ثقافة

«قبة سيدنا الولي».. قراءة شيقة في ميراث التسامح عند المصريين

بحماسة بالغة شرح لي في لقائنا الأول- قبل قراءتي للكتاب كيف اهتدى إلى ذلك الخيط الرفيع الذي جمع بين تراث المصريين على امتداد حضاراتهم التاريخية بدءا من الحضارة الفرعونية القديمة وحتى مظلة الدين والثقافة الإسلامية، والذي يبدو وكأنه روح مصرية أصيله استطاعت استيعاب كل الحضارات والأديان التي طرأت عليها، بل وتمصيرها بحيث يمكننا الحديث عن لون من التدين الشعبي المصري يجمع بين طياته الديانات المتعاقبة على هذه الرقعة الجغرافية منذ الحضارة الفرعونية وحتى وقتنا الراهن مرورا بالديانات السماوية الكبرى الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام.

في كتابه (قبة السيد الولي) كان هم الباحث والكاتب محمد عبدالله، هو البحث عن التراث الإنساني المشترك بين المصريين على امتداد تاريخهم، والذي يبدو في العديد من القيم والعادات والأعراف والتقاليد، التي تبدو كخيط ثقافي شعبي يجمع المصريين على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم، لم تستطع الثقافات الغازية أو الديانات الوافدة على ثرائها وتنوعها أن تنال منه أو تحيد بمساره، بل على العكس استطاعت تلك الثقافة الشعبية تمصير تلك الديانات، وإضفاء طابعها الخاص عليها، بحيث يمكن الحديث عن إسلام مصري، ومسيحية مصرية، ويهودية مصرية، وحسب ما نجح المؤلف في تتبعه ورصده بامتياز على صفحات كتابه فإن للمصريين في تدينهم روح تأبى على الاغتراب والتطويع.

وبحسب الكاتب، فإن ثمة حالة من التمصر العجيب امتدت فيها معتقدات المصريين عبر قرون طويلة منذ العصر الفرعوني لتحل في الديانات التي مرت عليها حتى لو بدت مختلفة معها عقديا، وذلك بما يميز الوجدان الشعبي للمصرين من تسامح وقدرة على تطويع ما وفد إليه من معتقدات وثقافات متباينة في سبيل الاحتفاظ بتلك العادات الطقوسية التي حلت في بعض الأحيان تدريجيا محل الدين. وتمثل ظاهرة الاحتفال بموالد الاولياء والقديسين وزيارة الأضرحة في مصر واحدة من تلك المظاهر القديمة التي عبرت عن ذلك القدر الهائل من التسامح والتوحد في شخصية المصريين، وهو ما يتضح في وحدة الوجدان عند المصريين في العديد من المظاهر التي لازمت بناء الأضرحة والقباب للصالحين، بدءا من إطلاق البخور وإيقاد الشموع، مرورا بالعديد من الكرامات والأساطير التي يحتفظ بها الوجدان للأبطال من الكهنة والقديسين والأولياء على تعاقب العصور.

ثمة نموذج آخر يسوقه المؤلف على حالة الاستيعاب الثقافي والحضاري للمصريين للأفكار الطارئة وتطويعها للتساير مع مخزونه من التدين الشعبي، فلقد كان المصري القديم يحمل في وجدانه عشق (إيزيس) نموذج الإخلاص والتفاني الذي نسج حوله العديد من الأساطير، أبرزها تلك الرحلة المعروفة في جمع أشلاء زوجها ورعاية ابنها حورس الذي أنجبته دون أبوة بشرية، وعندما أتت السيدة مريم إلى مصر رأى في قصتها تشابه كبير مع قصة معشوقته ايزيس، وربما هذا ما مهد قبول قصة السيد المسيح وأمه مريم، وتكرر الأمر مع قصة قدوم السيدة زينب إلى مصر، وحين لم يجد وجدان التراث الشعبي ما تحمله ليتوافق مع حالته الإيمانية الممتلئة بالقصتين السالفتين، فقد صنع لها قصة حمل رأس الإمام الحسين ليدفن في مصر، ويظل الحسين والسيدة زينب بالإضافة إلى السيدة مريم وابنها المسيح، وإيزيس ونجلها حورس نماذج فدائية تلهب حماس وعاطفة المصريين.

في الكتاب الصادر عن “مبادرة إعلام المواطنة والحوار” نجح المؤلف في رصد العديد من التقاليد والعادات التقاليد العابرة عبر آلاف السنين في مصر مع تعاقب الحضارات والأديان، من ضمنها تقدير الشمس والاهتمام والقسم بها، والعديد من العادات المرتبطة بالوفاة والتأبين والدفن، وبعض المظاهر والاحتفالات كالاحتفال بعيد شم النسيم، والختان، وتقاليد الزواج. وذلك فضلا عن الأصول الفرعونية للعديد من العبارات المتوارثة في الثقافة الشعبية كعبارات: تاتا خطي العتبة (تاتا في الهيروغليفية تعني طفل)، وحوي يا وحوي (وهي متوارثة منذ خروج الجماهير لتحيي إياح أم الملك أحمس هازم الهكسوس، بقولهم: واح واح إياح، بمعنى: تعيش تعيش إياح، ومع مرور الزمن صارت الكلمة تعبر عن الابتهاج بقدوم شهر رمضان الكريم).

كما ينوه الكاتب إلى العديد من أوجه التشابه في التجربة الصوفية الروحية ما بين الاتجاهات الروحية في مصر الفرعونية ثم في التجارب الروحية المرتبطة بالأديان لاسيما الصوفية المسيحية والإسلامية، والتي حافظت على العديد من التقاليد كزيارة الأضرحة وإيقاد الشموع، وحتى الذكر والرقصات في الاحتفالات الدينية.

يقدم الباحث العديد من الأسانيد التي تدعم وجهة نظره، غير أنه في توجهه يثير إشكالات عدة، منها تلك المتعلقة بأصولية تلك المظاهر في الأديان السماوية وعلاقتها بالنصوص الثابته سواء كانت في الكتب السماوية أو الأحاديث وتعاليم الرسل والأنبياء، ثم تفسير التشابه ما بين التجارب الروحية في مصر ونظائرها في العالم المتسع والتي لا تعبر بحال من الأحوال عن الخصوصية الوجدانية المصرية، فالأضرحة والمقامات ظاهرة منتشرة في العالم الإسلامي على امتداده من الصين شرقا إلى المغرب العربي غربا وليست حالة حصرية للمصريين، وأيا ما يكون الأمر فقد نجح الكاتب في التعبير عن حالة من التسامح والرحابة الحضارية للمصريين وقدرتهم على استيعاب وتطويع قيم ومعتقدات الآخر، مسيحيا كان أم مسلم، بما يحفظ هوية وشخصية وخصوصية التجربة الحضارية المصرية.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: