مختارات

يحيى حقي «المنسي»

مرت الذكرى السادسة والعشرون على رحيل الكاتب يحيى حقى دون حس أو خبر، وباستثناء فيلم وثائقى بثته القناة الاولى على موقعها الالكترونى لم اجد خبرا واحدا يشير إلى سعى مؤسسة ثقافية واحدة سواء كانت خاصة أو عامة للاحتفال بالرجل عالى القيمة رفيع المقام.

حار معاصرو حقى فى وصف أفعاله النورانية التى يصعب ان تصدر عن انسان عاش قلقا فريدا قبل ان يبلغ ما بلغه من زهد واستغناء تعفف به عن أى شىء سوى الكتابة، فلأجلها عاش وترك فيضا صوفيا غمر به كل من مستهم كراماته.

وأحمد الله أننى رأيته لمرة وحيدة قبل 28 عاما فى ندوة اقامتها الجامعة الامريكية فى موسمها الثقافى الذى كان يشرف عليه الشاعر الراحل فاروق شوشة الذى يحفظ له موقع (يوتيوب) حوارا نادرا اجراه مع حقى على امتداد حلقتين هما وثيقتا متعة خالصة كاشفة عن نمط نادر من انماط الامتاع والمؤانسة أو قل إنها جلسة «أنس» أو «قعدة صفاء» جمعت أستاذا وتلميذا ساعة عصارى فى بلكونة تشرف على العالم وتتأمله برضا ولم ينقطع عنها النسيم ولا الفيض الحافل بـ«عطر الاحباب».

رأيت يحيى حقى وجها لوجه وغرقت فى عالمه ساعيا للاحاطة به ما أمكننى ذلك، سحرتنى طريقته فى الحديث انسابت كلماته بعذوبة نهر وتدفقت دون اندفاع أو أى شىء من الغشم، فوراء كل عبارة بصيرة وخلف كل حكم شىء من الايمان.

وأكثر ما لفتنى فى كتاباته وأنا حسن الحظ لأنى اقتنيها جميعا امتلاكه للغة فريدة وعصرية فيها الكثير من الاختزال والتكثيف إلى جانب اقتصاد لغوى فذ غنى بالتراكيب التى تمزج الفصحى المرتاحة بالعامية الخصبة التى تفيض بالمجاز الذى انتجته قريحة المصريين وأغرم به الراحل وانتسب اليه ضاربا جذوره داخل الثقافة الشعبية التى انصفها هى ومبدعيها قبل أن تظهر كل نظريات النقد الثقافى.

اهتدى حقى لمواضع الجمال بفضل بصيرته ورغم قامته القصيرة كانت روحه تقفز به أعلى من الجميع وتتيح له النظر لما هو ابعد باستبصار نادر.

لست متطرفا فى حكمى وأنا أقول: من لم يقرأ يحيى حقى خسر نصف الجمال الكامن فى الادب المصرى المعاصر، وفاته النظر لمقام واضع حجر الاساس وصاحب البذرة التى أنبتت تلك الشجرة التى نستظل بها بحثا عن جملة حلوة تسعد القلب.

رجل جدير بنا ان نسميه «الاب الروحى» وأن نعامله مثل ولى من الاولياء الصالحين الذين يتجلى حضورهم فى كل نص نشهق ونحن نقرأه بكلمة «الله».

يحضر صاحب «كناسة الدكان» فى كل سعى حداثى لإقرار قيمة التجاور بين الفنون فقد كان وقف ضد الاسوار التى تحول دون الحوار بين المبدعين فى مختلف المجالات مؤمنا بأن كل فن يعطى للفنون الأخرى الحلول التى أنجزها لينهى أزمة أصحابها فى التعبير.

ولم يترك مجالا لم يكتب فيه أو يؤسس له، وهو المولع بفتح السكك وبناء الجسور والاشارة إلى الطريق ولو بالمعنى الصوفى.

فبطريقته فى الحياة صاغ خبرته الانسانية فى وصفة أو جملة لم ينقصها التواضع وتركها لنرجع لها متى كان الباحث أو السائل ساعيا لإدراك السر والبحث عن المعنى.

نقلا عن موقع الشروق

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: