ثقافة

محمد الأشعري: رهن الثقافة لإملاءات السياسة أساس تعثر مجتمعاتنا

الشاعر والروائي الكبير محمد الأشعري، وزير الثقافة المغربي السابق (1998-2007)، خاض غمار الثقافة والصحافة والسياسة معا مبكرا، تحمل مسؤولية اتحاد كتاب المغرب منذ 1989، وتولى مسؤوليات حزبية ونيابية وحكومية عدة، لكنه اختار أخيرا أن يعكف على مشروعه الأدبي والشعري وإسهاماته البارزة في المشهد الثقافي في المغرب وعلى الصعيد العربي عامة، نشر ديوانه الشعري الأول عام 1978 وله عشرة دوواين ومجموعة قصصية ورواية واحدة “القوس والفراشة”، حصدت جائزة البوكر العربية للرواية مناصفة للعام 2011. 

في حوارنا معه هنا يستعرض الأشعري المشهد الثقافي والسياسي العربي، وتغلبه مشاعر المرارة إزاء ما يتسم به المشهد من “جمود تاريخي”، أفضى إلى إخفاق مجتمعاتنا العربية عامة في إحداث التغيير المأمول في واقعها الراهن، لتقف عند لقطة جامدة من زمن الاستقلال السياسي وحلم الحرية واالديمقراطية والتقدم الثقافي والاقتصادي.

وهو يرى الحل في تحرر الثقافة من إملاءات السياسة، التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه حاليا، “إذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإن الثقافة هي فن المستحيل، وإهمالها يؤخر مشروع الديمقراطية والتقدم في مجتمعاتنا، ويفتح مساحات لقيم الرجعية والظلامية، التي لا يمكن مواجهتها عبر القبضة الأمنية فقط”.

وإلى نص الحوار:

خضت غمار الثقافة والسياسة معا، هل ثمة صراع بين المثقف والسياسي داخلك؟

لم أعش هذا الصراع، ولم أدخل مجال السياسة بطريقة احترافية، اقتربت من العالم السياسي من خلال مسار عشته في الحركة التقدمية في مواجهة الاستبداد، ولست نادمًا على مسئوليتى، وبقيت وفيًا لأفكاري وذاتي وقيمي.

الثقافة يجب أن تظل على مسافة مع الإكراهات السياسية المباشرة، الثقافة لها أسئلتها الخاصة ومنهجيتها ورؤيتها، فإذا كانت السياسة فن الممكن، فإن الثقاقة هى فن المستحيل، وأعتقد أن المجتمعات التى استطاعت ان تنجز قاعدة ثقافية أساسية ومستديمة، استطاعت أن تضمن للصوت الثقافي استقلالية كببرة عن المجال السياسي، استطاعت أن تكسر الإرادة الدائمة للسياسة في أن تكون موجهة  للثقافي.

ولكن كيف يتجنب المثقف الوقوع في المحظور السياسي؟

على المثقف أن يخرج من نهج التوجيه، فالتوجيه سلطة تناقض فكرة الحرية، الثقافة ترتبط بالحرية لا بالتوجيه، أتفهم أن الأوضاع في بلداننا العربية تستدعي إرساء بعض السياسات العامة في المجال الثقافي، فثمة فخاخ تاريخية يجب تداركها، كما أن ضعف البنية الثقافية في بلداننا يستدعي صياغة سياسات تدعمها، ومن يتصورون أن هذه هي مهنة السياسة مخطئون، بل هي حق الشعب باعتباره المستفيد الأول من توسيع القاعدة الثقافية في أي مجتمع.

إهمال هذا الجانب، يؤخر مشروع الديمقراطية والتقدم في مجتمعاتنا، والذين تصوروا أن يحدثوا تغييرات عميقة بالسياسة فقط، فشلوا تمامًا  ليعودوا من نقطة الصفر للبدء من جديد، إهمال هذا الجانب فتح مساحات لقيم الرجعية والظلامية والأصولية، لا يمكن مواجهة كل هذا عبر القبضة الأمنية، إذا لم تستثمر مجتمعاتنا في التعليم والثقافة سنخسر كثيرًا.

وهل انتهت مرحلة القصائد الكبرى والأحلام الكبرى؟

 أنت تصفها الآن بالأحلام الكبرى، ولكن سؤالي هل كانت هى أحلام كبرى أو قصائد كبرى؟ أشك في ذلك، لأنه لا توجد أحلام كبرى وأحلام صغرى، في ظني أن التطلعات التى تشغل شعوبنا اليوم، هى نفس تطلعاتنا فيما مضي، نحن نعيش في واقع يشيع كثيرًا من اليأس والإحباط، والناس لديهم خيبات حقيقية. لا يبدو أن هناك قوى سياسية تستطيع أن تقدم مشروع يعبد لهم الطريق للمستقبل، على العكس من المجتمعات الأوروبية، نحن نعيش لحظات واحتمالات العودة إلى الوراء، هذا مايجعلنا في حالة عدم انتظار أي شيء، لا توجد تعبيرات فنية قادرة حتى اليوم.

ما الهم الجمالي والفكري الأبرز الذي يشغل كتابات الاشعري؟

الاشتغال على اللغة، اعتبرها منجم أساسي لتوليد الدلالات، هذه اللغة تساءلني باستمرار، ولدي هاجس أساسي في الاشتغال عليها، للاقتراب من الصيغة المثلى لخلق لغتي الخاصة. في الشعر كثيرًا ما التقط التفاصيل المادية والأمكنة، أحب أن أؤلف من ذلك العوالم التي اشتغل عليها في القصيدة، أما في الرواية فأنا مشغول بالقضايا التي نعتبرها صغيرة ونمر عليها دون أن نتوقف كثيرًا، لتظهر مرة أخرى في سياقات أخرى وقد أصبحت كبيرة.

أحب أن أعود كثيرًا إلى اليقينيات التى استقرت في علاقتنا بالأشياء، وماهى الأوهام التي ساهمنا في اشاعتها. الأوهام كثيرة، وهذا لحسن حظنا، فهى طريقة ما لبناء الحياة، عندما تعيش عمرًا ما لا تستطيع أن تجزم ماهي حياتك، هل هي تلك التى انجزتها وتحققت، أم هي الأوهام الكثيرة التي حرضتك لسباق المسافات التي خضتها في حياتك.

وماذا عن تجربة السجن ومدى ألمها؟

على المستوى الشخصي، لم تعد مصدرًا للألم ولا مصدر بالشعور بالتفوق، هي جزء من حياتي أنظر إليه أحيانًا بنوع من السخرية، وأخرى استعيد بعض تفاصيله، ذلك الفضاء بقسوته وعنفه، ساهم في تأملي لكثير من الأشياء، وأتمنى أن تنتهي هذه التجربة من حياة مجتمعاتنا العربية، فلجوء الحكام اليها هونوع من الحمق.

قلت إنك تكره مايسمى بأدب السجون.. لماذا؟

الكره ليس بهذا المعنى العميق لكلمة كره، ولكن لدي نفور شخصي لما يسمي بأدب السجون. في أحيان كثيرة النصوص التى تكتب عن السجن، فيها نصوص تسير في اتجاه تسييد وتسريب واحتفاء بالألم، وهذه النصوص  ليست مشغولة بالعمل الإبداعي، بالطبع هناك استثناءات، هذا  ما يجعلني أنفر، لذا عجزت عن كتابة تجربتي في السجن بشكل مباشر، ولكن سربتها عبر كتابتي، سواء في الشعر أو الرواية، جاء ذلك بعد سنوات طويلة، وجاءت الكتابة بمنظور مختلف، لوصف مؤسسة السجن كمنظومة للقهر السياسي.

هل تحدثنا عن بدايتك مع الكتابة؟

البداية جاءت مبكرة جدًا، كنت وقتها لا أعي  تماما معنى الكتابة الأدبية بصفة دقيقة، كنت اقرأ كثيرًا واحفظ الشعر القديم، ومن ثم جاءت الكتابة استجابة لمطلب شخصي أكثر منها رغبة في أن أصير كاتبًا، لذلك يلازمني الشعور حتى اليوم أن الكتابة  تمرين ذهني، هي أيضًا تعبير عن رغبة عميقة في حوار مع الأشياء المحيطة بي والأحداث التى تفاجئني، التجربة على تواضعها الشديد هي مجرد محاولة أولية، لا تعني الكثير بالنسبة لي، ومع ذلك هي لحظة مؤسسة بيني وبين الكتابة.

أخطر ما في الكتابة أن تعبر عن ما هو ذاتي وشخصي.. أمازلت عند هذا الرأي؟

لا أظن أن كاتبًا مخلصًا للكتابة يمكن أن يتخذ له كمشروع التخلص من الذات، هي فعل قوي يحتاج منا إلى المغامرة والإخلاص، وأيضا يستدعي جهدًا استثنائيًا ليس في حدود العمل، ولكن الجهد يسبق فعل الكتابة في الفهم والحوار، وهذا أمر لا يمكن فيه أن تنسحب الذات إلى الوراء.

هل بدأت الكتابة تحت نسق أيديلوجي؟

لم أكن أعرف الأيدلوجيا ولا معناها حينما بدأت علاقتي بالكتابة، بدأت بالإحساس  بجمال اللغة، وقتها لم يكن لدي أفكار محددة، سواء فكرية أو  فلسفية.

هل تسربت تلك الأفكار عبر عالمك السردي والشعري؟

بالطبع لا يمكن لكاتب أن ينسلخ من واقعه وتجربته، الكتابة في نهاية الأمر انعكاس لواقع ما نمر به، وبما أنى من جيل السبعينيات الذي فتح عينيه على مجمل إكراهات سياسية وثقافية عشناها، رفعنا حناجرنا ضد الظلم والاستبداد الاجتماعي والتسلط السياسي، وهذا الوضع لا يمكن أن يبقى خارج الكتابة.

 لجأت إلى التاريخ في أعمالك الابداعية؟

 استخدمت التاريخ، ولكن كتبت عن الآن دون أن يمنعني ذلك أن أرجع إلى التاريخ المعاصر للمغرب، ولا أكتب الرواية وليست لدي مؤهلات كاتب الرواية التاريخية.

 هل تعتبر أن ثمة جذور مشتركة ينبت منها إبداعك على تنوعه ؟

كثير من النقاد رآوا أن قوس الفراشة، هى امتداد جنوب الروح، صحيح استخدمت ولجأت إلى التتابع السلالي لشجرة العائلة، الموجودة برواية جنوب الروح، ليس هناك أى تتابع في الأحداث أو الوقائع بين جنوب الروح، القوس والفراشة.

فكرة الإخلاص لجنس أدبي بعينه هل باتت كلاسيكية؟

فكرة الإخلاص لجنس أدبي بعينه موجودة لدينا نحن فقط كعرب، نحن فقط الكلاسيكيون، فالانتقال بين الأجناس الأدبية مسألة معروفة في كل الآداب العالمية، نحن الوحيدون المشغولون بايجاد “حرس حدود” بين الأجناس الأدبية، واعتبار المرور بين الأجناس الأدبية يستدعي الرخصة.

ماذا عن القفز من الرواية إلى الشعر والعكس؟

لدي علاقة جوهرية للشعر، واعتبره حديقتي السرية الأساسية، لا أستطيع انجاز أي شيء سواء مقال أو رواية إلا ويكون الهاجس الأساسي هو الشعر، عندما أكون منغمرًا في انجاز عمل من جنس أدبي آخر يمنحني هذا العمل أحيانا إغناء للتجربة الشعرية، وأعتقد أن التحول الأساسي للأدب العربي عمومًا هو أن فكرة وجود القصيدة فقط لم يصبح أمرا مسلما به، بل ربما تكون الإمكانات الشعرية التي توفرها الأجناس الأخرى غير الشعرية أكبر بكثير مما توفره القصيدة. ذهابي إلى الرواية لم يكن أبدًا خيانة مطلقة، لذا أعود إلى الشعر الذي لم اتخلى عنه يومًا ما، لا أخلع قبعة الشاعر عندما أكتب الرواية، أحيانًا يتصادف إنجاز ديوان شعري مع رواية، وهذا حدث معي.

هل انحياز الجوائز إلى الرواية يظلم الأجناس الإبداعية الأخرى؟

لا أؤمن أن الإعلام أوالجوائز وأدوات التواصل الحديثة، يمكن أن تسيد جنسا إبداعيا، هذه مسألة معقدة، وانتعاش كتابة الرواية في الفترة الأخيرة لا يمكن إرجاعه إلى مجرد اهتمام إعلامي بجنس الرواية، فالأرجح أن التحولات الاجتماعية والسياسية في الفترة الأخيرة لعبت دورا كبيرا في شيوع الرواية. عندما نكتب الرواية نساهم في تعديد الصيغ الممكنة للحياة، فالحياة الموجودة في الرواية هى صيغة أخرى وممكنة.

نحن عشنا عقودا طويلة للتطلع في تغيير واقع مجتمعاتنا دون أن ننجح في ذلك، هناك تساؤلات عميقة لكل من يهتم بهذا الأمر، لذا كان البحث في جذور جمود تاريخي عند لقطة جامدة من زمن الاستقلال السياسي والمشاريع المتعلقة بالحرية واالديمقراطية والتقدم الثقافي والاقتصادي، إلى راهن ما نعيشه.

لماذا نعيش في لقطة مجمدة، ومازلنا  نعيش جذورهذا الجمود التاريخي منذ حصولنا على استقلالنا السياسي؟ لاتوجد لدي أجابة قاطعة لكن هو من ضمن الأسئلة المؤرقة التي تشغلني، هذا الوضع مقلق، وهذا يثير الكتابة في البحث عن  جذور هذا الجمود.

 هل كتابة الرواية تجيب عن هذة الاسئلة؟

بالطبع الرواية تشتبك في محاولة الإجابة مع طرح أسئلتها الخاصة بها،  تستند إلى النبش في الإمكانات المؤجلة. هناك تصور كلاسيكي وقديم للرواية بأنها تقدم الحكايات، ولكن الرواية في عمقها هى تعبيرات تراجيديا، لا أعرف روايات سعيدة، ليس هناك رواية تحتفي بالأشياء الفرحة، هذا نجده فقط في المسلسلات، وأعزو أنتشار الرواية اليوم إلى نوع من التعبير عن استقرار التراجيديات في عالمنا العربي، واعتبار ذلك مسألة لوعينا وتعبيراتنا الأدبية، ولذلك سنمر إلى وقت طويل نحاول فيه تأسيس أدب جديد ينبش في هذه الأسئلة، ربما لا نوفق إلى انتاج نصوص كبيرة، لكن كل ما يجري سيؤدي حتما إلى انبثاق قيم أدبية وثقافية جديدة.

وماذا عن رهان الأشعري الأدبي؟

طالما أننا نكتب، والتطلع إلى كتابة نص أساسي وحاسم، سيظل موجودًا، هذه بالطبع مسألة ممتدة مع الزمن.

لماذا تبدو وكأنك اتخذت قرارًا بالقطيعة؟

نحن نشتغل بنفس اللغة ونفس الهواجس، ليس هناك قطيعة، هناك نوع من التجانس في القيم الجمالية والقضايا التى تشغل الناس، حتى في كتابة النصوص.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق