منوعات

أحمد عبود باشا.. الرحلة من باب الشعرية إلى الإيموبيليا

ما بين ميلاده في عام 1889 في حي باب الشعرية في قلب القاهرة القديمة، ووفاته في عام 1964 في بريطانيا، قضى أحمد عبود باشا حياة حافلة تلخصها ببساطة تلك الرحلة التي استغرقت نحو 75 عاما وشهدت صعوده السريع إلى قمة الأثرياء في مصر مستفيدا من ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم انزوائه عن المشهد لاحقا مع التطورات التي شهدتها مصر عقب ثورة 23 يوليو 1952، واستقراره في لندن مع بدء العد التنازلي لأفول عصر الإمبراطورية البريطانية الغاربة.

لم ينشأ الرجل في أوساط طبقة كبار الملاك شأن أغلب أثرياء عصره، بل هو ابن تاجر غلال يملك قطعة أرض في حي باب الشعرية أجرها لمستأجر أقام عليها حمامًا شعبيًا، لكنه سرعان ما توقف عن سداد الإيجار لتعود الأرض إلى مالكها محمد عبود ويتولى إدارة الحمام بنفسه بمعاونة الابن أحمد عبود. وأما السمة الثانية فهي علاقته الوثيقة بالإنجليز والعمل والتعاون معهم.

تلقى الابن أحمد دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس القاهرة، وبعدها سافر إلى انجلترا لدراسة الهندسة بجامعة جلاسجو، وبعد أن نال شهادته العليا من هناك عاد إلى الوطن، وحصل على وظيفة بأجر شهري لم يتجاوز الخمس جنيهات في تفتيش الفيكونت (النبيل) الفرنسي هنري جابرييل بمدينة أرمنت إحدى مراكز الأقصر، وكان الرجل الذي اشتهر باسم الكونت فونتارس صدر له فرمان عام 1857بضم أراضي المنطقة إلى ملكيته، فبنى بها قصراً ضخما يطل على النيل في تلك المنطقة التي اشتهرت بزراعات القصب.

العمل مع الإنجليز

لم يستمر عبود في العمل مع الكونت طويلا، واتجه إلى الأعمال الحرة في مجال المقاولات، ثم سافر إلى العراق وشارك في إنشاء سكة حديد بغداد عشية نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914، بمشاركة السير ويليام ويلكوكس مهندس الإنشاءات البريطاني الذي سبق له العمل في مصر وتركيا في أعمال إنشائية بقطاع الري. مهد ذلك إلى حصول عبود على تكليف من المندوب السامي البريطاني اللورد ألنبي لإنشاء عدد من الطرق والكباري العسكرية في فلسطين، ليصبح أحد أكبر مقاولي الجيش الإنجليزي.

اللورد ألنبي

تعرف عبود أثناء عمله على مدير الأشغال العسكرية للجيش الإنجليزي، وارتبط بقصة حب مع ابنته ميما كللت بالزواج، ليبدأ التحول الكبير في حياة المهندس المصري الشاب، الذي أسندت إليه معظم أشغال الجيش الإنجليزي في فلسطين ومدن القناة.

مع توسع أعمال عبود تكون لديه رأسمال ضخم مكنه من شراء معظم أسهم شركة “ثورنيكروفت”  Thorneycroft الإنجليزية للنقل بالسيارات بالقاهرة وشركة الأمنيبوس المصرية العمومية وغيرها من الشركات الصناعية والهندسية، كما امتلك معظم أسهم شركة البواخر الخديوية التي كانت قبل ذلك في أيدي الإنجليز، وكانت آنذاك من أقوى شركات الملاحة في مصر، بما تمتلكه من أرصفة وأحواض جافة في موانئ الإسكندرية والسويس إلى جانب الورش التابعة لها.

حصل أحمد عبود على رتبة الباشوية من الملك فؤاد سنة 1930، وقدرت ثروته في الثلاثينيات من القرن الماضي بأكثر من عشرة ملايين جنيه مصري أو ما يعادل نحو 30 مليون دولار أمريكي.

أزمة بنك مصر

في أواخر أغسطس عام 1939 بدت نذر الحرب العالمية الثانية، وكانت بريطانيا تسعى إلى ترتيب أوضاعها استعدادا للحرب، ونظرا لتأثر حركة الواردات بظروف الحرب وإدراك بريطانيا أهمية الاعتماد على الصناعة المصرية في تموين احتياجات قواتها، ما كان يمكن أن يسهم في توسع الأنشطة الصناعية الوطنية لبنك مصر بقيادة طلعت حرب، الأمر الذي اعتبرته بريطانيا يمثل مخاطرة سياسية على نفوذها الاقتصادي في مصر، فلجأت إلى اختلاق مشكلة لبنك مصر وإجبار طلعت حرب على الاستقالة من رئاسته. [1]

وجدت بريطانيا ضالتها في أحمد عبود باشا ومحمد أحمد فرغلي باشا ملك القطن، الذين كانا من كبار المودعين في بنك مصر، فأومأت اليهما أن يبادرا إلى سحب ودائعهما من البنك، وهو ما سارعا بتنفيذه بمعدل سحب بلغ نحو نصف مليون جنيه يوميا، وتواكب ذلك مع الإيعاز إلى حسن صبري رئيس وزراء الحكومة الموالي للإنجليز لسحب 3 ملايين جنيه تمثل ودائع هيئة البريد المصرية لدى البنك، بالتواطؤ مع السير إدوارد كوك محافظ البنك الأهلي المصري، الذي كان يقوم بوظائف البنك المركزي وقتها، للامتناع عن التدخل لمساندة بنك مصر في الأزمة المختلقة، حسبما يقتضي واجبه، ما اضطر طلعت حرب مؤسس بنك مصر إلى تقديم استقالته في 14 سبتمبر 1939، ليضع حدا لما أطلق عليه الإنجليز وأعوانهم أزمة بنك مصر.

طلعت حرب

ثراء الحرب

في عام 1940 بنى عبود باشا أكبر عمارة في القاهرة، هي عمارة الإيموبيليا. وقد سكنها معظم المشاهير والفنانين وأشهر الأطباء. وكانت بها نقابة الصحفيين ومكتب وكالة أنباء رويتر وشركة شل.

عمارة الإيموبيليا

جاءت الحرب العالمية الثانية لتمثل فرصة العمر لصعود إمبراطورية عبود الاقتصادية مستفيدا من الثروة الطائلة التي حققها من أرباح أسطول السفن الذي يملكه في ظل ارتفاع أجور النقل ارتفاعاً خيالياً، ما مكنه من شراء معظم أسهم شركة السكر والتكرير المصرية التي كان يملكها البلجيكي هنري نوس، وأصبح عبود رئيسا لمجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة.

اتسعت ثروات عبود حتى أنه اشتري تفتيش الكونت الفرنسي فونتارس الذي تبلغ مساحته نحو ستة آلاف فدان، وهي أكبر قطعة أرض يمتلكها شخص واحد في صعيد مصر، كما اشتري عبود قصر الكونت في أرمنت، وأطلق عليه “سراي عبود” وكانت تضم حديقة غناء لكل أنواع الزهور والفاكهة النادرة والخضروات مع ملاعب شاسعة للتنس والإسكواش والبولو والجولف والكروكيت وحمام للسباحة.

اتسعت بعد ذلك أعمال عبود باشا وتشعبت بحكم علاقاته الوثيقة مع سلطة الاحتلال البريطاني، فأنشأ عدة شركات صناعية في مصر وانجلترا اضطلعت بإنشاء السفن والطرق والكباري، كما امتلك معظم أسهم شركة الفنادق المصرية وشركة صناعة الأسمدة بـعتاقة وشركة الكراكات المصرية، وغيرها من شركات الصناعات الكيميائية والتقطير والغزل والنسيج التي أنشأها قرب نهاية أربعينيات القرن العشرين.

في عالم السياسة

امتدت إمبراطورية عبود باشا الذي أصبح أغنى أغنياء مصر إلى دائرة السياسة، وكان لطائرة عبود باشا الخاصة دور مؤثر في حادث 4 فبراير 1942، فهي التي حملت مصطفى النحاس الذي كان في ضيافته بقنا لتعود به سريعا إلى القاهرة ليباشر تشكيل الوزارة عقب الإنذار الإنجليزي للملك فاروق ومحاصرة الدبابات البريطانية لقصر عابدين، وجاء ذلك بعد اجتماع ثلاثي جمع النحاس والسير مايلز لامبسون وعبود في قصره بأرمنت. وتحفل الوثائق البريطانية عن عام 1944 بتفاصيل جهود بذلها عبود باشا في لندن للحيلولة دون تمكين الملك فاروق من إقالة النحاس. وترصد مذكرات محمد التابعي ما يفسر هذا الموقف بالإشارة إلى أن عبود وغيره من حلفاء الإنجليز مثل أمين عثمان باشا واليهود المصريين انتابهم خوف شديد من تقدم الألمان نحو العلمين.

فاز عبود باشا بعضوية مجلس الشيوخ وعضوية البرلمان نائبًا عن أرمنت عن حزب الوفد عام 1942، لكنه لم ينجح في الاحتفاظ بمقعده عندما خاض الانتخابات مرة أخرى عام 1945 أمام أبو المجد الناظر أحد أقطاب الوفد في ثورة 1919.

تسبب عبود باشا في إقالة الوزارة مرتين: إحداهما عام 1934 في وزارة عبد الفتاح يحي باشا، حيث تورط وزير الأشغال في إسناد مقاولة كورنيش إسكندرية بالأمر المباشر لعبود باشا، والثانية بعد حريق القاهرة، عندما قدم رشوة مليون فرنك للملك فاروق لإقالة وزارة نجيب الهلالي التي قدرت متأخرات ضريبية عليه بنحو خمسة ملايين جنيه. [2]

الملك فاروق

رئاسة النادي الأهلي

في يناير 1944 أقام النادي الأهلي حفل شاي تكريما لأحمد عبود باشا بمناسبة تبرعه بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه لتشطيب حمام السباحة وحمام الغطس بالنادي. كان رئيس النادي وقتها أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي وبعد عام واحد تخلي أحمد حسنين عن رئاسة النادي الأهلي ليترشح بدلا منه أحمد عبود، الذي أصبح رئيسًا للنادي الأهلي بالتزكية لعدة دورات امتدت في الفترة من 19 فبراير 1946 إلى 19 ديسمبر 1961، وساعده في تعزيز مكانته تبرعه ببناء عدة منشآت للنادي على نفقته الخاصة.

أحمد حسنين باشا

مع ثورة يوليو

مع قيام ثورة 23 يوليو 1952 ونجاحها في إنهاء حكم أسرة محمد علي وإجلاء الإنجليز وإعلان الجمهورية في مصر، بدأت ملامح خريطة سياسية واقتصادية تعكس توجه الحكم الجديد لبناء نظام سياسي مستقل واقتصاد وطني قوي يسهم في تعويض البلاد عن عقود طويلة كانت ثرواتها نهبا للمحتل وأعوانه.

وفي 15 أغسطس 1955، وقعت أول مواجهة بين الثورة المصرية والقوى الرئيسية المسيطرة على الاقتصاد، التي بدت غير متحمسة لتوجهات الحكم الجديد. وشملت هذه المواجهة فرض الحراسة على شركة السكر التي يمتلكها أحمد عبود باشا بعد تأخره في الوفاء بمتأخرات ضريبية مستحقة عن أنشطة الشركة، وكان ذلك إيذانا بنفاد صبر الحكم الوطني الوليد من التحركات المناوئة من الكيانات الأجنبية المسيطرة على الاقتصاد الوطني والمتعاونين معها من كبار الرأسماليين.

وبعدها لجأت الدولة في فبراير 1960 إلى تأميم البنك الأهلي وبنك مصر لعدم تحمسهما للمشاركة في تمويل مشروعات الخطة الخمسية الأولى للتنمية الاقتصادية التي بدأت منتصف عام 1960، وبعد عام واحد صدرت قوانين يوليو عام 1961، التي شملت العديد من الشركات الكبرى للقطاع الخاص في مجالات عدة.

على خلفية هذه القرارات آثر عبود الهجرة إلى أوروبا وإدارة أعماله هناك بما أمكن له تهريبه من أموال، ولكن لم يطل به المقام هناك حيث توفي بعد نحو ثلاثة أعوام، ليسدل الستار على مشوار الرأسمالي الأشهر في تاريخ مصر.

————————————————————————

[1] – دكتور محمود متولي “الأصولية التاريخية للرأسمالية المصرية”، القاهرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1974، (ص 202– 210)، وكذلك مصطفى بيومي “أحمد عبود باشا، الاقتصادي العصامي”، سلسلة رواد الاستثمار، وزارة الاستثمار، دار الهلال، 2010.

[2] – دكتور محمد حسين هيكل: مذكرات في السياسة المصرية، ( القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010، (ص 357- 359)

الوسوم

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: