رؤى

قوانين المواريث.. محنة مصادرة الاجتهاد وهيمنة الفكر السلفي

أثار مشروع قانون مساواة المرأة بالرجل في المواريث بتونس جدلًا واسعاً في الآونة الأخيرة، إذ أن الأمر يتعدى كونه قضية تخص تونس والتونسيين إلى ما هو أبعد من ذلك حيث الدين الذى يدين به كل مسلم في أي مكان.

تدخلت مؤسسة الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية في هذه القضية مستنكرة محاولة الاجتهاد فيها، على أساس أن المواريث حدود الله التي لا يجوز الاجتهاد فيها، إذ بنيت على نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، مصداقًا لقوله تعالى في ختام أية المواريث: “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)”

وأصدرت مشيخة الأزهر الشريف بياناً مفصلًا ترد فيه على هذه الدعوى حاسمة القضية من وجهة نظرها بقولها: “الشريعة الإسلامية تميزت بصلاحيتها لكل زمان ومكان، ومراعاتِها جميعَ أحوال الناس على تنوعِهم واختلافِهم؛ لما تمتَّعَتْ به من مُرُونة، ولكنَّ هذه المُرونة ليست سمةً لجميع نصوص الشريعة، فبعضها ثابتٌ راسخٌ لا مجال للاجتهاد فيه، والنصوص المتعلقة بعلم الميراث في الإسلام لَمِن هذا القسم الراسخ الذي لا يقبل الاجتهاد أو التغيير، فقد تَولَّى الله عز وجل وضْع أُسسه وضوابطه بنفسه لأهميته وعِظَم خطره؛ فلا يخفى على أحدٍ أن الظلم في الميراث ربما يتعدى لأجيال متتابعة أو تُقَطَّع لأجلِه الأرحام، بل وقد تُرتكَب بدافعه الجرائم”.

ونفت المشيخة في بيانها دعوى أن الرجل يرث ضعف المرأة بالإطلاق، فقالت: إن القول بأن فقه المواريث في الإسلام يُعطي الذكر ضعف الأنثى هو قول عارٍ عن الحقيقة منافٍ للواقع؛ فالمُستقرِئ لأحوال ميراث المرأة في الإسلام يجد أنها قد ترث في بعض الحالات أكثر من الرجل أو تساوي الرجل أو ترث ولا يرث الرجل، وذلك فيما يزيد على ثلاثين حالة، في حين أنها ترث نصف ما يرثه الرجل في أربع حالات فقط.

ومن ناحيتها، أكدت دار الإفتاء المصرية على ذات المعنى، أنه لا اجتهاد في الأحكامِ الشرعيةِ قطعيةِ الثبوتِ والدلالةِ، ومنها “أحكام المواريث”؛ لأنها حُسِمت بنصوصٍ شرعيةٍ قطعيةٍ وصريحةٍ لا تحتمل أكثرَ من معنًى.

مغردا خارج السرب، انفرد أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر د. سعد الدين الهلالي بالإفتاء أن ما حدث في تونس غير مخالف للشريعة، على أساس أن المواريث حقوق وليست واجبات، ومن ثم فكل صاحب حق حر في حقه، يتنازل عنه أو يتمسك به، فلو حق الأخ ضعف حق أخته وقرر أن يعطى أخته من نصيبه ليرضيها فهذا حقه ولا حرج عليه، وبناء عليه لو تراضى المجتمع التونسي على ذلك فهذه حالة تراضى لا تخالف الشريعة.

تحريض سلفي

تنوعت ردود الأفعال تجاه الدكتور سعد الهلالي بدءًا من الحوار الهادئ المنكر بأشد ما يكون، مثلما فعل الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق الذى ختم رده على الدكتور سعد بقوله: “ما هكذا يا سعد تورد الأبل”، مرورا بالحوار العاصف من قبل أفراد المؤسسة الدينية  الرافضين لطرح الهلالي جملة وتفصيلًا، وانتهاء بالتحريض من شخصيات مؤثرة في التيار السلفي ذهبت إلى أن الرجل يدعو صراحة لتعطيل النص الديني ويشكك فيه، حسبما جاء في تساؤل الداعية السلفي حسين مطاوع: “إلى متى السكوت على هذا الرجل وتخاريفه وتطاوله على ثوابت الدين التي لا يجوز المساس بها؟”.

هذه القضية تشير بكل قوة ووضوح لأزمتنا الكبرى، والتي يمكن تلخيصها في أن الجماعات السلفية نجحت نجاحًا باهرًا ومنقطع النظير في تسييل الحالة السلفية وجعلها نمط تفكير تشربه المجتمع من أعلاه إلى أدناه، في أرفع درجات التعليم ومستويات المعيشة وحتى أقلها، وبدون لحية أو نقاب.

هذه التيارات مكثت لعقود طويلة تلقى بخطابها على آذان الناس عبر قنوات متعددة، في الشوارع وشرائط الكاسيت ومواقع الإنترنت، بعد أن شجعها الرئيس السادات وأفسح لها المجال، ثم باركها مبارك بفتح القنوات لها والسكوت عنها، وتلقت تمويلًا هائلًا ووقفت خلفها دول، فاغتنوا وكنزوا الأموال وركبوا السيارات الفارهة، ليجمعوا بين الحسنيين، الدين والدنيا معاً.

اختراق الأزهر

في المقابل لم تعني الدولة بدعم الأزهر، الذي نال منه الإهمال والضعف، فخرج منه ولا يزال من هو ضعيف علميًا، غير مكرم ولا محترم ماليًا، فأنى له أن ينتج وإلى من ينتمى؟. لم ينته الأمر بعد، فقد غزت هذه التيارات بجانب الشارع باحة الأزهر واخترقته طولًا وعرضًا، وبات هناك تيارًا أزهرياً لا يستهان به يمثلها ويحدثك عن بدعة الاحتفال بالمولد وأصنام الحلوى، إلا من تعلم كيف يتكلم فترك هذه الأشياء لغيره يكفيه.

حينما يتسلف مجتمع ما ثق تمامًا أن مستوى التعليم والوعي والإدراك يكاد يكون غائبًا، مصداقاً لقول الثوري: “أما التشدد فيحسنه كل أحد، ولا يحسن الرخصة إلا عالم”، وحينها يختلط رأي من يوصف بالعلم وموقفه برأي الجاهل وموقفه، فلا تدري أيهما علم ولا أيهما جهل، ولا تعرف من يحاول إرضاء من. هنا تغتال معنويا كل الشخصيات التي تحاول الاجتهاد والخروج عن السياق مهما كانت قيمتها ومكانتها الفقهية برمية واحدة من الجميع فلا تدرى من قتله.

وفي رأي كاتب هذا المقال، فإن بعض شيوخنا في الأزهر الشريف اعملوا النص ووقفوا عنده، في حين حاول الدكتور سعد الدين الهلالي أن يعمل علي مقاصد النص دون أن يتركه أو ينكره أو حتى يجتهد فيه، بل اجتهد بجانب النص فجعل النص حين تتشاح النفوس، وجعل إعطاء الأخت مثل أخيها حق تنازل عنه الأخ برضاه، فأين المخالفة؟

وقد يخطئ عالم الدين أو يصيب ولكن حقه في الاجتهاد، بل حقه في الخطأ أحيانا دون إرهاب فكري هو بداية إصلاح الفكر الديني، فالفقه عمل عقلي بشري قد يخطئ وقد يصيب، بدليل أن فقه العلماء اختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لغيره دون أن يمس ذلك كله جوهر الدين الثابت من قريب أو بعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. انحياز الكاتب للهلالى
    اتجاه علمانى
    اما نصوص الشريعه فليس فيها اختياريه
    اذا قلنا برأى الهلالى فانه مدخل للاجتهاد فى النصوص القطعيىة
    كالصلاة والصيام والحج
    اما الهلالى …….. فقد غرد خارج السرب الصواب

  2. انحياز الكاتب للهلالى
    اتجاه علمانى
    اما نصوص الشريعه فليس فيها اختياريه
    اذا قلنا برأى الهلالى فانه مدخل للاجتهاد فى النصوص القطعيىة
    كالصلاة والصيام والحج
    اما الهلالى …….. فقد غرد خارج السرب الصواب

إغلاق