ثقافة

نجيب محفوظ في مرآة النقد الواقعي

لم يبالغ لويس عوض حين قال: “لم أجد أديبا شغل الدنيا وشغل النقاد بقدر ما شغلهم نجيب محفوظ”.

لويس عوض

هذا الانشغال الدائم من قبل النقاد على اختلاف اتجاهاتهم يرجع في تصوري إلى عدة أسباب منها غزارة المادة الروائية التي أبدعها محفوظ على فترات متقاربة على مدار رحلته الإبداعية، وتنوع هذا الإنتاج وتحوله من مرحلة إلى أخرى، بدءا بالمرحلة التاريخية: كفاح طيبة، عبث الأقدار، رادوبيس، والتي حملت اسقاطا سياسيا على فترة الحكم الملكي ومظاهر الفساد والاستبداد في تلك الحقبة، ثم المرحلة الثانية التي اتفق النقاد على وصفها بالمرحلة الواقعية، وكانت الثلاثية أشهر روايات هذه المرحلة، وهي روايات تعكس الواقع بطرائق الفن الروائى إلى الدرجة التي يمكن القول فيها إننا لا نستطيع فهم تاريخ مصر الحقيقي المسكوت عنه إلا بقراءة نجيب محفوظ.

بعد قيام ثورة يوليو 1952توقف محفوظ سبع سنوات، وكان يجيب عن سبب هذا التوقف بأن الثورة قد حققت ماكان ينادي به ولم يعد لديه ما يكتبه، واتجه بالفعل إلى كتابة السيناريو الذي دربه عليه المخرج صلاح أبو سيف، ثم جاءت روايته الإشكالية “أولاد حارتنا” التي نشرت كاملة في “الأهرام” على حلقات، قبل أن يمنع نشرها في مصر. بعدها توالت الأعمال التي يمكن وصفها بالواقعية الجديدة مثل: ثرثرة فوق النيل، والسمان والخريف، والروايات التي تحمل طابعا وجوديا مثل: الطريق، والشحاذ، ثم عودته مرة أخرى إلى التاريخ بتقنيات مختلفة كما في “ليالي ألف ليلة”.

وقد واكب هذا التنوع  الإبداعي الكبير تنوع الاتجاهات النقدية التي تناولت هذا الكم الهائل من الروايات، عبر مقاربات اجتماعية ونفسية وبنيوية وتفكيكية وثقافية، ولعلي لا أكون مبالغا إذا قلت إن اتجاه النقد الاجتماعي هو أكثر الاتجاهات درسا لأعمال نجيب محفوظ، وكان سلامة موسى –أحد رواد هذا الاتجاه– هو أول من بشر بموهبة محفوظ ونشر أعماله الأولى وأثر عليه فكريا تأثيرا بالغا.

سلامة موسى

كان سلامة موسى يبشر بالاشتراكية الفابية ويبدو أن محفوظ كان متأثرا في ذلك الوقت بهذه الأفكار حيث يقول: “لو أردنا أن نتنبأ بالمذهب الذي سوف يكون له الفوز من بين المذاهب لقلنا –أو لأحببنا أن نقول– بأنه مذهب الاشتراكية”. لكن قارئ محفوظ لا يلحظ اهتمامه فحسب بنموذج الشخصية الاشتراكية، بل نجد العديد من النماذج التي تضم الإسلامي والوفدي والناصري في جدل مبدع، ولعل “ميرامار” أكثر الروايات تناولا لهذه النماذج.

نجيب محفوظ إذن ينطلق من رؤية سياسية واجتماعية وفكرية بأثر من دراسته للفلسفة التي كان ينوي استمرار دراساته العليا بها. البحث في كل هذه القضايا كان ضالة النقاد الاجتماعيين، ويمكن أن أشير في هذا السياق إلى بعض الكتب المنتمية لهذا الاتجاه،  ومنها على سبيل المثال: “الرؤية والأداة في روايات نجيب محفوظ” لعبد المحسن طه بدر، “المنتمي.. دراسة في أدب نجيب محفوظ” لغالي شكري، “تأملات في عالم نجيب محفوظ” لمحمود أمين العالم، “مشكلات الطبقة الوسطى المصرية في قصص نجيب محفوظ” لعاطف فضول، “مع نجيب محفوظ” لمحمد أحمد عطية. وقد قدم الناقد محمد مرينى رؤيته لبعض هذه الكتب في دراسة له بعنوان “نجيب محفوظ والنقد الأدبي الحديث”، وهذا ماسوف أحاول مناقشته في السطور التالية:

“المنتمي.. دراسة في أدب نجيب محفوظ” لغالي شكري، صدر هذا الكتاب عام 1964في ظل هيمنة شعارات “الأدب للمجتمع” و”الأدب للحياة” الذي أشاعه لويس عوض مع صعود المشروع القومي الاشتراكي، وكانت مصطلحات المنتمي والثوري والتقدمي من المصطلحات الرائجة في هذه الفترة، ما دفع غالي شكري بذكائه الصحفي إلى اختيار تيمة المنتمي لكي يبحث عنها في روايات محفوظ كما فعل في كتابه عن سلامة موسى، فهو يختار قضية ما عند كاتب أو عدة كتاب لكي يناقشها كما في كتابيه “أزمة الجنس في القصة العربية” و”أدب المقاومة”، ومن هنا جاز لمحمد مريني أن يصف منهجه بالمنهج الموضوعاتي فهو يبني مفهومه للانتماء على مجموعة من القيم التي هي في النهاية قيم الاشتراكية التي يؤمن بها وتنعكس على رؤيته للشخصيات والزمن المحكوم بحتمية التطور التاريخي، وهكذا تبدو الرواية عنده – كما يقول مريني– كأنها “مستودع للتصورات الأيديولوجية”، ما يدفعه إلى البحث في سيرة المبدع ومحاولة الربط بينه وبين أحد الشخصيات، حيث ذهب إلى تماهي نجيب محفوظ مع شخصية  كمال عبد الجواد، مع البحث في التكوين الطبقي لمحفوظ وما كتبه من مقالات.

غالي شكري

“تأملات في عالم نجيب محفوظ” لمحمود أمين العالم، أبدى العالم ورفيقه عبد العظيم أنيس في كتابهما “في الثقافة المصرية” حماسا كبيرا للدور الاجتماعي والسياسي  للأدب وضرورة الالتزام بقضايا الوطن إلى درجة وصف نجيب محفوظ بأنه “كاتب البرجوازية” باعتبارها أمرا سلبيا يعوقه عن تصوير الطبقات الاجتماعية الصاعدة وفضل عليه كتابا أقل موهبة، ورغم هذا فقد ألح العالم كثيرا على ضرورة مراعاة البناء الفني وأكد أن الأدب يعكس الواقع بصورة مجازية لا انعكاسا آليا. والحقيقة أن هذا الكتاب قد تجاوز البدايات المتحمسة التي رفض فيها محمود أمين العالم كلا من نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والمازني وإحسان عبد القدوس وأدونيس لأسباب سياسية لا أدبية وهي مرحلة لم تستمر طويلا، حيث أصبح بعدها يهتم بضرورة التوازن بين الأدب والسياسة، حين يقول مثلا: “لا يكون الأدب واقعيا لمجرد أنه يشيد بالثورة الاجتماعية وإنما المهم أن يكون فنانا أو أديبا خالقا وأن تنبع أفكاره وأحكامه ومواقفه من صميم بنائه الفني والأدبي”، وعلى هذا الأساس يشير إلى بعض الجوانب الفنية مثل توظيف محفوظ لتقنية المفارقة واللوحات الفنية وترميز بعض الشخصيات.

محمود أمين العالم

“مع نجيب محفوظ ” لأحمد محمد عطية، هذا الكتاب أكثر الكتب حماسا للنقد الاجتماعي والفكر الاشتراكي وأكثرها استخداما لقاموس هذا الفكر مثل: التقدمي، الرجعي، الثوري، المتمرد، كما يتضح أيضا من عناوين فصول الكتاب، وهي: أزمة البطل الثوري في أدب نجيب محفوظ، نجيب محفوظ وثورة 1919، نجيب محفوظ وطريق الثورة، محفوظ بين الواقع الاجتماعي والحرب الاستعمارية، نجيب محفوظ بين الفن والسياسة، وهي عناوين بعيدة عن معالجة البناء الروائي ومقاربة عناصره مثل الزمان والمكان والشخصيات وموقع الراوي، بل نجد تكييفا للنص المدروس طبقا للرؤية الأيديولوجية وتحليل الشخصية بناء على موقفها السياسي وبهذا تختفي الطبيعة التخييلية للشخصيات وتبدو كأنها شخصية حقيقية في الواقع، ما يتنافى مع طبيعة الفن عموما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: