أمرًا مؤقتًا.

في هذا السياق، ربما يكون المسار الأكثر نجاحا في مجابهة تلك الجماعات هو التركيز على حرمانها من ترويج أفكارها لدى أنصارها الذين تقنعهم بدور الضحية، مع النظر إلى دعوة الخلافة باعتبارها ليست غاية في حد ذاته، بل يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق غايات أخرى كالعدالة والمساواة وحرية العقيدة والتمتع بمكانة لائقة، وهو ما يمكن أن يتحقق بالتركيز على تحسين الأحوال الاجتماعية مثل التعليم وتوفير فرص التوظف ونبذ التمييز ومكافحة الجريمة، مع اتاحة المجال أمام الهيئات الدينية المعنية بمكافحة التطرف والعنف للمشاركة في هذه الجهود.

تعريف بالكاتب 

يان فويتش: عضو مجلس إدارة معهد القضايا الأوروبية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة مقرها وارسو، وله العديد من الدراسات حول الإرهاب والتطرف غير العنيف، ومقالات منشورة عن الإسلاموية العنيفة والتيارات الإسلامية الإصلاحية التي تنبذ العنف. وهو طالب دكتوراه في مركز أبحاث القانون الشرقي بجامعة فروتسواف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: