ثقافة

عمرو العادلي: الإنسان محور عالمي الإبداعي

طلب ابنه منه المساعدة في قراءة شيء يفهمه، ولأنه في الصف الأول الإعدادي، لم يعثر على ما يناسبه نتيجة التأرجح بين الطفولية والإدراك، فكتب رواية “المصباح والزجاجة”، خصيصًا لابنه، دون أن يدري أن أول تجربة روائية له مع الكتابة للأطفال تصل للقائمة الطويلة بجائزة الشيخ زايد، وربما كان لعمله كباحث في تاريخ الأدب الأجتماعي دور كبير في فتح أفاق ومشاهدات واقع ما نعيشه ليترجم هذا إلى كتابة مختلفة لصيقة وجزء من حياتنا.

لم يتردد صوت عمرو العادلي كواحد من أبرز كتاب الرواية والقصة القصيرة في المشهد الثقافي المصري من فراغ، فقد سبقه مشوار طويل مع الكتابة، لديه مشروعه الإبداعي المرتبط بسؤال الهوية كجذر ورابط أساس في أغلب أعماله، قدم في مجال الرواية “إغواء يوسف” 2011، “كتالوج شندلر” 2013، “الزيارة” 2014، “رحلة العائلة غير المقدسة” 2015، “اسمي فاطمة” 2017، “المصباح والزجاجة” 2017، وفي مجال القصة القصيرة “خبز أسود” 2008، “جوابات للسماء” 2009، “حكاية يوسف إدريس” 2012 ، “عالم فرانشي” 2016. وحصدت أعماله المميزة العديد من الجوائز، منها ساويرس، والدولة التشجيعية.

حول مشروعه الأدبي ورؤيته وأعماله، كان لنا معه هذا الحوار.

ماذا عن الشعر كتجربة وحيدة ويتيمة في مجمل إبداع الروائي عمرو العادلي؟
بعض الأفكار تأتي على حلقات وبعضها يأتي دفقة واحدة، وبالنسبة للشعر فهو بشكل عام محرض على السرد، ورافد مهم له، لكنه ليس أساسي في مشروعي الإبداعي، أقصد كتابة، لكن قراءة لا أستطيع التوقف عن قراءة الشعر، لاسيما الحديث منه والنثري، كل الفنون تسعى لأن تكون موسيقى، والشعر أقربهم إليها.

رفضت إدراج “عالم فرانشي” تحت سقف أي جنس أدبي، هل يعكس ذلك اقتناعك بفكرة تماهي الاجناس الأدبية أم تماشيا مع حديث البعض عن موت الرواية؟
عالم فرانشي أصلا كانت رهان بيني وبين صديقي أشرف العشماوي، وكسبت الرهان، كنت أقول له أن التصنيف بيد الكاتب وليس تبعًا لأشياء سابقة على وجوده، فرفض ما قلته، قلت له سأثبت لك، وكتبت عالم فرانشي بين القصة والرواية، ولكن كان من الضروري أن يتم تصنيفها كقصص، وذلك حتى لا نشتت القارئ معنا، لكنها أيضا ليست متتالية، اقترح الناشر أن نسميها مجموعة روائية أو رواية قصصية، لكني رفضت لأن القاريء “مش ناقص لخبطة”. جاءت عالم فرانشي بتثبيت الزمان والمكان والشخصيات، المواقف فقط هي التي تتغير.
أما فيما يخص مسألة موت الرواية، فهو مستبعد تمامًا دون الدخول في تنظيرات أنا أجيدها، لأنها مرتبطة بموضوع الماجستير الذي سأناقشه خلال شهر من الآن، لماذا لن تموت الرواية؟ لأنها تجدد أثوابها منذ نشأتها، فقد هضمت الرواية العالمية خلال أربعة قرون كل الأجناس الأدبية السابقة عليها، الشعر والقصة والملحمة، هضمت كذلك الهواجس والأحلام، حتى لغتها تتجدد حسب الموقف الذي تعالجه، الرواية لن تموت.

تيمة الهوية إحدى التيمات الرئيسية في أعمالك، هل ترى أهمية لسؤال الهوية في عصر العولمة؟

العولمة أصبحت مصطلحا قديما نسبيا بعد أحداث 11 سبتمبر، ما يتم الآن هو ابتلاع العالم بشكل سافر وغير مسبوق، وما أحوجنا في هذه اللحظة العجيبة لنعرف من نحن، كيف وصلنا لما نحن فيه، أين الخلاص وما السبيل إلى إنتاج أنفسنا الحقيقية، لا أن نكون مجرد ظلال للآخر أو صدى صوت فقط.

هل ترى ثمة قطيعة معرفية بين مورثاتنا الثقافية وما يتم انتاجه؟
تنقية التراث فكرة شائكة، لأن التراث منه بالطبع ما هو ديني، ولذلك سيبقى الحال على ما هو عليه من لملمة أشلاء بعض من أزماننا الغابرة، ووضعها في حُلة عصرية، لكن في الحقيقة لا توجد قطيعة، فمن أراد أن يكون عربيا سيصبح كذلك بكل ما عليه العرب من حال، لا يستطيع أن يغربل الثقافة العربية، وقد حاول كثيرون من قبل فعل ذلك وفشلوا، وأنا أرى أن مجرد الاهتمام باللغة العربية، كفيل بأن يجعلنا نخطو خطوة للأمام في الطريق الصحيح.

هل تفتقد الأجيال الجديدة من الكتاب للياقة معرفية؟
سهولة النشر جعلت من الصعوبة جدًا أن نحدد من هم الكتاب: هل الذين كتبوا؟ أم الذين كتبوا ونشروا؟ أم الذين أخذت أعمالهم جوائز؟ أم الذين قرأت أعمالهم على نطاق واسع؟ وفي النهاية سنحتار حتى في اختيار ذلك الكاتب الذي سنختاره بأهوائنا في الغالب. في البدايات يود الكاتب لو كتب أكثر مما قرأ، ومع الوقت يدرك أن ذلك نوع من أنواع “النصب”، فلابد أن يقرأ ويهتم بمجاله معرفيا لسببين، الأول هو التشبع باللغة وفهمها، والثاني هو معرفة الأساليب في الكتابة، وكيف تفكر الأذهان عندما تكتب.

هل يسرب العادلي أسئلته الفلسفية والإجتماعية عبر الرواية؟
الرواية العربية الحالية أنضج من الرواية منذ عشرين سنة مضت، هذا لا شك فيه، لكن يغلب عليها الطابع السوداوي، فأصبحت الرواية صوان عزاء لكل شيء جميل، وأنا لا ألوم الكتاب بالطبع في ذلك لأن الواقع كذلك. وبالنسبة لكتاباتي أنا عاشق للفلسفة كقارىء، وأرى أنه دون قراءة في الفلسفة وعلم الاجتماع ينقص الروائي شيء مهم، لأن علم الاجتماع يحدد له قيام وسقوط المجتمعات وأسباب ذلك، ويفسر له النظريات الكبرى كالاشتراكية والرأسمالية والبنيوية والحداثة وما بعد الحداثة والتفكيكية، يبدو الكلام سخيفا لكن قراءته ممتعة، ومسألة تسريب الأسئلة الفلسفية للرواية أظن أن ذلك أحد مهام الرواية، ويعطيها ذلك بُعدًا أعمق من مجرد كونها حكاية.

هل الكتابة للطفل نابعة من اختيار شخصي أم جاءت بغرض التجريب؟
بدأت المسألة من ابني مصطفى، كان في الصف الأول الإعدادي وقال أنه يريد قراءة كتاب يفهمه، كان الأمر بالنسبة لي يبدو سهلا، لكن عندما حاولت مساعدته في إيجاد كتاب يقرأه لم أجد، هناك كتابات تسبق سنه، وكتابات أخرى تخاطب الفئة العمرية الأقل، فما بين التقعر وحكايات الثعلب والحمار تاه مصطفى، فكتبت له رواية “المصباح والزجاجة” وبالطبع لم يكن في تصوري أنني كي أرضي ابني يمكن أن تصل روايتي الأولى للأطفال للقائمة الطويلة بجائزة الشيخ زايد، وقد حاولت قدر المستطاع أن أقدم رؤيتي لفئة عمرية أقل من التي اعتدت مخاطبتها.

ماهي الجذور المشتركة لأعمالك الإبداعية وهل ثمة هم جمالي وفكري يمثل محور عالمك الإبداعي؟
البساطة والتلقائية، بالطبع قدر المستطاع، أحاول استكشاف الشخصية المصرية من خلال الكتابة، وأحاول كذلك أن أجعل ما أكتبه مفهومًا، لا يعنيني ماذا سيقولون بعد أن أنشر عمل من أعمالي، الفيصل بالنسبة لي هو رضائي التام واقتناعي به قبل نشره، ويمكن أن يعتبر محور عالمي الإبداعي أو كلمة السر فيما أكتب هو الإنسان، الإنسان “البيور” كما خلقه الله، وليس كما لوثته الحضارة.

هل سؤال الذاكرة يتقاطع مع متاهة النسيان التي تعيشها مجتمعاتنا؟
لم يعد ما يهم الآخر أن ننسى، فقد أثملتنا الحياة الحديثة بما فيه الكفاية، يكفي أن يدور الإنسان في ركب الرأسمالية والماركات وشركات “البراند” عابرة القارات، حتى نتأكد من أننا إن لم ننتبه فنحن هالكون لا محالة، نحن أصبحنا لا نمتلك إلا ذاكرتنا الجمعية، فإن ضاعت فلن يكون هناك شيء بعدها.

ماذا عن جدوى الورش الإبداعية بصفتك واحدا من الذين يشتغلون بها.. أتنتج مبدعًا؟
الورش الأدبية مهمتها أن تضع قدم الموهوب على الطريق فقط، لا أن تعلمه الكتابة، وقد أنتجت ورشة الدار المصرية اللبنانية أحمد صابر وتترجم روايته الآن إلى التركية، وهناك أيضا فريد عبد العظيم الثاني في الورشة، نشر روايته الأولى منذ أيام، نحن نتحدث عن الكتابة وجدواها بصوت عال، ومن يسمعنا هو فقط المهتم بالأمر.

هل تحولت الثقافة إلى سلعة وما إمكانية رواجها؟
الكتاب بالفعل تحول في الآونة الأخيرة إلى سلعة، وهذا ليس سيئا، على العكس من ذلك فالكتب تشهد رواجا كبيرا في العشر سنوات الأخيرة، وحال الثقافة العربية يسبق بخطوة حال أي شيء عربي آخر، فقد اصبح الأدب العربي سفيرا جيدا للعرب في السنوات القليلة الماضية.

كيف ترى الجوائز الأدبية.. وهل ساهمت في تسييد الرواية على بقية الأجناس الآخرى من الإبداع؟
الجوائز تسهل على القاريء أكثر مما تفيد الكاتب، فقد كان من السهل أن يقرأ القارئ عشرين كتابا حتى يظفر بواحد له قيمة، أما الآن فقد أتاحت القوائم الطويلة والقصيرة للقاريء دليلا للقراءة، بالطبع ليست الجوائز جميعها منصفة، لكن من الصعب أن تجد كتابا حصل على جائزة ويكون رديئا، يمكن أن يكون جيد فقط، ليس بالضرورة أن يكون ممتازًا، الذائقة أيضا مهمة، وهي التي تصنع الفروق في تفييم العمل الإبداعي.

هل ترى المشهد الثقافي العربي يعاني من الكسل والصمت النقدي؟
النقاد ليسوا كسولين، ولكن ما تقذف به المطابع أكثر من أن يتم احتوائه، وعملية فرز الجيد من الردئ عملية مرهقة، أعرف نقاد يذهبون مرة ومرتين في الأسبوع لمناقشة أعمال إبداعية، ماذا في استطاعتهم أن يفعلوا أكثر من ذلك؟ الحال العربي بشكل عام ليس أفضل شيء في المرحلة الحالية، نأمل في تحسن الأحوال قريبا إن شاء الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق