ثقافة

محمد غازي الأخرس: مستقبل العراق مرهون بترميم هويته الوطنية

“ليلة المعاطف الرئاسية” عنوان رواية أثارت جدلا كبيرا في العراق، أشعل الجدل في البداية غلاف الرواية الذي اعتبره البعض رسما كارتونيا لصورة عزة الدوري أحد أهم أركان نظام صدام حسين، وسرعان ما احتدم الجدل حول محتوى الرواية نفسه الذي رآه البعض إسقاطا على نظام الحكم في العراق منذ صدام حسين وحتى الآن.

في هذا الحوار ندخل إلى عالم تلك الرواية وصاحبها الأديب العراقي محمد غازي الأخرس، ونتعرف على رؤيته للمشهد السياسي والثقافي المشوب بالكثير من الغموض في العراق.

“ليلة المعاطف الرئاسية” إلى أي حد يمكن اعتبارها تلميحا سياسيا لنظام صدام حسين؟

الرواية ليست سياسية بشكل مباشر إنما تدور عن أجواء الحروب والموت والاعدامات والخطف والقتل، عبر رؤية كابوسية تخففها سخرية سوداء من عبث أنظمة الحكم الدكتاتورية بروح الإنسان، وعبث الصراعات الطائفية الدائرة في العراق منذ عام ٢٠٠٣. الرواية تناولت النظام السياسي السابق بوصفه رمزا لقتل الإنسان ومسخه إلى آلة عمياء للقتل. في الرواية، يدور ذلك بزمن فعلي أمده ليلة واحدة، لكنه يمتد في ذكرياته إلى ٣٠ عاما، ما يوحى بالطابع السياسي للرواية لوحة الغلاف التي عكست أجواء الرواية ومزاجها، لكن لا علاقة للأمر برموز النظام مباشرة، إنما هما جنديان عراقيان ينظران بتوجس إلى القارئ، جنديان من حقبة حرب إيران، متعبان لكنهما مستعدان للدخول في معركة جديدة.

لكن ما الرسالة الرئيسية التي تحملها الرواية؟

الرواية تدور بمحورين، الأول يمثله الأستاذ عواد الذي يبحث عن أبنائه المخطوفين الثلاثة في بغداد، ثم يموت في الطريق بعد حدوث مواجهة بين قوة أمريكية ومسلحين عراقيين. تجري الأحداث في ليلة واحدة، وينتهي البحث بعثور السائق على جثث الأبناء الثلاثة وحشرهم في السيارة مع جثة أبيهم، ومن ثم يصل إلى معسكر أمريكي غرب العاصمة. هذا المحور الواقعي يتوازى مع محور آخر فانتازي يدور حول جنرال يدعى كوكز، هذا الجنرال يختطف شابا اسمه “القارئ” ليساعده في العثور على ديوان شعر يحتوي حلا لمعادلة رياضية يمكن بواسطتها القضاء على الخوف. يصطحب كوكز الشاب إلى معسكر رهيب تجري فيه عمليات اختبار على آلاف الجثث المقطعة بغية معرفة سر خوفها، وبالتالي، يراد الوصول إلى معادلة علمية تتيح اكتشاف مصل يقضي على خوف الإنسان بغية الانتصار في الحرب العراقية الايرانية. الرواية تتبع آثار الحروب الخارجية والداخلية في شخصية الإنسان، لنقل إنه حفر سيكولوجي في الكهوف المترسبة من مخاوفنا القديمة، سواء من حروب الأنظمة الشمولية أو معارك الأنظمة الطائفية. في الأخير، سيكتشف القارئ أن المحورين متعاضدين، أحدهما يقود إلى الآخر عبر مفاجأة سردية غير متوقعة تتكشف في آخر صفحات الرواية.

هل ترى أن الرواية السياسية هي الأنسب لقراءة المشهد الراهن في العراق؟

بالتأكيد، العراق يمرّ بتحولات كبيرة وتاريخه القريب معقد ويحتاج تأويلا عميقا، وهذا الأمر لن يستطيع أن يقوم به الباحثون في العلوم الانسانية فقط. هناك حربان عدميتان مرتا، ونظام دكتاتوري حكم المجتمع ودمّره وأوصله إلى حافة التفكك. بعد ذلك، جاء احتلال أمريكي وتشكل نظام سياسي مشوّه، طائفي وفاسد. وفي المحصلة، وجدنا أنفسنا في أتون حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس وانتجت لنا شخصية خائفة مرتبكة لا تثق بالآخر. الرواية تستطيع كشف المخبوء في هذا كله، ويمكنها تتبع العلل النفسية والثقافية التي نعاني منها. لذلك الرواية السياسية مهمة جدا حاليا في العراق.

لديك كتاب صادم يحمل عنوان “السيرة والعنف الثقافي”، هل تحدثنا عنه؟

الكتاب صدر العام الماضي وأحدث بعض الجلبة بسبب موضوعه الذي هو العنف الثقافي، خصوصا أنني تناولت فيه شعراء كبار من الرواد ومن الجيل الستيني مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وحسين مردان وفاضل العزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم وعبد القادر الجنابي وسواهم. نعم، يوجد عنف ثقافي في الثقافة العربية عموما. وفي كتابي “السيرة والعنف الثقافي”، حاولت تتبع أنساق هذا العنف المتولد من نسق الفحولة عند أولئك الشعراء عبر الحفر في مذكراتهم وليس أشعارهم. لدى كلّ منهم كتاب سيرة يتشكل وفق أنساق معينة درستها بالتفصيل. السياب مثلا في “كنت شيوعيا” كان يعرض منظورا عن نفسه بوصفه فحلا ثقافيا يمارس إخصاءً لخصومه الشيوعيين. كذلك يعرض البياتي عن نفسه صورة فحل شعبي تختلط بصورة شيخ صوفي، وهكذا مرورا بنازك وأدباء حقبة الستينيات الذين صار العنف الثقافي عندهم منهجا بسبب انغماسهم بالسياسة.

الأدب العراقي يقدم أعمالا لافتة على عكس الأدب السوري رغم ظروف البلدين المتشابهة؟

لكل بلد عربي وضعه الاجتماعي، وهذا ينعكس على أدبه وفنونه. في العراق، هناك أدب حي يُنتج خصوصا في مرحلة ما بعد الحرب الطائفية. أعتقد أن تلك الحرب كانت صادمة ونبهت المثقفين إلى أنهم كانوا بعيدين نوعا ما عن نبض الناس. نبهتهم أيضا إلى حقيقة وجود خلل معين في الهوية الوطنية العراقية، وهو الذي تسبب بانجراف الأوضاع لما أصبحت عليه. لهذا شرع الأدباء في محاورة أنفسهم ومحاكمة أنساقهم الثقافية سواءٌ عبر الرواية أو الشعر أو الكتابة المقالية أو المسرح. لقد رأينا بالأحرى ما يشبه الصحوة، رافقتها عودة قوية للقراءة التي تكاسلت نوعا ما.

فترة حكم صدام حسين تبدو محورية في أعمالك، هل يعكس ذلك اهتمام بتوثيق تاريخ العراق؟

أنا لدي كتاب بعنوان “خريف المثقف في العراق” صدر عام ٢٠١١ وفيه تتبعت بالتفصيل مسيرة الثقافة العراقية من عام ١٩٩٠ الى عام ٢٠٠٨ وهو جزء من مشروع أشمل أعمل عليه يبدأ من عام ١٩٠٨، هناك “ربيع المثقف في العراق” ويستغرق الفترة من ١٩٠٨ الى ١٩٥٨، وهو منجز وبانتظار الصدور، وهناك جزء آخر عن فترة تمتد من ١٩٥٨ حتى ١٩٧٨ وهو موضوع أطروحة الدكتوراه التي أكتبها حاليا. تاريخ العراق الحديث، خصوصا منذ عام ١٩٥٨، يحتاج غربلة وحفرا لأنّ آثار ما جرى ما تزال تتفاعل حتى اليوم.

وأيضا لدي الآن ثلاثة كتب في الطريق للصدور، أحدها رواية جديدة، أما الآخران فيدوران حول الفولكلور الشعبي. أحد الكتابين عنوانه “كتاب الأحزان.. من أنخيدونا إلى فدعة” وهو يتناول فن المراثي النسوية في العراق ومصر. في العراق نسميها “نعاوي” وتكثر في الجنوب، وفي مصر تسمى “فن العديد” وتكثر عند الصعايدة، كتابي الجديد يدرس هذا الفن أنثربولوجيا وبلاغيا.

كيف ترى مستقبل العراق؟

مستقبل العراق مرهون بترميم هويته الوطنية وإعادة بنائها من جديد. نحن نعاني من ضعف هذه الهوية واستعلاء الانتماءات الفرعية عليها، وهذا الأمر ليس جديدا إنما هو نتاج سياسة دولة عمرها مائة عام، دولة بدأت بقمع واضطهاد الهويات الفرعية والأقليات فكان من الطبيعي، كردة فعل، أن تتغول هذه الهويات من الداخل ثم تنفجر مع أول فرصة سانحة وهو ما جرى بعد 2003 حين ضعفت الدولة الوطنية وتراجعت هويتها. شخصيا أرى أن العراق لن تقوم له قائمة مالم يتم ترميم هويته الوطنية وخلق توازن يحفظ للهويات الفرعية حقوقها لكنه يوقفها عند حد معين.

الوسوم

أحمد الجدي

باحث في شئون الإسلام السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق