رؤى

مصطفى المراغي.. مسار مبتسر نحو التجديد (1-3)

الشيخ مصطفى المراغي (1881 – 1945) استقال مرتين من موقعه على رأس مشيخة الأزهر، الأولي عام 1930 بسبب عجزه عن تحقيق مشروعه لإصلاح المؤسسة العتيقة وتجديد شبابها، والثانية بعد أن عاد شيخا للأزهر من جديد عام 1935 ووجد أن قوي التقليد المقاومة للتجديد من أساتذة الأزهر وطلابه أقوى في مواجهة مساره التجديدي، فأنجز ما أمكنه عمليا دون استيفاء مشروعه الإصلاحي، محبَطا كما كان حال سابقيه ممن حاولوا التجديد كشيخه محمد عبده ومن قبله إمام المجددين والمجتهدين حسن العطار.

وُلد محمد بن مصطفي بن محمد بن عبد المنعم المراغي ببلدة المراغه مركز مغاغه محافظة سوهاج في 9 مارس 1881، والتحق بالدراسة بالأزهر حتى نال “العالمية” عام 1904، وكان الأول على زملائه وعمره 23 عاما وهي سن صغيرة بالنسبة لعلماء الأزهر. اختاره الإمام محمد عبده عام 1906 ليكون قاضيا بالسودان بمدينة دنقله وظل بها ثلاث سنوات عاد بعدها إلي القاهرة لخلافاته الدائمة مع الحاكم العسكري الإنجليزي هناك، وبعد عامين عاد إلي السودان مرة أخري في منصب كبير القضاة حتي عام 1919، وبعد عودته للقاهرة مجددا عمل مفتشا في المحاكم الشرعية حتى وصل لمنصب رئيس المحكمة الشرعية العليا عام 1923، وفي مايو عام 1928 تم تعيينه شيخا للأزهر لكنه لم يلبث أن استقال في أكتوبر عام 1929 لرفض الملك فؤاد التوقيع على المشروع الذي قدمه لإصلاح الأزهر، ثم عاد مجددا شيخا للأزهر في إبريل عام 1935 وحتى وفاته في أغسطس عام 1945.

الملك فؤاد
 

الملك فؤاد

تصفه فرنسين كوستيه تارديو في مقدمة كتابها “إصلاحي في جامعة الأزهر.. أعمال مصطفي المراغي وفكره” بأنه شاهد عظيم بل ممثل رئيسي في صدر المشهد المصري، وإصلاحي وريث بلا جدال لمحمد عبده، و”ملكي عقلاني” حاول تعزيز صورة الملكية لصالح مصر لتكون مركزا رئيسيا للأمة العربية والإسلامية، عبر محاولاته تسويق فكرة نقل الخلافة إلى الملك فؤاد عام 1925 بعد إعلان سقوط الخلافة العثمانية، كما حاول أن يبعثها من جديد لصالح فاروق في الثلاثينيات، ورغم أنها كانت معركة ميؤوس منها إلا أنها تشير إلى مسعى مبكر لتوظيف الهوية الإسلامية لمصر لتعزيز مكانتها في العالم الإسلامي.

وفي ختام كتابها تقول فرنسين كوستيه تارديو عن المراغي: “إن دراسة شخصية بهذا الثراء والتعقيد تُخلف إحساسا لا يمكن تفاديه بعدم الاكتمال والخوف من أن نكون ربما خذلنا الشخصية التي أردنا أن نُقدم عنها صورة حقيقية قدر المستطاع”. الكتاب بالأساس أطروحتها للدكتوراه، وهي تخلص في نهاية بحثها وتطوافها العلمي إلى أن الرجل بمواقفه وسيرته أعمق وأكبر من قدرتها على الإحاطة بسيرته ومواقفه، فالرجل مصري حتى النخاع لا يهمه سوي مصلحة بلاده حتى في علاقته بالمحتل الإنجليزي، فهو باعتباره إصلاحيا كان يرى أن تهيئة المجتمع المصري وإعداده ليكون قادرا على حكم نفسه أهم من الانشغال بإخراج الإنجليز من مصر، فالإصلاح المُنجز سوف يمثل أفضل حجة للمطالبة برفع الحماية والاعتراف لمصر بسيادتها الوطنية. كان المراغي يحلم بأن تكون مصر مركزا للعالم الإسلامي، وهي فكرة لم يتنازل عنها مطلقا، وإبان وجوده في السودان عام 1915 كتب مؤيدا لخلافة عربية بديلة عن الخلافة العثمانية، متأثرا في ذلك بنهج عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “أم القري”، وكان يظن أن خلافة تقودها مصر ستضمن لها الاستقلال وتهيئ لها سبيلا لقيادة العالم العربي والإسلامي وتوحيده.

وحين قامت الثورة المصرية عام 1919 وخلفت ألفا من القتلى، كتب المراغي رسالة بعنوان “اكتتاب لمنكوبي الثورة المصرية” وطبع منها ألف نسخة وُزعت سرا على مسئولي القطاعات الإدارية والعسكريين المصريين في السودان حيث كان يعمل كبيرا للقضاة، ولاقت رسالته استجابة كبيرة من المصريين والسودانيين معا ما أقلق الإنجليز فقابله السير لي ستاك، ورئيس القضاء المدني مستر دن، وطلبا منه سحب رسالته فرفض، ولما وجها إليه أمرا رد عليهما بغلظة أنهما جميعا صدر أمر تعيينهم من الملك وليس لأحد منهم أن يأمره أو يوجهه وأنهي المقابلة. جمعت حملة اكتتابه لصالح ضحايا  ثورة 1919 ستة آلاف جنيه مصري واستطاع رغم معارضة المسئولين الإنجليز أن يوصلها إلى مصر لتوزع علي الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية لتسليمها لمستحقيها.

ورغم أن المراغي كان ملكيا إلا أنه كان يُعارض امتداد سلطات فؤاد إلى المعاهد الدينية والجمعيات الخيرية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف، ويرى أنه في نظام دستوري يجب أن تكون الأوقاف تحت إشراف البرلمان. لم يكن المراغي يحب صراع ا لأحزاب السياسية والقصر، وكان يرى أن مصر كرجل في طور النقاهة أنهكه مرض طويل ولا يستطيع أن يتحمل مضاعفاته الخطيرة.

مسار التجديد الذي تبناه المراغي ولم يُنجز منه إلا قليلا كان يهدف إلى تغيير بنية الأزهر بإعادة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي إلى أحضانه وتحسين مستوي تعليم وتدريب العلماء والانفتاح علي العلوم وطرق التفكير الحديثة وإدخال اللغات الأجنبية في مناهج تعليم الأزهريين وابتعاثهم إلي العالم الخارجي. وحسب ما ذهب إليه فرنسين كوستيه تارديو، فإن إصلاحات المراغي التي أُجهضت كانت تهدف إلى سيطرة الأزهر على العلماء وعدم انخراطهم في السياسة، وذلك عبر وضع الأزهر في صميم العلاقة بين الدولة المصرية ومحيطها العربي والإسلامي، وهو ما أخذ به النظام الناصري بعد عام 1952.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تصحيح : ولد الشيخ محمد مصطفى المراغى بالمراغة – مركز المراغة- حالياً ، محافظة سوهاج.

إغلاق