فن

Papillon.. حلم الحرية والهروب المستحيل من محنة السجن والنفي

يمكن للتأقلم مع الواقع أن يكون وسيلة للهروب منه، ربما لو كان هناك بعض الأمل لتغيير الظروف المحيطة بهذا الواقع، وبالتالي يتغير الواقع بشكل أو بأخر، ولكن ماذا إذا كان الواقع هو سجن أبدي لن يتغير، قد يفكر البعض في الموت، ويفكر الأخر بالهروب بحثا عن الحرية.

 الفيلم قائم على قصة حقيقة لرجل فرنسي “هنري شارير”، في ثلاثينيات القرن الماضي، اتهم في جريمة قتل ملفقة، ليودع في واحد من أسوأ سجون العالم منفيا في مستعمرة غينيا الفرنسية بأمريكا اللاتينية التي كانت بحكم القانون الفرنسي وقتها “مستعمرة عقوبات”. حاول الهرب أكثر من مرة قبل أن يتم نقله إلى “جزيرة الشيطان” الواقعة على بعد بضعة أميال من ساحل غويانا، وكانت أيضا اشد وطأة من سجنه السابق، يعيد محاولات الهروب حتى ينجح بالوصول إلى فنزويلا، وهناك يبدأ كتابة مذكراته عن سنوات تجربته المأساوية، وعندما ينتهي منها في عام 1966 يصدرها في كتاب يتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا، باعتبارها قصة الهروب المستحيل.

الفيلم بطولة، شارلي هونام، ورامي مالك، وإخراج مايكل نوير، وتأليف آرون جوزكوويسكي، ودالتون ترامبو ولورينزو سيمبل وهو إنتاج مشترك بين شركات من الولايات المتحدة ومالطا وصربيا، وهو إعادة تقديم لفيلم بنفس الاسم انتج في ١٩٧٣ من بطولة ستيف ماكوين، وداستين هوفمان، وتأليف ودالتون ترامبو ولورينزو سيمبل، وحقق وقتها إيرادات تجاوزت 55 مليون دولار، ورشح لجائزة أوسكار أفضل موسيقى تصويرية.

الفيلم الصاخب يبدأ بداية شبه هادئة، شاب في زنزانة انفرادية، لا يتحدث، فقط يقوم باستطلاع شيء ما خارج زنزانته عبر “نضارة” الباب وسط إضاءة معتمة، ستكون مسيطرة على معظم أحداث الفيلم.

 نعرف بعد قليل أن هذا الشاب هو هنري، ذلك الفرنسي الوسيم، الذي يمتهن السرقة ضمن إحدى العصابات المنتشرة في ذلك التوقيت، لتأخذك تلك المشاهد الأولى لجولة في شوارع باريس عام ١٩٣٠، لنعرف أن اسم “papillon” لوجود وشم فراشة على جسده، ونتعرف أيضا على علاقة الحب التي تنشأ بينه ونينيت “إيف هيوسون”، والتي تحاول أن تثنيه عن الاستمرار في السرقة.

ولكن سرعان ما يتم اتهامه في قضية قتل ملفقة، بعد أن قام أحد افراد الشرطة السرية بالوشاية به، يتم القبض عليه، لتبدأ احداث الفيلم مع بداية فترة سجنه في مستعمرة غويانا الفرنسية بأمريكا اللاتينية، ويقضي نظام السجن هناك بإطلاق سراح نزلائه فور تمضية فترة العقوبة على أن يستمروا في نفس المستعمرة كمواطنين دون العودة مرة أخرى لفرنسا.

يتعرف في أيام سجنه الأولى على لويز ديجا “رامي مالك” الشاب المزور الثري، ويعتمد بشكل كلى على أمواله في محاولة التغلب على متاعب السجن، لكنها أيضا تعرضه لمحاولة قتل من السجناء في محاولة الحصول على أمواله، ما جعله يتفق مع هنري أن يقوم بحمايته مقابل بعض الأموال عندما تنتهي فترة الحبس، لكنه مع مرور الأحداث يصبح رفيق كفاحه من أجل الهروب.

رغم أن شارلي هونام ورامي مالك، قاما بالدور بشكل مبهر، إلا أن كلاهما ليس من نجوم الشباك، وهو ما تشير له إيرادات الفيلم حتى الأن، بعكس كل من ستيف ماكوين وداستن هوفمان في النسخة السابقة التي استفادت أيضا كونها كانت أقرب لموعد  المذكرات في عام 1966 ووفاة الشخصية الحقيقية “هنري شارير” في 1973.

بعد محاولة الهروب الأولى الفاشلة، يتم إيداع هنري زنزانة الحبس الانفرادي، لمدة عامين، ويعاني من القمع هناك ومحاولة تحطيم السجناء نفسيا. الإضاءة القاتمة، والحركة البطيئة للكاميرا في تلك اللقطات جعلت المشاهد يعايش محنة السجن وما يمكن للسجين عمله في صمت مطبق، عبر مشاهد الكاميرا لنقل ما يدور في عقل هنري من أفكار تخيليه، وهي وسيلة دفاعية نفسية، يقوم بها العقل للتغلب على الاحتجاز الفردي.

يتداعى إلى عقل هنري صور مختلفة لصديقة ديجا كمهرج في أحد شوارع باريس، وتتداعى صور حبيبته التي يتمنى أن يراها، وينتهي المشهد بانتهاء فترة سجنه الانفرادي  والعودة مرة أخرى للسجن مع رفيقة ديجا، ليبدأ معه التخطيط لمحاولة هروب جديدة، تنجح جزئيا، بالوصول لأحد شواطئ كولومبيا، لكن سرعان ما تقوم راهبة بأحد الكنائس التابعة للمستعمرة بالإبلاغ عنهم، ليتم إعادته للحبس الانفرادي مرة أخرى لمدة ٥ سنوات.

الفيلم هنا ينحرف قليلا عن القصة الواقعية من مذكرات هنري، حيث أن الفيلم يصور بقاءهم في كولومبيا ليومين، ولكن المذكرات تشير إلى بقاء هنري لشهور في تلك البقعة حتى قرر بمحض إرادته الحصول على مساعدة في العودة لأوروبا من قبل الكنيسة، والتي بدورها قد قامت بتسليمه.

تنتهي السنوات الخمس الجديدة في الحبس الانفرادي، بنقل هنري لجزيرة الشيطان، إحدى الجزر التابعة لفرنسا وكانت تعتبر مثل السجن المفتوح، حيث لا مجال للهرب وسط المحيط وأسماك القرش، وهي الجزيرة التي شهدت سجن “الضابط الفريد دريفوس” الذي شغلت قضيته واتهامه بالتخابر الرأي العام الفرنسي والأوروبي في بدايات القرن الماضي.

يعثر هنري على صديقة ديجا، وقد تم نقله هو أيضا للجزيرة سيئة السمعة، ولكن ذلك الشاب المزور الغض، أصبح أكثر تأقلما مع حياة السجن داخل الجزيرة. ويقوم الصديقان بمحاولة هروب جديدة، لكن هذه المرة يرفض ديجا الهروب لينجح هنري بالقفز من الجزيرة وباستخدام حقائب من الخيش ممتلئة بثمار جوز الهند لتطفو به على المياه لمكان ما.

النهاية تأتي مع مرور الزمن لنجد هنري كهلا يقوم بمحاولة لطباعة ما كتبه من مذكرات تحتوى على رسومات ديجا لما مر بهم في فترة السجن، وقيام الحكومة بإصدار عفو عنه، لنعرف أنه استقر كل تلك السنوات في فينزويلا واستقر وتزوج هناك كمواطن فينزويلي.

قد يعيب البعض على الفيلم الاستخدام المفرط في مشاهد العنف، لكن ربما أسهم ذلك في نقل صورة واقعية لمحنة الحياة داخل السجون الفرنسية في ذلك التوقيت، خاصة أن المذكرات التي كتبها هنري كانت ضمن أسباب إلغاء الإعدام في فرنسا وانتهاء فكرة المستعمرات العقابية.

ورغم نفي السلطات الفرنسية المتعاقبة لما حوته مذكرات شارير من وقائع في محاولة للتقليل من أثرها على الرأي العام، لكن صاحبها أكد أن أغلب وقائعها حقيقية، ولاحقا صدر عفو عنه في السبعينيات من القرن الماضي وسمح له بالعودة لفرنسا.

 “هنري شارير”

بدأ عرض الفيلم في أغسطس الماضي في قاعات السينما الأمريكية والأوروبية، ويعرض حاليا في مصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: