رؤى

الوهابية المرتبكة (3).. التحدي السروري

تُنسب السرورية إلي الإخواني السوري محمد سرور نايف زين العابدين، من مواليد 1938م من منطقة حوران، الذي فر إلى السعودية في نهاية الستينيات، وعمل بالتدريس في المعهد العلمي التابع لجامعة محمد بن سعود  في بريده في منطقة القصيم، وكان منحازا إلى التيار القطبي بقيادة مروان حديد الذي تبنى الدعوة لاستخدام القوة المسلحة ضد حكم البعث في سوريا، لمواجهة ما أطلق عليه الإخوان  “محنة” التنظيم عقب تولي البعث السلطة في مطلع الستينيات.

قُدر له أن يدرس ويؤثر في التيار السعودي الفكري والحركي الذي عرفته البلاد في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وكان أبرزهم سلمان العودة وسفر الحوالي وناصرالعمر وغيرهم ممن مثلوا تحديا كبيرا للمؤسسة التقليدية السعودية. تجاوز السروريون الفكر التقليدي للوهابية وتشربوا بالمنتج الفكري الجديد الذي صاغه محمد سرور وتسمى باسمه، والذي مزج بين أفكار بن تيمية وأفكار سيد قطب ومن ثم كان متحديا للفكر الإخواني التقليدي لحسن البنا، إذ اعتبرأن الإخوان لم يتشربوا بالفكر السلفي الذي يؤسس لهم منطلقا عقائديا واضحا وثابتا لا يهتز، كما أنهم بحاجة إلي فكر حركي يتفاعل مع الواقع بما في ذلك العمل التنظيمي الجماعي.

ويقول إبراهيم السكران الذي كان منتميا للتيارالسروري في السعودية في شهادته الاستثنائية عن هذا التنظيم المحير إنه لم يكن واعيا بهذه التسمية إبان انغماسه في الدعوة إلي الله ولم يشعر بشيء أكبرمن كونهم مجموعة دعوية مرنة، صحيح كان هناك نوع من التنسيق  والمتابعة غير أنه لم يكن ثمة حديث عن تنظيم أو إطار منظم، وحين سمعت بوجود هذا الإطار أبديت دهشة وتعجبا وقوبلت بإشفاق من زملاء لي في نفس التيار، قالوا لي: كلنا يعلم بوجود إطارتنظيمي إلا أنت. صحيح كان هناك جانب عفوي في الحركة إلا أن المنظمين في التيار يقدر عددهم بثلاثة آلاف عضو”.

سيد قطب

مثل التيارالسروري تحديا للسلفية التقليدية القائمة علي الفكر الوهابين خاصة فيما يتصل بموضوع الطاعةوالاتباع وعدم التمرد أو الخروج علي السلطة السياسية، كما تأثر بمفهوم الحاكمية الذي وضع بذوره سيد قطب والتي تعني أن النظم السياسية القائمة لا تلتزم بالاحتكام إلي الشريعة الإسلامية وإنما إلي القوانين الوضعية. صحيح ان الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة وضع رسالة في “تحكيم القوانين” لكنه لم يتعرض لجوهر النظام وتركه النظام يكتب ما يريد طالما أنه غيرمؤثر، فقد كان الرجل مفتيا في فترة الستينيات وكان مركز المؤسسة التقليدية وعالمها الأكبر بلا منازع، وكانت العلاقات بين المؤسسة الدينية والسياسية ذات طابع شخصي قائم علي التقطيع والاستقلال.

التيار السروري مع طرحه لمسألة الحاكمية فتح الباب واسعا لمن اعتبر النظام في السعودية لا يحكم بالشريعة وظهر من تحدث فيما بعد عن كفر الدولة السعودية كأبي محمد المقدسي الذي وضع مؤلفا بعنوان “الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية”، ومن قبله كتب جهيمان “رفع الالتباس عمن جعله الله إماما للناس”.

التيار السروري رغم سريته وغموضه كان تطويرا وتهجينا للسلفية مع الإخوانية بحيث يمكننا وصفه بأنه “الإخوانية السلفية” أو “السلفية الإخوانية”، وطبيعته التهجينية تلك فتحت الباب واسعا أمامه لكي يكون منهلا للأخذ منه من جانب التيار الصحوي الذي سيتحول إلى السياسة ويقف من الدولة موقف المعارض، كما سيقف من المؤسسة التقليدية موقف الناقد المجاوز.

وقد نهل من هذا التيار بالضرورة من سيصبح بعد ذلك معبرا عن “السلفية الجهادية” والذين بدورهم سيهجنون سلفية ابن تيمية مع أفكار الحركيين الجهاديين الذين استلهموا الجانب الحركي من فكر سيد قطب وأضافوا إليه اجتهاداتهم وأفكارهم وخبرتهم حتي وصلوا إلي عالم “إدارة التوحش” لأبي بكر ناجي، وهو كتاب في الاستراتيجية وليس في القضايا الفكرية أو العقدية.

ظهرت السرورية أول مرة علي يد مدرس سعودي بالمدارس الثانوية اسمه فلاح العطري، فمحمد سرور كان موجها للجماعة وزارعا لأفكاره بين شبابها ومنتسبيها دون أن يكون هو من يقودها، ولأن الحساسية عالية جدا بين السعوديين فيما يتعلق بالانتماءات الحزبية أو الانضمام في عمل جماعي أو تنظيمي فإن السرورية لم تكن عنوانا للمجموعة التي تأثرت في البداية بأفكارمحمد بن سرور، ولذا كانوا يطلقون عليها جماعة “فلاح”، وتسمية “السرورية” أطلقها الإخوان الغاضبين من الجماعة الجديدة، كنوع من التهكم والسخرية علي المنتسبين إليها.

الشيخ سلمان العودة

وتحت الضغط الإخواني والسياسي للنظام وللمؤسسة التقليدية السعودية صدر قرار بإبعاد محمد بن سرور عن المملكةعام 1973فخرج منها إلي الكويت حيث عمل بمجلة المجتمع الإخوانية، وهناك أسس دارا للنشر والطباعة باسم “دار الأرقم”، ثم سافر إلي بريطانيا ليؤسس هناك المنتدي الإسلامي مع محمد العبدة عام 1984 ومركز دراسات السنة، الواجهة التي يصدر عنها مجلة السنة والتي ستصبح لسان حال شباب الصحوة الجديد المعارض للنظام والمؤسسة الدينية. فيما بعد، خاصة مع حرب الخليج الثانية وقبول المؤسسة التقليدية الوهابية باستقدام القوات الأجنبية إلي أرض الجزيرة العربية وإقامة قواعد ثابتة لها في البلاد واتخاذها منطلقا لحصار العراق، وهو بلد عربي مسلم، ثم اتخاذ تلك القواعد للهجوم علي بغداد وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، وفي ليلة سقوط بغداد بدأ الجيل الثاني للسلفية الجهادية وتنظيم القاعدة في اتخاذ البلاد التي انهارت حكومتها ومؤسساتها مجالا لنشاطه.

الشيخ سفر الحوالي

ألف محمد سرور زين العابدين تحت اسم مستعار(عبد الله الغريب) كتاب “وجاء دور المجوس” محذرا فيه من إيران والتغلغل الشيعي في البلدان العربية، وتم توزيع الكتاب علي نطاق واسع في كل العالم العربي بما في ذلك مصر. وفي كتابه  دروس في السيرة النبوية” اعتبر أن الحالة المكية لا تزال قائمة وأن التعجل في مسألة المواجهة والجهاد لم يحن أوانه بعد، وهو هنا قريب جدا من فكر القطبيين القائم علي الدعوة والتبيين العقدي حتي يصل المجتمع إلي ما أطلق عليه عبد المجيدالشاذلي “البلاغ المبين”، بيد إنه كان يستند علي أسس سلفية متينة تقاوم التوقف والتبين، أحد مصطلحات القطبية،  كما تقاوم بقوة مسألة التكفير والحكم علي الناس.

هاجم السرورية الإخوانُ المسلمون لمنازعتها لهم علي الموارد الحركية والتعبوية بالمعني الواسع لمفهوم الحركات الاجتماعية، أي الأيديولوجيا والحشد والتعبئة والتنظيم والسرية والعمل الفضفاض تحت مظلة واسعة بدون ملامح مميزة في البداية كمسار للجذب وتوجيه الطاقات، وهاجمها الجامية لما اعتبروه تمردا علي تقاليد الطاعة والاتباع وعدم الإعلان بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأهم هو العمل الحزبي ذو الطابع المنظم، كما هاجمها علماء المؤسسة التقليدية لتحزبها وتسيسها والاهتمام بمسائل الواقع وقضايا العمل السياسي، وهاجمها السلفيون الجهاديون لعدم تبنيها للمواجهة المسلحة مع الأنظمة كما حدث عندما تدخل الجيش في الجزائر لتعطيل المسار الانتخابي هناك عام 1992وتنبيه السروريين لخطر الانجرار إلي المواجهة العنيفة.

نحن أمام حالة جديدة في العمل الإسلامي السعودي الحركي يقطع مع التقاليد المستقرة هناك بعدم الاهتمام بالسياسة وعدم الدخول في أي شكل للحزبية باعتباره خروجا علي سبيل المؤمنين، كما استندت تلك الحركة إلي قضايا جديدة مثل الحاكمية والقول بالخروج علي الحكام، وهي حالة تهجين بين السلفية والقطبية الإخوانية  متجاوزة الفكر الوهابي التقليدي السعودي القائم علي محاربة الصوفية والقبوريين ونشر التوحيد لإعادة المجتمع والناس إلي العقيدة السلفية الصحيحة.

انتقل محمد بن سرور بن نايف زين العابدين من لندن إلي الأردن ثم غادرها إلي قطر حيث توفي هناك عام 2016، ويمكننا القول إن الذي أعطي دفقة الروح والتمدد والتأثير للسرورية هو وجود قضية تتعلق بالولاء والبراء وفق الموقف السلفي وحرمة الاستعانة بجيوش أجنبية كافرة، وحرمة مجيئها من الأساس إلي جزيرة العرب ثم حرمة استخدامها أراضي الحرمين كمنطلق لضرب وحصار بلد عربي مسلم. هذه القضية هي التي أعطت الحياة والمعني للسرورية وأسست فيما بعد تحدي “الصحوة الإسلامية” التي استلهمت أفكارالرجل حين مقدمه إلي البلاد عام 1965واكتمل بنيانها وأفكارها وشبكاتها في السبعينيات والثمانينيات حتي منتصف التسعينيات .

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع، أتابع هذه السلسلة لما بها من معلومات شديدة الخطورة، وهي أيضًا معلومات جديدة يندر ترتيبها وتقديمها بهذا الشكل الرائع من الكتابة، والشكر للدكتور كمال على إحاطته تلك الإحاطة الشاملة بما يقدمه لنا، والشكر له أيضًا على مجهوده المبذول من أجل كتابة شاملة ومنطقية مانعة جامعة، وأنتظر كتابًا لسيادته في ذلك.

إغلاق