فن

The Happy Prince.. أيام أوسكار وايلد الأخيرة

ما الذي يدفع الفرد إلى فقدان الشغف؟ وكيف يمكن أن يدفعك ضعف ثقة الآخرين في قدراتك إلى أن تفقد الثقة في ذاتك؟ هل البؤس قرين الإبداع دائما؟ هل يحق للمبدع أن يكون مختلفا مع تقاليد مجتمعه؟..

فيلم “The Happy Prince” يسعى للبحث عن إجابات لتلك الأسئلة عبر تسليط الضوء على حياة النخبة في المجتمع الإنجليزي والأوربي في نهاية القرن التاسع عشر الذي شهد السنوات الأخيرة للكاتب الشهير أوسكار وايلد.

عنوان الفيلم هو قصة شهيرة كتبها وايلد للأطفال تحكي عن تمثال الأمير الذي يحاول مساعدة فقراء مدينته بمساعدة طائر سنونو صغير، القصة نفسها تحمل تناقضا مع عنوانها فهي تحتوي على كم لا بأس به من التراجيديا، وكذلك الفيلم.

يركز الفيلم على المأساة الشخصية لوايلد في سنواته الأخيرة بعد مروره بفترة السجن وهي مرحلة انحداره الفني، مع إبراز التناقضات الإنسانية لوايلد بشكل أساسي والمحيطين به بشكل فرعي.

الفيلم بطولة روبرت إيفيرت، وهو تجربته الأولى في الإخراج والتأليف، ويشاركه كولن مورجان، وإيملي واتسون، وإدوين توماس الفيلم إنتاج مشترك بريطاني إيطالي بلجيكي ألماني. يبدأ الفيلم بشخصية أوسكار “روبرت إيفيرت” التي تحكى قصة الأمير السعيد إلى أطفاله، ولكن ذلك لم يكن سوى حلم راود أوسكار وايلد وهو يجلس في إحدى مقاهي باريس بلا أموال.

الفيلم ينقلنا إلى أجواء المجتمع البريطاني في العصر الفيكتوري، دون الاستغراق في مشاهد إبهار غير مبررة، ودون أي تشتيت عن بطل القصة الحقيقي. استطاع إيفريت تقديم التناقضات التي عانى منها وايلد بشكل مبهر وسلس، يجذب التعاطف مع وايلد “الإنسان” في مواجهة ما عاناه حتى لو كانت المعاناة بسبب قرارات حمقاء أو بسبب رغبته الدائمة في كسر التقاليد الفيكتورية التي كان يمقتها حينا ويستفيد منها أحيان أخرى.

طوال أحداث الفيلم يستخدم إيفيرت ككاتب ومخرج تقنية الفلاش باك والتنقل الزمني، لخلق العالم الذي سبق دخول وايلد السجن وبعد خروجه، مستلهما العديد من أشعار وايلد دون إخلال بالخط الدرامي المرتبط عن طريق قصة “الأمير السعيد” طوال الأحداث.

الحدث الواقعي الأبرز في حياة وايلد هو المدخل لأحداث الفيلم، فأوسكار وايلد عرف بميوله الجنسية المثلية في ذروة تشديد الحظر الفيكتوري على مثل ذلك السلوك، ما ساقه إلى السجن لدة عامين بتهمة “ارتكاب الفاحشة”، وسط صيحات جماهير كانت قبل أشهر قليلة تحيطه بحبها لما يقدم من أعمال.

من أبرز أحداث الفيلم تذكر وايلد لجلسة محاكمته عام 1895 والتي مزج فيها المخرج بين صوت القاضي وهو يقرأ حيثيات الحكم، مع وقوف وايلد على خشبة مسرح ما خلال سنوات الازدهار وسط الجماهير.

يخرج وايلد من السجن محطما تماما، خاصة مع علمه رغبة زوجته في عدم رؤيته مرة أخرى وحرمانه من رؤية أولاده، وهو ما تحقق بالفعل منذ خروجه من السجن وحتى وفاته.

يجد في انتظاره صديقه الأقرب ومساعدة الأدبي روبي روس” إدوين توماس” ويذهب معه إلى باريس حيث أن البقاء في لندن أصبح شبه مستحيل، متخذا اسما مستعارا هو  سبستيان ميلموث، تأثير توماس في حياة وايلد يبدو هامشيا في أحداث الفيلم رغم ما ربط بينهما من علاقة عاطفية بشكل أو بأخر، وربما كان المبرر هو التركيز على بقاء وايلد مخلصا لصدقاته سواء في سنوات الازدهار أو الانحدار.

السبب الرئيسي لمأساة وايلد كانت علاقته مع بوزي (كولن مورجان)، وأسمه الحقيقي هو ألفريد دوجلاس أبن ماركيز كوينزبري، وبإلحاح من بوزي يدخل وايلد في صدام مع الماركيز ينهي بحبسه، ورغم ذلك نجد أن وايلد يعاود الاتصال بالشاب المستهتر الذي ظل وايلد مفتونا به حتى وفاته، كولن مورجان قدم الشخصية بشكل مبهر، مجسدا ببراعة كيف كان ذلك الشاب يستغل الكاتب الشهير عاطفيا.

على كل حال يقرر وايلد التخلي عن العالم من اجل صديقة المدلل والعيش معا في نابولي حتى يقرر بوزي الانفصال بعد ضغط عائلته عليه، ليجد وايلد نفسه وحيدا.

أحد أبرز مشاهد الفيلم أثناء نقل وايلد من سجن إلى آخر وتجمع أفراد من الشعب حوله والصياح في وجهه والبصق عليه، وهو المشهد الذي علق بمخيلة وايلد حتى فراش الموت باعتبارها المرة التي فقد فيها التواصل من الرب رغم مشاعر التدين الكامنة في قرارة نفسه كما يظهر في أحداث الفيلم، خاصة بعد خروجه من السجن.

ينتهي الفيلم بوفاة وايلد عام 1900 متأثرا بالتهاب السحايا بسبب ثقب في طبلة الأذن أصابه أثناء فترة السجن، ويتصدى للدفاع عنه وتبرئة سمعته ونشر أعماله صديقة المقرب روبي روس، وتشير نهاية الفيلم إلى أنه في عام 2017 تم تبرئة أسمه وأخرين من التهم التي وجهت إليهم طبقا للقوانين القديمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق