منوعات

سناء البيسي.. شكولاتة الصحافة

في خمسينيات القرن الماضي دعت كلية آداب جامعة القاهرة الكاتب الصحفي مصطفى أمين رئيس تحرير ومؤسس جريدة “أخبار اليوم” لإلقاء محاضرة على طلبة قسم الصحافة بالكلية، انتشر نبأ حضور أمين كأستاذ زائر بين جنبات الحرم الجامعي، فترك طلبة الحقوق والهندسة والآثار محاضراتهم ليأتوا ويستمعوا إلى صانع “الأخبار”.

تحدث أمين عن الصحافة والكُتاب والكتبة، وعن الثورة وتحديات الحاضر والمستقبل، وانتهت المحاضرة بطلب أمين من طلبة قسم الصحافة كتابة خبر موجز عن المحاضرة وتسليمه الخبر قبل مغادرة القاعة. جمع صاحب “الأخبار” الأوراق ومضى، وفي اليوم التالي اتصل مكتبه بالطالبة سناء البيسي ليخبرها إنه تم اختيارها للتدريب في “أخبار اليوم”، رغم صياغتها خبرا يغضب أي شخصية عامة.

كتبت البيسي في خبرها: “حضر الأستاذ مصطفى أمين ليلقي علينا محاضرة لم أفهم معظمها لأنه كان ينفث كلماته بين أنفاس سيجارته التى غرسها بين شفتيه فضاعت كلماته مع الدخان”، مع ذلك اختارها أمين لجرأتها واختلافها عن أقرانها، وبذلك بدأت رحلتها المبكرة في بلاط صاحبة الجلالة.

مصطفى أمين

بنت أبيها

موهبة البيسي في الكتابة كانت قد بدأت مبكرا، ويرجع الفضل في ذلك إلى والديها الذين كانا يعشقان القراءة والثقافة والإبداع، “كان الفضل لوالدي المرحوم حسين حسن البيسي خريج الحقوق في كل ما حققته.. كان مديراً للآثار العربية والإسلامية، وله عدة مؤلفات في الفقه والشريعة، وصاحب مكتبة إسلامية رائعة تضم العديد من أمهات الكتب والمخطوطات، إضافة إلى كتب الأدب القديم والحديث وكان دوما يشجعني على القراءة، وأتذكر أنه كان يجلسني إلى جواره قبل أن أبلغ الخامسة من عمري لأقرأ الجريدة، وأنا لا أدرك مما اقرأه شيئاً، ولم يكن أبي يمنع عني أي كتاب، لدرجة أنني قرأت “ألف ليلة وليلة” قبل أن أكمل العاشرة من عمري وقرأت مبكراً جداً للزيات ولطفي السيد وبنت الشاطئ ورحلات عبدالرحمن عزام”، تروي البيسي عن والدها.

تفوقت البيسي منذ صغرها في اللغة العربية، وحصلت على عدة جوائز في مادة التعبير من مدرستي العباسية الابتدائية والثانوية، لكنها كانت تخاصم الرياضيات والهندسة، “كنت بالكاد أحصل على درجات النجاح فيها”.

وعن والدتها، تقول سناء البيسي: “أمي رحمها الله اسمها دينا نور وكانت ست بيت من الطراز الأول، تعتني بزوجها وبناتها الثلاث، وأنا الابنة الوسطى بين آمال الكبيرة وبثينة آخر العنقود، وكانت ست الحبايب سيدة مجتمع مثقفة وتحب القراءة والكتابة وتكتب القصة القصيرة وتوقعها باسم مستعار، وتشجعني على القراءة وتحلم بأن أكون كاتبة في يوم من الأيام، وكان والدي يتمنى أن أكون مثل الدكتورة بنت الشاطئ، رحمها الله، التي التقيت بها في مبنى الأهرام، وكنت محظوظة عندما طلب مني الأستاذ محمد حسنين هيكل الجلوس معها في حجرة واحدة، وركبت معها سيارة الأهرام فقالت لي: أنا أشعر بأنك ستكونين خليفتي في الكتابة، وهكذا تحقق حلم والدي”.

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

حصلت البيسي في الثانوية العامة على مجموع 73% وكان يعد في هذا الوقت تفوقاً ملحوظاً احتفلت به عائلتها، “قدم أبي أوراقي إلى كلية الحقوق بجامعة عين شمس القريبة من منزلنا في العباسية، حيث أراد أن أكمل مسيرته القانونية، واعتبرت هذا الأمر مفروغاً منه، بخاصة أن جميع الكتب والمؤلفات التي تتعلق بالقانون تكتظ بها مكتبته في المنزل” .

تغيير المسار

وعن نقطة التحول من دراسة القانون إلى دراسة الصحافة، تقول البيسي: “في أحد الأيام وقبل بداية العام الدراسي بأيام وجدت جارتي ورفيقة الطفولة الصديقة صافيناز كاظم تأتي إلى بيتنا وتخبرني بافتتاح قسم جديد للصحافة بجامعة القاهرة، وكان هذا النداء بمثابة تغيير مسار لمستقبلي، ولم أفكر لحظة وتركت أوراقي بكلية الحقوق، وذهبت بأوراق جديدة لقسم الصحافة التي أعشقها وكان ذلك في العام1953” .

صافيناز كاظم

تعلمت البيسي على يد مجموعة من الأساتذة الكبار، منهم الدكتور محمد مندور والملكة دينا الزوجة الأولى للملك حسين والدكتورة عائشة راتب وعالم النفس الكبير الدكتور يوسف مراد .

كانت الكاتبة الكبيرة صاحبة الأسلوب السلس الذي شد إليه بسطاء القراء ومثقفيهم، قد بدأت مشورها الصحفي وهي لا تزال في السابعة عشر، “كنت طالبة بالفرقة الأولى بقسم الصحافة وأسند لي التوأمان مصطفى وعلي أمين ومعهما أستاذي أحمد بهاء الدين مسئولية صفحة كاملة في أخبار اليوم عنوانها “قيل وقال”، وبعدها توليت رئاسة قسم المرأة، لأقوم بتحرير ملزمة خاصة بها في مجلة “آخر ساعة” تحت عنوان “النصف الحلو”، وكانت من أجمل سنوات حياتي، وكنت أشعر بالخجل، حيث كانت تحت رئاستي سيدات في عمر أمي، ولذلك حرصت على معاملتهن بمنتهي اللطف” .

ملهمة كنعان

وعن زوجها الفنان الراحل منير كنعان، تقول البيسي: “عندما قابلته للمرة الأولى قلت هذا هو الرجل الذي يسكن حلمي وضميري وبالي، وقتها كان كبير الرسامين في أخبار اليوم، وعاشقاً للفن إلى أبعد الحدود، وعندما قابلته للمرة الأولى طلب مني أن أجلس أمامه ليرسمني، حيث رآني لوحة جميلة وتزوجنا عام 1963 وأنجبت منه ابني الوحيد هشام”.

سناء البيسي بريشة منير كنعان

إلى جانب رشاقة قلمها كانت البيسي رسامة ماهرة، وأسند إليها رسم “موتيفات” الصفحة الأخيرة في “أخبار اليوم”، وبزواجها من منير كنعان هجرت البيسي الرسم واكتفت بدور الملهمة لزوجها، “أدمن الجلوس أمامه ليرسمني ساعات في وضع متحجر، أعاني جاهدة فيها ألا يهتز لي طرف، أو أرعش عيني، أو أطرقع مفاصلي، أو أسند فقرات عمودي الفقري المتيبس إلى ظهر المقعد الجهنمي، ويهون التعب كله في لحظات للحوار والوئام والتهافت والتراحم والحب والارتباط”. وبعد وفاته، قالت: ” لم أعد أسكن لوحاته، ولكن أصبحت لوحاته تسكنني”. وفق ما نقله عنها الكاتب الصحفي عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر”.

عمر طاهر وكتابه صنايعية مصر

رحلة الأهرام

وتروي البيسي قصة انتقالها إلى “الأهرام”، تقول: “في أوائل الستينات من القرن الماضي انتقلت إلى الأهرام بعد ما توارى نفوذ أساتذتي الذين شجعوني، أقصد التوأمين مصطفى وعلي أمين، وسيطر آخرون على مؤسسة أخبار اليوم الجميلة التي فقدت بريقها، وفي الأهرام وجدت كل تشجيع من الأستاذ محمد حسنين هيكل، وهكذا كنت محظوظة لأني تتلمذت على أيدي عمالقة الصحافة المصرية باختلاف اتجاهاتهم”.

ويروي طاهر عن البيسي في “صنايعية مصر”: بعد سنوات من التألق طلب منها الرئيس السادات أن تتولى رئاسة مجلة “حواء”، فكرت قليلا، ولم تتحمس للفكرة فرفضت، ثم أرسل إليها بعد ذلك يطلب منها ترأس قسم المرأة في جريدة “مايو” لسان حال الحزب الوطني وقتها، لكنها تهربت أيضا، في المرة الأخيرة يبدو أن السادات فقد أعصابه فصدر أمر بأن تكتب مقالا أسبوعيا في “الأهرام”، وهناك وبعد فترة أصبحت رئيس قسم المرأة وكان نجاحها غير مألوف، حتى ان رئيس مجلس الإدارة طالبها بإصدار مجلة نسائية تابعة للمؤسسة. ظلت تؤجل الفكرة وتتهرب منها عشر سنوات إلى أن أمهلها شهرا واحدا فقط لإصدار العدد الأول، فكانت “نصف الدنيا” التي تركتها وتوزيعها يتجاوز أحيانا عدة مئات من الآلاف.

كان الأستاذ هيكل يقول لها دائما معلقا على إخلاصها للمهنة، “يا بنتي إنت الوحيدة اللي بتشتغل في مصر”.

محمد حسنين هيكل

انطلاق “نصف الدنيا”

وعن تجربة “نصف الدنيا” التي صدرت مطلع التسعينيات، تقول البيسي: شرعت في إصدار مجلة نصف الدنيا في فبراير عام 1990، وتشرفت بوجود ثلاثة مبدعين في مصر طلبوا مني حجز صفحاتهم الأسبوعية فيها، الأستاذ أحمد بهاء الدين الذي سيكتب مقالاته حول جدية التذوق الفني، والعملاق نجيب محفوظ الذي سيمنحني كل ما يجود به قلمه ليكون حكراً علينا وحدنا، والدكتور يوسف إدريس يحجز من الآن صفحتها الأخيرة، ليكتب أخطر أعماله الأدبية التي فيها تعرية للنفس والتاريخ والأصل والنسب والأسباب والمسببات ودور الأم ودور الأخت والجدة وأهل المعرفة والحب والجنس والنزعات.

وخصها نجيب محفوظ بنشر “أحلام فترة النقاهة” و”أصداء السيرة الذاتية”، وبدأ النشر برسالة صغيرة لها قال لها فيها: “هيهات أن أبلغ ذروة البلاغة التي تتمتعين بها”.

نجيب محفوظ                                       يوسف إدريس                                          أحمد بهاء الدين

هو وهي

ألهمت مجموعتها القصصية “هو وهي” الكثيرين لتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، حتى رسي العطاء على الكاتب والشاعر والفنان صلاح جاهين، وأثناء اندماجه في كتابة سيناريو وحوار إحدى الحلقات اتصل بها على هاتف منزلها، كانت الثانية صباحا، فقامت لترد منزعجة، كان يسألها: “بقولك إيه يا سناء، أنت لما بتحبي تتدلعي على جوزك بتطلبي منه إيه؟”، فنظرت إلى ساعاتها وتمالكت نفسها قائلة: “عادي بطلب منه يجيبلي شوكولاتة”، قال جاهين: شكولاتة؟  طب لو الشكولاته ساحت؟ ففقدت البيسي أعصابها وقالت له: “لو الشيكولاته ساحت يبقى راحت مطرح ما راحت يا صلاح”، فضحك جاهين وضحكت البيسي وغنت سعاد حسني “ما تجيبلي شيكلاته يا بلاش يا وله”.

كانت ومازالت البيسي مهمومة بصاحبة الجلالة، استقلالها وحرياتها وأزمات العاملين في بلاطها، ومن أجل إيمانها بالدفاع عن مهنتها، خاضت البيسي معركة انتخابات نقابة الصحفيين عام 1987 وشاركت في دورتين نقابيتين مع إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد.

صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق