منوعات

عبد الرحمن الشرقاوي.. صاحب «الأرض» إمام المتمردين

“التمرد” هو العنوان الأبرز في سيرة حياة الصحفي والأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي (1920-1987)، فكتاباته التي بدأت في أربعينيات القرن الماضي واستمرت حتى رحيله في الثمانينيات تدعو إلى المقاومة وتبشر بالثورة ضد الطغيان والظلم وتقدم نماذج للتضحية والفداء كان أعظمها شخصية الحسين بن علي في مسرحيته الخالدة “ثأر الله” بجزئيها “الحسين ثائرا” و”الحسين شهيدا”.

ولد عبد الرحمن الشرقاوي في 10 نوفمبر 1920، بقرية الدلاتون بمحافظة المنوفية، وتعلم كما أقرانه في كُتاب القرية، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالمدارس الحكومية حتى تخرج في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول عام 1943، وعمل بعد تخرجه بإدارة التحقيقات في وزارة المعارف وخلال تلك الفترة تعرف على الكاتبين الكبيرين فتحي غانم وأحمد بهاء الدين، وكان ينشر بشكل متقطع بمجلة “الفصول” التي أصدرها ورأس تحريرها الكاتب الكبير محمد زكي عبد القادر، ثم تفرغ للعمل الصحفي، وعمل في مجلة «الطليعة»، ثم مجلة «الفجر»، وصحيفة «الشعب».

تأثرت كتابات الشرقاوي في قوالبها الأدبية المختلفة، بالتغيرات الاجتماعية الحادة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وركزت قصصه على حتمية العدالة الاجتماعية، وهموم الريف المصري ومشكلاته من فقر وجهل وتمييز. بشر الشرقاوي بالثورة، وعول عليها في حل أزمات المجتمع، هاجم الطبقية والتمييز الذي كان يسيطر على مصر قبل ثورة يوليو 1952، واشتبك مع طبقة رجال الدين الذين يظهرون الورع ويخفون الجشع، ووضع يديه على مظاهر الظلم والاستبداد، وأكد أن القوى الإقطاعية الظالمة كانت ولا تزال حينها تتحكم في أقدار الفلاحين، الذي انتمى إليهم وخبر مظالمهم بحكم النشأة.

يقول الشرقاوي في حوار مع الدكتور مصطفى عبد الغني الناقد الأدبي إنه يرى في التاريخ إطارا صادقا ووحيدا لتفسير الماضي ومن ثم تفسير الحاضر وإعادة طرح المستقبل في صيغة جديدة وهو يعود في أهميته القصوى إلى أن فتراته على ما فيها من مظالم وفساد فإن العدل ينتصر دائما في نهاية المطاف، وتنتصر المقاومة على الظلم.

الشرقاوي متمردا

في كتابه “عبد الرحمن الشرقاوي متمردا” الصادر عن دار التعاون قبل رحيل الشرقاوي بأسابيع عام 1987، يقول المؤلف مصطفى عبد الغني: “كان الشرقاوي متمردا على كل القيود التي تعوق حركة التقدم، حيث أن التمرد يكشف مدى الوعي الذي مر فيه الفكر كما يكشف حجم الزيف الذي غرق فيه المجتمع، ويعبر التمرد عن رؤيته للعالم، وهي رؤية لا تتوقف عند الذات فحسب بل تتجاوزها إلى الواقع الاجتماعي وتطوره”.

المتتبع لفكر الشرقاوي يلحظ اهتمامه بقضايا التأصيل الإسلامي من خلال تركيزه على الصراع بين حدثية النور والظلام، والخير والشر، أو بين طبقتين: الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة، فهو المنادي بالعدل، المتصدي دائما للظلم. “اعتذار الدهر كله لا يمحو ظلم ساعة واحدة”، من رواية (الفلاح). ويتحدث عبد الغني عن نزعة الفارس النبيل التي يستشفها في أعمال الشرقاوي المسرحية، “الفروسية في مسرحه تقدم لنا صورة واضحة للتمرد وكأنها ترجمة ذاتية لحياته”.

كتب الشرقاوي 6 مسرحيات شعرية هي: “مأساة جميلة” 1963، “الفتى مهران” 1966، “وطني عكا” 1969، “ثأر الله.. الحسين ثائرا وشهيدا” 1971، “النسر الأحمر” 1974، “أحمد عرابي” 1983، برزت فيها جميعا نزعة الفروسية، بحسب عبد الغني الذي تساءل: “هل فارس الشرقاوي ينتمي إلى الرومانسية القائمة أم الرومانسية الثورية؟ ويجيب: فرسان الشرقاوي جميعا مطحونون وفروسيتهم كانت طريقا إلى الهلاك، وتأتي شخصية صلاح الدين في “النسر الأحمر” لتؤيد ذلك، فقد أوقع أمين الكرك أسيرا وهو من أشد الصليبين قسوة، لكن فروسية صلاح الدين دفعته إلى العفو عنه، وإذ به يعود مرة أخرى إلى قتال المسلمين ومحاولة الهجوم على الكعبة”.

الحسين ثائرا وشهيدا

في مسرحية “الحسين ثائرا وشهيدا” التي كتبها بعد هزيمة 1967، صور الشرقاوي الحسين بطلا يرفض المساومة بالرغم من تأكده من مصيره. قدم شخصية البطل المقاوِم، الذي يقول ما يعتقده، ويُكافح عمّا يراه حقا، حتى لو تبيّن له أن الموت هو ما ينتظره في النهاية.

أراد الشرقاوي أن يقدم نموذج البطل العظيم رمز التضحية الذي دفع حياته عن رضى لمُقاومة الطغيان، ورفع راية الحق “فإذا سكتم بعد ذاك على الخديعةِ وارتضى الإنسانُ ذلَّهْ.. فأنا سأُذبحُ منْ جديدْ.. وأظلُّ أُقتلُ منْ جديدْ.. وأظلُّ أُقتلُ ألف قتلةْ.. سأظلُّ أُقتلُ كلما سكتَ الغيورُ.. وكلما أغْفى الصبورْ.. سأظلُّ أُقتلُ كلما رغِمتْ أنوفٌ في المذلَّةْ”.

المسرحية بدت كمحاولة لتحدي عوامل اليأس والهزيمة التي سيطرت على البعض، ودعا الشرقاوي -من خلال شخصية الحسين- الأمة إلى المقاومة والاستبسال والصمود.

نشر الشرقاوي 30 قصة قصيرة، لم يفلت بعضها من المصادرة، إلا أن عالمه القصصي يمكن استكشافه من خلال مجموعيتن قصصيتين، هما: “أرض الأحلام” 1954 ونشرت قصصها بين عامي 1949-1952  و”أحلام صغيرة” ونشرت قصصها بين عامي 1953 – 1965.

سنوات السجن

بدأ الشرقاوى نضاله في مرحلة مبكرة “نشأت في ظروف عمقت إحساسي بالحرية، ولدت عام 1920 أي عقب ثورة 1919، وأول كلمات تعلمناها كانت الدستور والاستقلال، وأول إحساس حقيقي بالحرية تولد عندي عندما سجنت في غرفة السلاح بالقرية بعد أن ضبطنا الخفراء ونحن نهتف الهتاف الشهير «الله حي.. سعد جي» وعندما أغلق باب الحجز علينا، انزعجت وعرفت ما هو معنى الحرية، وعندما واجهنا رصاص الانجليز فى المظاهرات تعمق عندي الإحساس بالحرية والنضال من أجلها.

ويقول الشرقاوي في حواره مع الدكتور مصطفى عبد الغنى: جئت إلى القاهرة ولم أجاوز ثمانى سنوات فعانيت من الاغتراب للمرة الأولى فى حياتى، وكان الاغتراب فى القاهرة النائية عن قريتى وعن أبواى، وهى غربة كانت صعبة جداً على نفسى، غير أن أبي-رحمه الله- كان قد علمنا أن شد الرحال والاغتراب فى سبيل العلم مثله مثل الجهاد فى سبيل الله. فى العاصمة كانت الحياة السياسية خصبة لجيلنا، وكانت المجلات الأدبية كثيرة ولها قيمتها، كما كانت الكتب زهيدة الثمن، وكانت كتب التراث كثيرة. كنت فى القرية قد نهلت من السير فى مظانها الأولى ولا سيما السير الشعبية (عنترة، وأبو زيد الهلالي، وسيف بن ذي يزن). وفي الطفولة حفظت شعر عنتر بن شداد كله. ودفعنى هذا إلى حفظ الشعر الجاهلى، لا سيما المعلقات. وفى العاصمة تعرفت على ألوان أخرى من كتب التراث العربى. تعرّفت إلى الجاحظ وإلى أغانى أبى الفرج الأصفهانى وتعرفت إلى ألوان أخرى من الشعر حتى العصر العباسى. وحفظت مختارات الباوردى وأبى تمام.

وتعرض الشرقاوي للسجن مرة أخرى عام 1947، ضمن مائة شخصية منهم محمد مندور، وعبد العزيز فهمي، لأنهم كانوا يهاجمون الإنجليز ويدعون لتحرير مصر.

أدب الفلاحين

تأثر الشرقاوي بحياة الفلاحين، ومثلت القرية المصرية مصدرا هاما من مصادر إلهامه، وانعكس ذلك على أولى رواياته «الأرض» عام 1954، التي تُعد أول تجسيد واقعي في الإبداع الأدبي العربي الحديث، وتحولت إلى فيلم سينمائي بنفس الاسم من إخراج يوسف شاهين في عام 1970 احتل المرتبة الثانية في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

عندما هاجم الدكتور لويس عوض كتاباته عن الفلاحين واتهمه بانه يكتب عن فلاحين يتخليهم لا كما هم في الواقع، رد الشرقاوي قائلا: الفلاحين الذين أكتب عنهم هم أهلي فأنا فلاح من المنوفية مركز شبين الكوم، وأنا على صلة بأهل قريتي ووالدي يعيش في القرية وأهلي كلهم يعيشون في القرية، الموتى والأحياء، وأنا أكتب عمن أعرفهم وعما أعرفه في حقولنا وفي قرانا، وأعتقد أن الدكتور لويس عوض لم يعرف الفلاحين كما ينبغي وربما لم يعرفهم على الإطلاق ولن يعرفهم وهو معذور طبعا بحكم عمله، فلعله لم تتح له فرصة أن يعايش الفلاحين لأنه يعيش في المدينة على الدوام، وأنا مستعد على أية حال لاستضافته في قريتي أية مدة يشاؤها شهورا أو أعواما ليتعرف على الفلاحين الذين أكتب عنهم”.

صدر له بعد ذلك رواية «قلوب خالية» 1956، ثم «الشوارع الخلفية» 1958، التي صورت الواقع الاجتماعي المصري بعد ثورة 1919، وتحولت إلى عمل سينمائي من إخراج كمال عطية عام 1974، ومسلسلين تم تقديمهما في عامي 1979 و2011، وفي عام 1967 كتب رواية «الفلاح».

وفي مجال التراجم الإسلامية، كتب عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين، الفاروق عمر، أئمة الفقه التسعة، ابن تيمية الفقيه المعذب، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء، والصديق أول الخلفاء، وآخر أعماله الشعرية «تمثال الحرية وقصائد منسية»، عام 1987.

شارك في كتابة سيناريو فيلم “الناصر صلاح الدين” عام 1963، مع يوسف السباعي ونجيب محفوظ وعز الدين ذو الفقار، كما شارك في كتابة سيناريو فيلم “الرسالة” عام 1976، مع توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار.

أزمة رسول الحرية

أثار كتابه “محمد رسول الحرية” أزمة كبيرة، واتهمه الأزهر ورجال الدين بالتجني على سيرة الرسول الموحى إليه، فقد كان منهجه في التناول القاعدة التي

أقرها الله تعالى في قرآنه الكريم: “إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي”. وركز الشرقاوي في الكتاب على شخصية النبي محمد الذي ناضل ضد قوى التخلف والطغيان لإرساء قيم العدل والمساواة.

عن تلك الأزمة يقول الشرقاوي في مقدمة كتابه: “أردت أن أصور قصة إنسان اتسع قلبه لآلام البشر ومشكلاتهم وأحلامهم، وكونت تعاليمه حضارة زاهرة أغنت وجدان العالم لقرون طويلة. إننى أدعو إلى قصة إنسان رائع البطولة، ناضل على الرغم من كل الظروف ضد القوى الغاشمة، من أجل الإخاء البشرى ومن أجل الحرية وكبرياء القلب المعذب، ومن أجل الحب والرحمة ومستقبل أفضل للناس جميعا بلا استثناء، الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون على السواء، أنه ميراثهم جميعا”.

أثار الكتاب بما يحتويه غضب الأزهر، وتمت مصادرة الكتاب، فأرسل الشرقاوى برقية إلى الرئيس جمال عبدالناصر عام 1962 يقول فيها: “لإن تضعني فى السجن الحربي أفضل من مصادرة كتابي”، فطلب عبدالناصر نسخة من الكتاب، وقرأه، وأمر بالإفراج عنه فورا، وأرسل له رسالة تهنئة وتقدير.

لم تكن المصادرة الأولى لعمل من أعمال الشرقاوي، فعندما نشرت رواية “الأرض” في جريدة “المصري” تمت مصادرتها بسبب أغنية “يا بهية وخبريني عن اللي قتل ياسين.. قتلوه السودانية من فوق ظهر الهجين”، حيث أرسل السودانيون شكوى إلى الرئيس محمد نجيب، فأمر بالقبض عليه، واستمر في الحبس ثلاثة أيام ثم أفرج عنه، وعند طبع الرواية تم استبدال كلمة السودانية بـ”السود عنيه”.

غضب السادات

في النصف الأول من الخمسينيات وبعد أن تأسست جريدة “الجمهورية”، وكان الشرقاوي أحد كتابها، كتب أنور السادات، رئيس مجلس الإدراة حينها، مقالا يحذر فيه من الشيوعية والزحف الأحمر على المنطقة، وكتب الشرقاوي يطالب بالحوار مع الدول الشيوعية، وفؤجئ السادات برد الشرقاوي وتم القبض على الأخير من قبل البوليس الحربي، ونقل إلى مكتب السادات الذي بادره قائلا: كيف ترد على ما أكتب في نفس الجريدة؟ فرد الشرقاوي: هو سيادتكم بتكتب؟، وهو ما أغضب السادات بشدة، وسيق الشرقاوي بعده إلى السجن الحربى. وفى الصباح فؤجي الشرقاوي بالسادات يحضر إليه في السجن، واصطحبه في سيارته إلى منزله في “الهرم”، وخلال تناولهما الإفطار قال له السادات: أنت نرفزتنى.. كيف لا تعرف أننى أكتب منذ ما قبل الثورة.

الرئيس الراحل أنور السادات

بعد هذا الحادث تحولت العلاقة مع الوقت إلى صداقة بين الشرقاوي والسادات، إلا أن تلك الصداقة لم تمنع السادات من عزل الشرقاوي عن رئاسة تحرير “روز اليوسف” بسبب موقف المجلة من انتفاضة 18-19 يناير 1977، والتي عرفت بانتفاضة الخبز، وكان السادات يطلق عليها “انتفاضة الحرامية”، وتبنت كل الصحف والإصدارات الحكومية موقف السادات، باستثناء “روز اليوسف” التي كان يدير تحريرها الشرقاوي وصديقه صلاح حافظ.

ترجل الفارس

بعد أن خرج الشرقاوي من “روز اليوسف” تولى منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآداب والفنون، ثم  أصبح الأمين العام لمنظمة تضامن شعوب اسيا وآفريقيا بعد وفاة يوسف السباعي، وظل فى هذا المنصب حتى رحيله فى عام 1987.

في نهاية كتاب “عبد الرحمن الشرقاوي متمردا”، وصل الدكتور مصطفى عبد الغني إلى معركة الشرقاوي الأخيرة، ويقصد بها المعركة التي دارت بين الشرقاوي ومنتقديه من رجال الدين ومنهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ موسى لاشين وغيرهما، فقد أتهم الشرقاوي بأنه لم يحترم خلفاء المسلمين وأئمتهم ونسائهم ولم يتعامل مع الأحداث الإسلامية بتوقير يليق بالسيرة وأنه حاول تفسير بعض الآيات القرآنية على هواه أو اقتطاعها من سياقها العام. وتعرض الشرقاوي لهجوم شديد واتهم بالشيوعية تارة وبالتشيع تارة أخرى، وقد رد على ذلك ردا عنيفا، حتى جمع الشيخ أحمد حسن الباقوري كلا من الشرقاوي والغزالي وعدد من الشيوخ والعلماء في مكتبه بجمعية الشبان المسلمين وحسمت القضية بإصدار بيان أوضح فيه الغزالي أنه لم يتهم الشرقاوي بالكفر، وذكر الشرقاوي أنه أراد أن يخدم الإسلام وأنه استفاد من كل نقد هادف وأنه سيحذف ما أسيئ فهمه في كتبه المطبوعة بعد ذلك.

 صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الفيديو جراف

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: