فن

«الوحوش المذهلة».. إبهار لم يفلح في تجاوز عقدة «هاري بوتر»

شهد العام 2011 إسدال الستار على سلسلة أفلام “هاري بوتر” الأسطورية، بإنتاج الفيلم الثامن والأخير من هذه السلسلة التي تربعت على عرش الروايات الأعلى مبيعا والأفلام الأكثر مشاهدة على مدى عشر سنوات كاملة منذ إطلاق الفيلم الأول منها في عام 2001. وعلى مدى السنوات الست التالية ظلت السوق متعطشة لجديد إبداع كاتبة السلسلة الروائية البريطانية  “جي كي رولينغ”، حتى أطلقت سلسلة رواياتها الجديدة تحت عنوان “الوحوش المذهلة”، واستقبلت دور العرض السينمائي الجزء الأول منها في عام 2016.

الرواية الجديدة تدور أحداثها قبل 70 عاما من زمن أحداث رواية “هاري بوتر”، وحمل الجزء الأول منها عنوان “الوحوش المذهلة.. أين تجدها”، وتلاه الجزء الثاني تحت عنوان “الوحوش المذهلة.. جرائم جريندلواد” الذي بدأ عرضه قبل أسابيع في دور العرض العالمية، وفقا لما سبق أن أعلنته الشركة المنتجة عن إنتاج فيلم جديد كل عامين من السلسلة الجديدة التي تتضمن 5 أفلام.

لكن يبقى التساؤل قائما لدى عاشقي روايات رولينغ وعوالمها الساحرة: هل تنجح الكاتبة مجددا في إحياء الملحمة السحرية التي حظت بملايين المعجبين حول العالم؟

جي كي رولينغ

مشاعر متباينة

حظي الفيلم – ظاهريًا – بكل مقومات النجاح، فالمؤلفة غنية عن التعريف ولا  مجال للشك في امتلاكها المقدرة على الكتابة المبدعة لتلك النوعية من الروايات، كما حظي الفيلم بطاقم تمثيل متميز بوجود إيدي ريدماين في دور البطولة تشاركه كاثرين ووترستون، وجود لو، والمتمكن جوني ديب، فضلا عن إمكانات المخرج المبهر دايفيد ييتس، ومع ذلك فإن الفيلم تجاوز بالكاد نسبة 50% من تقييمات الجمهور، و38% من إعجاب النقاد على موقع “روتن توميتوز” الشهير.

آراء المشاهدين والنقاد على حد سواء انقسمت حول الفيلم، فالبعض كان متعطشًا لعودة أجواء مدرسة “هوجوارتس” السحرية مرة أخرى، وبالفعل وجد ضالته في السلسلة الجديدة التي احتوت على التوليفة نفسها تقريبًا، في حين غلب الإحباط البعض الآخر الذي لم تنجح “الوحوش المذهلة” في إبهاره بنفس القدر الذي تحقق مع سلسلة “هاري بوتر”. وبقدر ما استفادت السلسلة الجديدة من جماهير “هاري بوتر” وشعبيته الجارفة، بقدر ما لحق بها الضرر من ارتفاع سقف توقعات الجمهور وإصراره على المقارنة بين الروايتين، وهو ما لم يكن في صالح الأخيرة، التي بدت لعاشقي إبهار عالم “هاري بوتر” عادية أو حتى أقل من العادية. المفارقة هنا أن المقارنة تتم بين رواية جديدة تبدأ بالكاد في تعريف الجمهور بعوالمها الغامضة فيما بلغت الرواية السابقة ذروة حبكتها مع اكتمال أجزائها الثمانية.

حبكات متداخلة

أحداث الفيلم الجديد تدور حول هروب جريندلواد الشرير من قبضة مجلس السحرة الأمريكي مرة أخرى، ما يدفع معلم السحر دامبلدور أن يطلب المساعدة من تلميذه نيوت سكماندر لإيقاف خطط جريندلواد في إنهاء سيطرة السحرة الأنقياء على العالم.

لم يعمل الفيلم على حبكة واحدة متماسكة، وسعى إلى إغراق المشاهد بالعديد من الحبكات الرئيسية أو الفرعية، ما جعله يتوه في بعض الأحيان ويبدو ربط الأحداث ببعضها البعض مهمة شاقة، خاصة مع تسارع الأحداث المتلاحقة على نحو غير مبرر في كثير من الأحيان، كما لم يتم توظيف السحر بالشكل المبهر والمتقن المعتاد.

سعت الكاتبة إلى التركيز على تشويق المشاهد بصورة جنحت إلى المبالغة، كي يظل متحفزًا لحل شفرة الفيلم عبر تتابع الأحداث، إلا أن الفيلم ينتهي والعديد من الأمور لا تزال غامضة وغير مفهومة، وربما كان هذا مقصودًا، باعتبار الفيلم جزءًا من أحجية يكتمل حلها في الجزء الأخير، إلا أن هذا التكنيك له أيضا عواقبه، حيث سيضطر الجمهور لانتظار عامين كاملين أملًأ في جمع قطع اللغز المفقودة.

لم يمنع ذلك إعجاب جانب من المشاهدين بفكرة الحبكات المتداخلة، خاصة مع تجسيد علاقات الأخوة بشكل متنوع، والصراع الأبدي ما بين الخير والشر، إضافة إلى فنتازيا عالم السحرة السري التي تتلهف الجماهير على متابعته، فضلًا عن تكرار أسماء شخصيات “هاري بوتر” وخلق جو مألوف بشكل عام لمتابعي كتابات “رولينج” الشهيرة، وكأنهم عادوا إلى أحضان وطنهم الدافئة مرة أخرى.

غموض الشخصيات

بدت شخصيات الفيلم متعددة بشكل زائد عن الحد، ما أدى إلى عدم تطوير كل منها بشكل كاف، ورغم أهمية شخصية “دامبلدور” – على سبيل المثال – إلا أنها لم تأخذ مساحتها الكافية، كما كانت هناك بعض الشخصيات عديمة الفائدة سواء بالنسبة للأحداث أو تأثيرها في الشخصيات الأخرى، فضلًا عن بعض التصرفات الساذجة وغير المبررة من بعض الشخصيات.

لم يتم توزيع الاهتمام على الشخصيات الرئيسية بشكل متناسب، وتم تقديم العديد من الشخصيات الجديدة دون تفسير واضح من خلال الأحداث، حيث تظهر شخصية وسرعان ما تختفي دون تبرير مفهوم في الحالتين، وربما عمدت المؤلفة إلى ذلك لتقديم الشخصيات إلى الجمهور في الأجزاء الأولى من الرواية الجديدة على أن يتضح دورهم الحقيقي لاحقًا، ولكن ذلك لم يشفع لوقوع المشاهد في تلك الفوضى.

الإخراج والمؤثرات البصرية

جاء عرض الفيلم بالتقنية ثلاثية الأبعاد مبهرًا على المستوى البصري، فالإخراج والملابس والمؤثرات البصرية والجو العام الذي نقله الفيلم بدا ممتعًا، ما عوض الثغرات في الحبكة والشخصيات، التي أبدى المشاهد قدرا من التسامح معها من أجل الاستمتاع بنوستالجيا بصرية متقنة لعالمه المفضل.

بشكل عام لا يبدو الفيلم أفضل ما قدمته “رولينج”، خاصة عند مقارنته بأعمالها الاستثنائية السابقة، ولكنه أشبه ما يكون بمحطة انتقالية لتعريف المشاهد ببعض الشخصيات الجديدة وتحديد الإطار العام للأحداث، مع ترك الأحداث الفعلية والمؤثرة للأجزاء القادمة، وربما كان هذا ما تسبب في إحباط العديد من الجمهور.

رغم ذلك لا تزال الفرصة سانحة لعكس ذلك الانطباع في الجزء القادم عام 2020، فحكايات “رولينج” تظل تحتفظ ببريقها وقدرتها على جذب الجماهير إلى شباك التذاكر بمجرد رؤية اسمها. بدا ذلك واضحا من إيرادات الفيلم الذي حصد حتى الآن ما يزيد على 500 مليون دولار، ورغم ضخامة الرقم إلا أنه يعكس تراجعا طفيفا في حجم الإيرادات مقارنة بالأفلام السابقة، ما يتطلب من صناع الفيلم ابتكار سيناريوهات تنطوي على عناصر جذب أعلى وسحر أكثر، وهو ما تتطلع إليه الجماهير بلهفة من الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق