رؤى

الوهابية المرتبكة (1).. تحدي السلفية المحتسبة

يشير عنوان “السلفية المحتسبة” إلى جماعة جهيمان العتيبي الذين احتلوا الحرم المكي في مطلع العام 1440هـ، معتبرين أن النظام السعودي لا يعبر عن الإسلام الصحيح وأن الدولة السعودية هي دولة تأسست علي الظلم والغبن. لم ينس جهيمان ما سمعه عن أبيه وجده وتشربه من بعدهم عن أن الدولة غدرت بسلطان الدويش (كانوا يُطلقون عليه سلطان الدين)، وأن من قاتلتهم في معركة السبلة كانوا أكثر التزاما بالإسلام ومبادئه من مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز بن سعود، وأن من ناصره من علماء تحولوا إلي أرستقراطية دينية مغلقة قادمة من الهلال النجدي لا تُعبر عن الفكر السلفي.

يقول ناصر الحزيمي في كتابه “أيام مع جهيمان”: كنت مع الجماعة السلفية المحتسبة، جهيمان شديد في خطابه الدعوي إلا أنه ضعيف أمام رواسب القبلية عنده، فهو يمحص ويحقق أحاديث الرسول ويضعف أمام أخبارقبيلته ويرويها كأمجاد مسلم بها وإن كان فيها ظلم للآخرين، وكان يقول إن البدو يتميزون بقدرات خاصة لايتمتع بها الحاضرون، مثل الفراسة والجلد وتحمل المشاق. ويشير الحزيمي إلى أنه اكتشف فيما بعد أن هذه الأفكار غثة وأنه لو قُدر لحركة كتلك أن تصل إلي السلطة فإنها كانت ستمارس محاكم تفتيش قبلية في مواجهة الآخرين.

ناصر الحزيمي وكتابه “أيام مع جهيمان”

سيكون مثيرا للالتفات أن الجماعة السلفية المحتسبة تأسست بشكل علني وأن عبد العزيز بن باز أهم شخصية دينية في البلاد دعمها واختار لها اسمها وكان يدفع إيجار مقرها الرئيسي وعين أبو بكر الجزائري مشرفا عليها، بيد أن طريقة فهم الجماعة ذات الطابع السلفي الذي يأخذ بظاهر الأحاديث حرفيا واعتبارهم أن علم الحديث هو جوهر فهمهم بصرف النظر عن فقهه أو فهم الواقع الذي يُطبق فيه، جعلتهم يصطدمون مع مشايخ الحنبلية المعبرين عن الوهابية في الفقه.

يصف ناصر الحزيمي التحدي الذي مثلته تلك الجماعة للمؤسسة الرسمية الدينية المستندة إلي العقيدة الوهابية والفقه الحنبلي، فيقول: كانت هذه المناقشات تظهرمدي جمود أغلب المشايخ وطلاب العلم علي متون الفقه الحنبلي وبعدهم عن كتب السنة ومصطلح الحديث وكان من النادر أن تجد من يملك أدوات تخريج الحديث وتحقيقه. ويضيف: كان بعض المنتسبين إلي الجماعة لايستفتون شيخا إلا ويطلبون منه الدليل من السنة ويسألونه عن الحديث هل هو صحيح أم ضعيف؟ وهذه أسئلة يضيق بها صدر المفتي المنكفئ علي بعض كتب متأخري الحنابلة.

هنا بدأت ظاهرة كسرهيبة المنتسبين إلى المؤسسة الدينية الرسمية الوهابية، وظهر ما يمكن وصفه بـ”جمهرة العلم الشرعي” بعد أن كان مقصورا علي المشايخ وطلاب العلم الشرعي. وهذا ما يشير إليه ناصر الحزيمي بقوله: بعد أن كان العلماء يحتكرون التأثير على العامة أصبح العامة يحركون العلماء نحو أهدافهم.

سوف نلاحظ أن تلك الظواهر الغريبة التي فتحت الباب واسعا للمقتحمين علي العلوم الشرعية من غير العارفين بها سوف تنتقل من السعودية إلى كافة بلدان العالم الإسلامي ومنها مصر تحت مسمى السلفية والاهتمام بعلم الحديث وعلم الرجال والجرح والتعديل، ما فتح الباب واسعا للتجرؤ علي اقتحام الفتوى دون امتلاك شروطها وتحدي المؤسسات الدينية التقليدية وشن حرب داخلية بين الإسلاميين أنفسهم من قبل هؤلاء السلفيين الملتحفين بعباءة علم الحديث والرافعين شعار السلفية فيمن سيُطلق عليهم فيما بعد “السلفيون المدخليون”.

وكما يشير ناصر الحزيمي بحق، فإن “غياب مشروع تنويري إصلاحي يتكئ علي مقاصد الشريعة ويستمد حضوره من المعاصرة والهم الوطني والاجتماعي بين الفقهاءعموما وفقهاء الحنابلة علي وجه الخصوص هو الذي ولد مثل هذه الصدمة التي لم يجدوا لها حلا إلا بالعودة لإسلام القرون الوسطي والفقه الذي وُلد في أحضان زمن القلاقل والفتن والحروب الصليبية، والمتمثل في فقه ابن تيمية وأتباعه الذي تكرس أكثر كخطاب يجب العمل به إبان الحرب الأفغانية – الروسية وبعد ذلك”.

منتسبو الجماعة الإسلامية المحتسبة المهتمين بعلم الحديث وبعضهم كان يدرسه في الحرم المكي اعتمدوا علي فقه بن حزم الظاهري وعلي دروس المنتسبين لتلك المدرسة الذين تتلمذوا علي أيديهم ممن يدرسون في البيت العتيق بمكة والحرم المدني بالمدينة، وأثاروا الشغب بقولهم جواز الاستمرارفي الأكل بعد آذان الفجر في رمضان وبدعية المحاريب في المساجد، ودعوتهم إلى اتخاذ مساجد بلا محاريب وإصرارهم علي الصلاة بالأحذية في الحرم المكي والمدني وتطويلهم الممل في الصلاة بالدرجة التي لا تراعي واقع الناس، وهو ما أحدث فتنا وشغبا جعل المؤسسة الرسمية الوهابية تنبذهم وتضعهم تحت المراقبة وتحرمهم موارد كانت تعطي لهم ورعاية كانوا يحظون بها في بداية حركتهم، إذ كانت المؤسسة التقليدية ترجو أن يكونوا ضمن أدواتها في مواجهة التيارات الجديدة التي تنامت في المملكة تتحدى سلطة المشايخ والمؤسسة الرسمية، كما تتحدى الدولة ذاتها، خاصة مع نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات إبان أزمة الخليج الثانية وظهور ما عرف باسم “تيار الصحوة”.

كان جهيمان العتيبي لا يُحسن القراءة والكتابة، ورسائله المنشورة صاغها في الحقيقة محمد بن عبد الله القحطاني، المهدي المزعوم الذي بايعوه بين الركن والمقام بعد اقتحامهم المشئوم للحرم المكي وسيطرتهم عليه لمدة أسبوعين، لذا فإن جهيمان كان لا يقيم وزنا للمؤسسات التعليمية الرسمية ويدعو إلي هجرها، كما كان يعتبر التوظف في الحكومة والعمل فيها حراما لأن الدولة غير شرعية هي وعلمائها، فالحاكم الذي يحكم ليس قرشيا، ولا يطبق الشريعة، ويوالي غير المسلمين، ولا يحقق الولاء والبراء. وقد نقل ناصر الحزيمي عن جهيمان قوله عن أهم علماء الوهابية والتيار السلفي المتأثر بها في العالم “ابن باز”: “ماذا تريدون بالشيخ ابن باز، هذا الشيخ فقد بصره وبصيرته وأنتم تلتفون حوله، هذا من شيوخ آل سعود، وقد حذرنا منه الشيخ الألباني في جلسة خاصة مشافهة، حيث قال إن الشيخ بن باز يمكن خداعه بسهولة فلا تعولوا عليه”.

كانت أجواء التقليد تسيطر علي المؤسسة الدينية الوهابية بشكل مرعب، فهم لم يقتصروا على الجوانب  العقدية التي طرحتها الوهابية فيما يتصل بالقضايا الدينية ولكنهم مدوها إلى القضايا الكونية واعتبروا أن القول بدوران الأرض حول نفسها أو حول الشمس هو تعبير عن خلل عقدي يجب أن يتم تصحيحه باعتبار أن ذلك اتباع لعلماء ما أطلقوا عليه “الهيئة الجديدة”، أي علم الفلك الحديث من الكفار، فالأرض ثابتة وتلك عقيدة يجب أن يلتزمها أتباعهم. وفي هذا يشير ناصر الحزيمي إلي أنه كان يدرس على الشيخ عبد الله الدويش  في بريده، أحد معاقل السلفية، فسأله الشيخ: ما تقول في كروية الأرض وهل هي ثابتة؟ فأجبته بعفوية كما درست في الجغرافيا، نعم الأرض كروية وهي غير ثابتة وتدور حول نفسها وحول الشمس، فقال: أنت تحتاج لتصحيح عقيدتك، وسأرتب لك درسا في كتاب “الصواعق الشديدة على أعضاء الهيئة الجديدة” للشيخ حمود التويجري، أحد أهم من تأثر بهم جهيمان العتيبي، كما كانوا يحرمون تعليم علم المنطق، ويرون أن تعلمه بدعة وأن من يتعلمه يجب أن يُضرب بالنعال ولا يعد في مصاف العلماء، فهو ليس من علوم السلف.

كانت الجماعة السلفية المحتسبة جزءًا في الحقيقة من تيار أوسع هو تيار السلفية المعاصرة، ممن أُطلق عليهم “المحدثون الجدد”، والذي أسسه عالم الحديث محمد ناصر الدين الألباني (1914-1999مـ)، وكان ضمن هذه المدرسة الشخصية الأهم في المؤسسة الدينية الرسمية، عبد العزيز بن باز (1912-1999) ومحمد بن عثيمين (1926-1999). هذه المدرسة التي اسسها الألباني أظهرت ما يمكن اعتباره تناقضا داخل المدرسة الوهابية، ليس على المستوي العقدي وإنما علي مستوى ما اعتبره الألباني تقليداً للمذهب الحنبلي والانكفاء علي مقولاته دون اجتهاد أو تجديد، كما أن عبد الوهاب لم يكن محدثا أو مهتما بعلم الحديث بدليل ورود أحاديث ضعيفة في كتبه. لاحقا تم طرد الألباني من السعودية بعد تأليفه كتاب “حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصلاة” عام 1963م وكان وقتها يدرس علم الحديث في الجامعة الإسلامية  بالمدينة المنورة، ولم يكن مقبولا في السعودية أن يقول عالم بجواز كشف المرأة لوجهها لا على مستوي المؤسسة الرسمية وفقهها ولا على مستوى التقاليد والعادات القبلية، بيد أنه سيعود إليها عام 1975م عضوا بالمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة.

الشيخ بن عثيمين                           الشيخ بن باز                         الشيخ الألباني

السلفية التي غرسها الألباني أنتجت جماعة جهيمان ذات الطابع الملحمي الخلاصي، كما أنتجت التيار المدخلي (نسبة إلى عالم الحديث بالجامعة الإسلامية ربيع بن هادي المدخلي)، وكانت هي الأساس لمد التيارات السلفية وانتشارها خارج السعودية في مطلع السبعينيات لتصل إلى العالم الإسلامي كله، لتصبح جزءًا من لعبة الأمم فيما بعد.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق