منوعات

نجيب محفوظ.. سنوات التكوين من الجمالية إلى العباسية (2 من 2)

تحدثنا في المقال السابق عن مؤثرات البدايات على تكوين المبدع الكبير عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، ولا شك أن أحد أهم هذه المؤثرات ترجع إلى نشأته الأولى وسط أجواء القاهرة الفاطمية وحي الجمالية التي عشق شوارعها وحواريها واستنشق أنفاس التاريخ فيها، سكنه المكان المسكون بعبق التاريخ، والزمان الذي تتصارع فيه قيم الأصالة مع محاولات التحديث.

يقول: «أمضيت في الجمالية أجمل أيام حياتي. لم يكن حبي لها مثلما هو الآن لأنها كانت شيئاً طبيعياً بالنسبة لي. كان من الطبيعي أن أفتح عيني في الصباح فأجد أمامي بيت القاضي ودرب أرمز ثم أصعد إلى سطح المنزل فأرى مئذنة جامع الحسين وأنزل إلى الشارع فأجد نفسي محاطاً من كل جانب بهذا المعمار القديم الذي يميز الحي وحين كبرت قليلاً وبدأ لديَّ الإحساس بالتاريخ كنت أشاهد أهالي الجمالية يمشون في الطريق ويتحدثون إلى بعضهم البعض ويمارسون حياتهم اليومية فكانوا يبدون وكأنهم هم أنفسهم الفاطميون أو الأيوبيون أو المماليك أو من يأتي بعدهم».

الاستقرار العائلي أدى دوراً مهماً في حياة المبدع الكبير، ما وفر له فرصة التفرغ التام للإبداع. كان البيت بالنسبة إليه هو السكينة، لم يدخله أحد من الغرباء، وظلّ سراً من الأسرار، حتى يوم الخميس 13 أكتوبر سنة ‏‏1988 يوم حصوله على «نوبل».

منذ عام 1937، كرس نجيب محفوظ نفسه للأدب، وعاش للرواية، التي رأى أنها: «أبرع فنون الأدب التي خلقها الإنسان المبدع في جميع العصور»، فانقطع للكتابة بإخلاص، وانكب على بناء مشروعه الإبداعي، فيما لم تكن الوظيفة الحكومية سوى سبيل للعيش يعينه أكثر على التفرغ للأدب، ومصدر إلهام ينهل منه أفكاراً عبر احتكاكه اليومي بالناس، فاختلط انحيازه إليهم بحبه للرواية.

انضباطه سر إنتاجه الوفير، يمكنك أن تضبط ساعتك عليه، يقول الأديب الساخر محمد عفيفي: «يستطيع جيران محفوظ أن يضبطوا ساعاتهم على مواعيد نشاطاته المختلفة، مرة في الصباح لحظة خروجه من البيت لعمله الوظيفي، ومرة في المساء لحظة إطفاء النور في حجرة مكتبه. وهو لم يكن أحد أولئك الذين يجلسون للكتابة في أية لحظة، وإنما للكتابة، مثل صلاة الجمعة، لحظة معينة محددة، لا تجوز إلا بها، كذلك يستطيع الجيران، وهذا غريب بعض الشيء، أن يضبطوا ساعاتهم على اللحظة التي ينطفئ فيها النور في حجرة مكتبه، معلناً عن انتهائه من الكتابة. فنجيب يجب أن يكف عن الكتابة في اللحظة المحددة لذلك، مهما كان لديه من أفكار جاهزة تلح عليه أن يدونها، وفي لحظة الكف هذه، يكف مهما كان من أمر تلك اللحظة، التي ربما حلت وقد انتهى من السياق، إلى حرف جر فيلقي القلم وينهض من دون أن يكتب المجرور».

كلام عفيفي عن محفوظ ليس من قبيل المبالغة، ولكنها حقيقة أكدها كثيرون ممن اقتربوا منه. فتنظيم الوقت والتخطيط لأكبر استفادة منه كانت موهبة محفوظ، عوًّد نفسه على السلوك شديد الانضباط. ويذكر «حرافيش» نجيب محفوظ وأصدقاؤه كيف أنه كان يبدأ جلسته معهم في موعد ثابت لا يتأخر ولا يتقدم، كذلك ينهيها في موعد محدد، ينظر إلى ساعته ويقول واقفاً: «يلا بينا»، فتنتهي الجلسة.

قبل أن يكون نجيب محفوظ كاتباً كبيراً بدأ قارئاً نهماً، وأدرك من اللحظة الأولى أن الكاتب الجيد قارئ جيد بالأساس، وأن القراءة هي زاد الكاتب وأحد أهم ينابيع معرفته ومصادر وعيه. كانت القراءة واحدة من متعه المفضلة، وكان أهم ما يكره من أي مرض يصيبه ويترك أثره السلبي على ممارسته اليومية لبعض أهم ركائز حياته وأهمها على الإطلاق القراءة، وحين أصاب المرض في أذنيه وأثر في قدرته على السمع كان يقول ضاحكاً: «الحمد لله، أن المرض جاءني في أذني وترك لي عيني وإلا كانت ستصبح كارثة كبيرة». كانت الكتابة إحدى متعه الكبرى، بل هي متعته التي جادت بها يد القدر عليه، وظل يردد دائماً «متعة القراءة عندي تسبق كل متع الدنيا، بما فيها متعة الكتابة ذاتها». وحين ضعف بصره مع تقدمه في العمر وتركت محاولة اغتياله أثرها في نظره وحركة يده اليمنى، فقد القدرة على النظر وفقد القدرة على الكتابة معاً، كان ينعى بصره ويقول: «حزني على فقدان قدرتي على القراءة يفوق حزني بسبب عدم قدرتي على الكتابة».

مشهد من فيلم ثرثة فوق النيل

بدأت رحلته مع القراءة والتأليف مبكراً جداً، شدته رواية بوليسية إلى القراءة، وأوصلته من صغره إلى هذا العالم الساحر من المتعة حتى صارت القراءة هي المتعة الأهم في حياته كلها. رأى الرواية مع زميل دراسته في الابتدائية وحين قرأها تملك منه شغف القراءة حتى توقف عنها لضعف بصره قبل سنوات قليلة من رحيله. ظلّ يقرأ طوال ثمانين عاماً، وكانت البداية مع هذه الرواية التي ناسبت عمره الصغير في ذلك الوقت، ربما تكون قد ساهمت في اتجاهه بعد ذلك ليكون «كبير الحكواتية»، يقول: «في أحد الأيام رأيت أحد أصدقائي واسمه يحيى صقر يقرأ كتاباً، رواية بوليسية عنوانها «ابن جونسون»، ويحيى هذا قريب لعبد الكريم صقر لاعب الكرة المشهور. سألته:

  • ما هذا؟
  • قال: إنه كتاب ممتع جدّاً…

استعرته منه، قرأته، واستمتعت به للغاية. كان ذلك ونحن طلبة في الثالثة الابتدائية، بحثت ووجدت سلسلة أخرى من الروايات بطلها الأب، كانت هذه أول روايات قرأتها في حياتي، وكان عمري نحو عشر سنوات. كنت أقرأ روايات جونسون على أنها حقائق، ولهذا كنت أبكي، أو أضحك تبعاً لتغير المواقف».

من رواية إلى رواية، من بوليسية إلى تاريخية، سارت قراءاته، ومعها بدأ التأليف، ولكنه تأليف من نوع غريب، يقول: «وأنا طالب في المرحلة الابتدائية، كنت أقرأ الرواية وأعيد كتابتها مرة أخرى، بالشخصيات نفسها مع تعديلات بسيطة، ثم أكتب على الغلاف، تأليف: نجيب محفوظ، وأختار اسماً لناشر وهمي. أعدت كتابة روايات لسير رايدر هاجارد، لتشارلي جارفس، وكان التأليف دائماً في الإجازات. هكذا بدأت كتابتي للرواية. طبعاً مع ملاحظة الإضافات التي أضيفها من حياتي من علاقاتي ومشاكلي مع الأصدقاء».

يضحك لهذه المصادفة ويقول: «الحمد لله، الكتاب الأول الذي شدني إلى القراءة كان رواية، ولم يكن كتاباً في علم الحشرات وإلا ربما تشكل مستقبلي بطريقة أخرى».

ثم في المرحلة الثانوية كان لقاؤه الأول مع المنفلوطي فانبهر به وبأسلوبه وبسببه قرر الاتجاه إلى القسم الأدبي، وانتقل من المنفلوطي إلى المجددين والمفكرين الذين كانوا يحظون بالاحترام في تلك الفترة، طه حسين، العقاد، وغيرهما. يقول: «أما الأدب فقد اعتبرته هواية جانبية، ثم قرأت كتاب «تاريخ الأدب» الذي ساعدني في اختيار قراءاتي الأدبية، وأرشدني إلى الأعمال المتميزة لكل كاتب».

يتابع: «قرأت «الحرب والسلام» لتولستوي، وأعتبرها أعظم رواية كتبت على الإطلاق، و«الجريمة والعقاب» لدستويفسكي. قرأت في القصة القصيرة لتشيكوف، وموباسان، وكافكا، وقرأت بروست، وجويس، وأحببت في شكسبير سخريته، ونشأت بيني وبينه صداقة حميمة وكأنه صديق. كذلك أحببت يوجين أونيل، وإبسن، وستريدنبرغ، وغيرهم ولم أتأثر بكاتب واحد، بل أسهم هؤلاء كلهم في تكويني الأدبي. وعندما كتبت لم أكن واقعاً تحت تأثير أحدهم، لكنني عندما بدأت الكتابة كنت أطرح هذا كله، وأنهج منهجاً واقعيّاً».

نجيب محفوظ في حوار مع التليفزيون المصري  عن حياته وشغفه بالكتابة

كان في البداية يعتقد أن الأدب نشاط سري، يسلي نفسي به، يقول: «ثم استفحل الأمر كالداء، بعد حصولي على الليسانس، بدأ الصراع بين الفلسفة والأدب، وكنت في السنة الأخيرة لدراستي أدركت ميلي الحاد إلى الأدب، أردت التخصص في الأدب إلى جانب الفلسفة، وقعت فريسة لصراع حاد. كل ليلة أتساءل: فلسفة أم أدب؟ كان صراعاً حاداً لا يمكن أن يتصوره إلا من عاش فيه، وكان عليَّ أن أقرر شيئاً أو أن أجن، ومرة واحدة قامت في ذهني مظاهرة من أبطال «أهل الكهف» الذين رسمهم توفيق الحكيم، و«البوسطجي» الذي رسمه يحيى حقي، والفلاح الصغير الذي لا يعرف من الدنيا أبعد من حدود الغاب المنتصبة على حافة الترعة في رواية «الأيام» لطه حسين، وأشخاص من أبطال قصص محمود تيمور. كلهم كانوا يسيرون في مظاهرة واحدة، وقررت أن أهجر الفلسفة وأن أسير معهم.. استمر ذلك حتى سنة 1936، حسمت الحيرة المعذبة لمصلحة الأدب، وهنا شعرت براحة عميقة».

كرس نفسه للأدب، وعاش للرواية، التي رأى أنها: «أبرع فنون الأدب التي خلقها الإنسان المبدع في جميع العصور». حتى الزواج الذي هو إحدى سنن الحياة البشرية ظلّ يخشى من أن يؤثر بالسلب في مشروع حياته الأصلي. اعتقد أنه سيكون عائقاً أمام العمل الأدبي، ولم يتعجل الزواج حتى تجاوز الأربعين، وحتى لا يربك حياته في مسؤوليات صعبة. وحين اختار شريكة حياته الزوجية اختارها على مقياس واحد، أن تدرك أن قانون حياته الذي يحكمه ويتحكم فيه هو الأدب ولا شيء غيره.

مسار يبدو طبيعياً لمصري ولد في أوائل القرن العشرين ومات في أوائل القرن الواحد والعشرين، بدأ مع التحاقه بـ «الكُتَّاب» حيث تعلم فيه القراءة والكتابة، وحفظ فيه ما تيسر له من سور «القرآن الكريم»، ثم تدرج في التعليم، حتى حصل على ليسانس الفلسفة سنة 1934، وكان ترتيبه الثاني على الدفعة، ومنذ البداية عمل موظفاً لدى الحكومة، وترقى في مراتب الوظيفة الحكومية حتى أحيل إلى المعاش سنة 1971.

عشرات الآلاف، وربما الملايين، ساروا على الدرب نفسه، بعضهم تخرج في الكلية نفسها، والبعض الآخر من كليات أخرى، وعملوا جميعاً في دواوين الحكومة حيث كانت للوظيفة قيمة، وتعطي الأمان والاستقرار والمكانة والاحترام، ثم انقضت مهمتهم ومدتهم فخرجوا جميعاً إلى المعاش.

هي دورة حياة مصرية تقليدية تكررت كأنها ساقية مربوط فيها الناس يدورون حولها حتى يأتي يوم يسلمون فيه الدور إلى القادمين من خلفهم أجيالاً وراء أجيال.

لكنه كان نسيجَ وحده…

جعل حياته العادية التي تشبه حياة كل الناس، مجرد هامش طويل على متن حياته التي اختارها بوعي، وعن سابق تصميم وإصرار، حيث الحياة في الأدب، وحيث المعيشة في كنف الرواية، يقول: «أتعلم ما الذي جعلني أستمر ولا أيأس؟ اعتبرت الأدب حياة، لا مهنة، حصرت اهتمامي في الإنتاج الأدبي نفسه وليس بما وراءه، فكنت أكتب، وأكتب، لا لأجل أن ألفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت أكتب وأنا معتقد أنني سأظل على هذه الحال دائماً وأبداً»، وبعد فوزه بنوبل قال: «… الأمر الذي أعتز به أنني كنت مخلصاً لعملي ومحباً له».

شاءت الأقدار أن يشيع في جنازتين، واحدة رسمية حضرها الرئيس الأسبق حسني مبارك وخرجت من مسجد «آل رشدان» بضاحية مدينة نصر، والثانية بعدما انتهت الجنازة الأولى مباشرة، ولكنها كانت شعبية انطلقت من حي الحسين الذي عاش فيه طفولته الأولى، وخرج جثمانه من «مسجد الحسين» الذي ظل وجوده القوي متأججاً في وجدانه حتى اللحظة الأخيرة، وكانت وصيته أن يشيع منه إلى مثواه الأخير.

جنازة نجيب محفوظ

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: