منوعات

صلاح جاهين.. راسم رباعيات الوطن

في سبتمبر من عام 1951، انتفض فلاحو قرية بهوت التابعة لمركز نبروه بمحافظة الدقهلية، ضد أسرة الإقطاعي البدراوي باشا عاشور، الذي هاجم رجاله بيوت القرية واستولوا على كل شيء، وقبضوا على أكثر من 50 فلاحا واحتجزوهم في قصر الباشا، بسبب تقاعسهم عن توريد القمح إلى مخازن أسرة الباشا الإقطاعي.

انتفض أهل القرية ضد باشوات الأسرة التي تملك أكثر من 36 ألف فدان في مراكز المحافظة، واتجهوا إلى قصر الباشا وحاصروه بالنار، واحتجزوا نازلي سراج الدين هانم زوجة محي البدراوي عاشور، فاتصلت بوالدها فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك، فأمر قواته من هجانة وعساكر بمحاصرة القرية.

بقيت القرية محاصرة 45 يوماً، ووقف عبد المجيد بك البدراوي عاشور، بجبروته وسط عساكر سراج الدين باشا وأطلق الرصاص فسقط أول شهيد، وقتل شقيقه عبد العزيز الشهيد الثاني، وفي البرلمان وقف النائب محيي الدين البدراوي عاشور، يسخر من عدد القتلى الهزيل وقال: “لو كنت حاضراً أثناء الحوادث لقتلت جميع الفلاحين، فهؤلاء فلاحون كلاب”.

قرر الشاعر الشاب محمد صلاح الدين بهجت جاهين زيارة القرية، ليشد من أزر أهلها.. هبط من السيارة التي أقلته إلى “بهوت”، ومضى مترجلا في طريق زراعي ينظر إلى الفلاحين الذين يعملون في الحقول ويلقي عليهم السلام، ودون أن يدري سالت دموعه على خديه، لإحساسه بالقهر الذي تعرض له هؤلاء البسطاء.

العامية من أجل البسطاء

حرص جاهين على حضور جلسات محاكمة فلاحي “بهوت” التي حولتها الصحافة إلى قضية كل مصري، تأثر الشاعر الشاب الذي كان يكتب شعره بالفصحى، فكتب قصيدة لكنه لم يرض عنها، فقرر كتابة غيرها بالعامية، لتصل إلى جمهور البسطاء الذين كتب من أجلهم، متأثرا بما قرأه من أشعار فؤاد حداد:

ياللي قاعدين ع المصاطب تنهجو ساعة المغارب

كل واحد فيكو حارب لاجل قوته وقوت عياله.. يوم بحاله

لما نور الفجر شقشق.. كل باب في الدرب زيَّق

واتبدرتو في كل مفرق تمشوا في وسط الكيمان ع الغيطان

واللي في الشبورة شافكو وأنتو فايتين لم عرفكوا

ياللي قاعدين عالبيبان كل مفرق من زمان

خشوا ناموا في أمان واستعدوا للكفاح في الصباح

لاقت القصيدة صدى كبيراً، ولأول مرة منذ كتابته الشعر يسمع صلاح جاهين إطراء من شعراء ومثقفين على شعره، فحسمت القصيدة قراره بالتحول من الفصحى إلى العامية.

كان جاهين قد تعرف على حداد من أبيات كتبها الأخير في سجنه قال فيها:

في سجن مبني من حجر.. في سجن مبني من قلوب السجانين

قضبان بتمنع عنك النور والشجر.. زي العبيد مترصصين

ما إن قرأ جاهين هذه الأبيات، حتى انبهر بها، وبدأ يبحث عن كاتبها، وعرف أنه شاعر مصري من أصل لبناني اسمه فؤاد سليم أمين حداد، انضم في سنوات شبابه إلى تنظيم “حدتو” الشيوعي، وتم اعتقاله لأسباب سياسية عام 1950. وكما تأثر صلاح بتجربة حداد الشعرية، أعجب بفن زكريا الحجاوي الشعبي الذي عبر عن طوائف الشعب كافة.

فؤاد حداد

في يوليو من عام 1946 أغلقت الحكومة عددا كبيرا من الصحف والمجلات، وأغلقت أبواب الاتحادات والنوادي، واعتقلت عددا من الكتاب منهم محمد مندور وسلامة موسى وأنور عبد الملك ومحمد زكي عبد القادر، وعددا من نشطاء منظمة “حدتو”، وفي مقابل التضييق الحكومي تأسس “مكتب الأدباء والفنانين” وانضم إليه صلاح ومعه عدد كبير من الفنانين والأدباء والمخرجين، من بينهم: أحمد كامل مرسي، وصلاح أبو سيف، وحسن فؤاد، وصلاح حافظ، وعبد الرحمن الخميسي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وفؤاد حداد، ويوسف إدريس.

في عالم الكاريكاتير

كان جاهين في تلك الفترة يعمل في عدد من الصحف كمخرج فني للصفحات، وفي جريدة “بنت النيل” سمح له رئيس التحرير باستخدام رسوماته في بعض الصفحات، وكما تأثر في الشعر بفؤاد حداد تأثر في الرسم بخطوط رسام الكاريكاتير عبد المنعم رخا، لكنه لم يقع في فخ التقليد.

لم تمر أشهر عدة على ثورة فلاحي “بهوت”، حتى وقع حريق القاهرة في 26 يناير 1952، الذي أثر على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتم تشريد آلاف العمال والموظفين انتفض جاهين بحسه الوطني وانحاز إلى البسطاء وكتب:

أنا لوحدي مفيش حاجة.. مجرد اسم متشخبط على ورقة

في إيد واحد مدير أصله قومسيونجي.. يقدمها لتركي والا لخواجة

لا يعرف عربي ولا شفقة.. يروح ماضي بقلم باركر بالافرنجي

أروح مرفود

انتظر صلاح جاهين الفجر الذي ينهي عقود الظلم، وما هي إلا شهور قليلة، وأسدل الستار على حكم العائلة العلوية على يد مجموعة من ضباط الجيش الأحرار تحركوا ليلة 23 يوليو عام 1952، ليعلنوا عزل الملك فاروق، فأصبح جاهين “أسعد إنسان في العالم بثورة الغلابة” على حد تعبيره.

صوت الثورة

ذهب جاهين بعد ثورة يوليو إلى قبر جده لأبيه الصحفي المناضل أحمد حلمي الذي سقاه الوطنية وعلمه في سنوات عمره الأولى معنى الحرية، وقف أمام القبر وقرأ الفاتحة لجده وتحدث إليه وزف إليه الخبر الذي عاش حياته يناضل من أجله، خبر الثورة.

صار جاهين شاعر الثورة وصوتها، بل صوت مصر، بسطائها وفقرائها. بعد أقل من شهرين من قيام الثورة قرر جمال عبد الناصر أن تكون “بهوت” أول قرية يطبق فيها قانون الإصلاح الزراعي وسلم فلاحيها عقود ملكية الفدادين الخمس، فكتب جاهين:

الْقَمْحْ مِشْ زَىّْ الدَّهَبْ.. الْقَمْحْ زَىّْ الْفَلاَّحِيْنْ

عِيْدَانْ نَحِيْلَهْ.. جَدْرَهَا بْيَاكُلْ فِي طِيْنْ

زَيّْ إسْمَاعِينْ وِمْحَمَّدِينْ.. وِحْسِين أَبُو عْوِيْضَهْ اللِّي قَاسَى وِانْضَرَبْ عَلشَانْ طَلَبْ

حِفْنِةْ سَنَابِلْ رَيَّهَا كَانْ بِالْعَرَقْ

حققت ثورة يوليو جملة من المطالب الاجتماعية والاقتصادية للبسطاء من الفلاحين والموظفين الذين دافع عنهم جاهين، فتحولت إلى مصدر إلهامه، وكتب الكثير من الأغانى التي تمجدها وحول الخطاب الناصري القومي إلى أشعار تغنى بمعظمها العندليب عبدالحليم حافظ.

كرمه جمال عبدالناصر فى عيد العلم عام 1965، ومنحه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وبعد النكسة دخل في حالة من الاكتئاب، تعمقت أكثر برحيل عبد الناصر في سبتمبر عام 1970.

دروس الجد

ولد محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمى جاهين، الشهير بـ”صلاح جاهين”، فى 25 ديسمبر 1930، بشارع جميل باشا بحى شبرا بالقاهرة، ولمولده حكاية، فقد ولد صامتاً وساكنا لا يتحرك، وغلب على جسده اللون الأزرق، فظنت الداية أنه ولد ميتاً، فما كان منها إلا أن وضعته أسفل السرير، لحين الاطمئنان على صحة الأم، ثم تسلمه لوالده، وحين سألت الأم على مولودها، وقبل أن تخبرها المولدة بأنه ولد ميتاً، مدت يدها لتتناوله من أسفل السرير، لتتفاجأ به يركلها بقدميه.

الطفل صلاح جاهين

ونتيجة لعمل والده بالقضاء وانتقاله من مدينة إلى أخرى، ارتبط الحفيد صلاح بالجد الصحفى أحمد حلمى، حكى الجد للحفيد، كيف دخل الإنجليز مصر، وجهاد المصريين من أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد، إلى سعد زغلول ضد الاحتلال الإنجليزى، وروى له كفاحه في سبيل الاستقلال والحرية ودخوله السجن وملاحقة الحكومات المتلاحقة له.

كما علم الجد للحفيد القراءة، فتفتح وعي صلاح على مكتبة الجد وحكاياته، إلى أن مات الصحفي المناضل أحمد حلمي في 1936، فعاد جاهين إلى حضن والده القاضي ووالدته المعلمة، يلف معهم مدن ومراكز أسيوط والغربية، محل عمل والده.

الصحفي المناضل أحمد حلمي

سبع صنايع

طرق جاهين أبواب عدد من الفنون فكتب الشعر بالفصحى والعامية وكتب الأغانى وغنى من بعض كلماته، ورسم الكاريكاتير، وكتب سيناريو الأفلام، وكتب المقالات الصحفية، وقدم أسماء كبيرة في الشعر والأدب، على رأسها عبد الرحمن الأبنودى، وشارك في مشاهد أفلام كتبها.

تزوج صلاح جاهين مرتين: الأولى كانت من سوسن زكى الرسامة فى مؤسسة “دار الهلال” وأنجب منها أمينة وبهاء الذى سماه تيمنا بالكاتب أحمد بهاء الدين، والمرة الثانية من الممثلة منى قطان ابنة زميلته الصحفية الفلسطينية التي كانت تعمل في “الأهرام” جاكلين خوري، وانجبت له ابنته الصغرى سامية عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.

صلاح جاهين وزوجته منى قطان وبعض الأصدقاء في أحد الاحتفالات بليلة رأس السنة.

كتب جاهين فيلم “خلى بالك من زوزو” لزوجته الثانية منى قطان قبل أن يستقر صناع الفيلم على سعاد حسني، فشاركت زوجته بدور مساعد فى الفيلم الذي يعد أحد أكثر الأفلام رواجاً فى السبعينيات وتجاوز عرضه 54 أسبوعاً متتالية.

أنتج صلاح جاهين العديد من الأفلام التي خلدتها السينما المصرية، مثل “أميرة حبى أنا”، و”عودة الابن الضال”، وعمل محرراً فى عدد من المجلات والصحف، وقام برسم الكاريكاتير فى مجلتى “روزاليوسف” و”صباح الخير” ثم انتقل إلى “الأهرام”، وشارك كممثل في مشاهد من أفلام “لا وقت للحب” و”المماليك” و”اللص والكلاب”.

وقف الشريط صلاح جاهين بصوت سعاد حسني

رباعياته الخالدة

رباعيات جاهين هي درة تاج أعماله، وتجاوزت مبيعات إحدى طبعات الهيئة المصرية العامة للكتاب لها أكثر من 125 ألف نسخة خلال بضعة أيام، لحن الرباعيات الموسيقار الراحل سيد مكاوى وغناها على الحجار.

ألف جاهين ما يزيد على 161 قصيدة، منها “على اسم مصر”،  و”تراب دخان” التى ألفها عقب نكسة يونيو 1967. وقصيدته الشهيرة “الدرس انتهى.. لموا الكراريس” عن مذبحة مدرسة بحر البقر عندما قصفت إسرائيل تلك المدرسة الابتدائية بإحدى قرى الشرقية واستشهد فيها أكثر من 30 تلميذا وتلميذة، وكتب أوبريت “الليلة الكبيرة” الشهير.

فى الفيلم التسجيلى “العبد لله والناس” يحكي جاهين عن قصة حياته ويقول: “أبويا كان وكيل نيابة وقاضى والجماعة دول بيتنقلوا كتير.. كل شوية فى بلد.. لفينا القطر كله، بلد تشيلنا وبلد تحطنا، نعزل من بيت ندخل فى بيت ونحول من مدرسة لمدرسة.. 12 سنة على ما أذكر. الحقيقة دى فجرت الفن فى إحساسى وأثرت على جدا من ناحية الطبيعة وجمالها والشعب فى أعمق أعماقه بتقاليده وعاداته، أساطيره وأغانيه ورقصاته لدرجة أن أول حاجة ظهرت لى أول ما جيت القاهرة “سوق بلدنا” صورة غنائية شعبية عن الأسواق اللى بتتعمل كل أسبوع فى الريف وكان من حظى أن الاستاذ صلاح أبوسيف أخرجها فى فليم قصير للسينما”.

وعن حكايته مع الصحافة يقول جاهين: “ابتديت فى المجلات الاسبوعية “روز اليوسف” و”صباح الخير”، كنت برسم يوم الخميس اللى الناس هيشوفوه يوم الاثنين.. كان صعب جدا أن الواحد يخمن إيه اللى هيكون مهم يوم الأثنين اللي جاي.. امال إيه اذا كنت انا فى جريدة يومية وباضطر أغير الرسم بالليل لو حصلت حاجة مهمة بشرط أن تحدث قبل 9 مساء علشان بعد كده خلاص مش ممكن.. بقالي فى الأهرام دلوقتي أكتر من 10 سنين قابلت فيهم الجمهور وسمعت منه تعليقاته على شغلي حوالي 4 آلاف مرة لحد ما أصبح رأي الناس عندي نوع من المزاج”.

سأله زميلنا أنور عبد اللطيف في حوار نشر في “الأهرام” عام 1986، عن علاقته بالرئيس عبد الناصر فقال: “علاقتي بعبد الناصر كانت علاقة مرضية.. أن تحب شخصا لدرجة أن يتغلغل في نفسك ويكون جزءا من تكوينك السيكولوجي ويتحول إلى حالة نفسية عندك.. ويصبح ارتفاع الشخص أو انخفاضه أو انهياره أو انتصاره وهزيمته ينعكس عليك.. فهذه ولاشك حالة مرضية.. إذ لا يجب ولا يصح أن يتعلق إنسان بآخر إلى هذه الدرجة.. لذلك بعد أن مات أبويا عبدالناصر، أصبت بنوع من اليتم”. باغته الصحفي بسؤال: كيف كنت تنظر إلى زوج الأم؟ في إشارة إلى الرئيس السادات، فأجاب: “كنت مثل كل من أحبوا عبدالناصر ننظر إلى زوج الأم الجديد بتبرم في البداية ونتساءل في أنفسنا مستنكرين هل هذا هو الذي سيحل محل بابا؟ كنا نتحاشاه كما يتحاشى الولد زوج أمه.. وهو بدوره لم يترك الأمور تمر.. كان يحب التدخل في حياة الآخرين إذ لا تلبث وأنت في عزلتك أن تشعر بوجوده.. وكان يأتي بأفعال عكس أبونا بل ضده.. وإذا كنت لا تعرف العنف.. تكتئب.

وعن سنوات حكم السادات قال جاهين: “أقسم بشرفي لقد سقط من ذاكرتي 10 سنوات بالكامل، وأنا عندي في رأسي جدول وهمي أسجل فيه تاريخ مصر من أيام الملك مينا، وعصر بناة الأهرام له مكان عندما أغمض عيني أشاهد عملية البناء، لكن الفترة من 1970 حتى 1981 انطمست من ذاكرتي تماما سواء على المستوي الشخصي أو العام، وبعد أن انتهت وجدت نفسي كالخارج من وراء سحابة أو نفق أو عملية جراحية ووجدت الناس ينظرون لي ولسان حالهم يقول: العملية انتهت احنا اشتغلنا فيك شغل”.

غضبة جاهين

قبل رحيله بأيام أجرت معه جريدة “الأهالي” لسان حال حزب التجمع حوارا، ونشرته تحت عنوان: “أخيرًا.. كشف صلاح جاهين عن دخيلة نفسه للأهالي.. كان يعيش طوال الستينيات في أكذوبة كبيرة”، فسارع صلاح بالاتصال بالجريدة، التي اعتذرت له إدارتها وبادرت بنشر ما أرسله إليهم من تصحيح جاء فيه:

“لا لأني أفزع من النقد، ولكن ما كُتب لم يكن نقدًا بل شيئًا عجيبا، وهو شكل من أشكال الكتابة الصحفية جديد بالنسبة لي.. وبدأت خطابات الشباب تصلني غاضبة عاتبة مجروحة ولهم العذر، وإليهم ما حدث بالضبط. جاءني شاب من جريدة الأهالي وأجرى معي حديثًا صحفيًّا طويلًا، تناولنا فيه جميع النواحي التي تهم قارئ صفحة الثقافة، وكان من بين أسئلته: لماذا لم تعد تكتب أغاني وطنية؟

– أنا ظللت أكتب أغاني وطنية وسياسية إلى أن أوقفت الإذاعة تكليفي بكتابتها، واذكر من بينها «عمال أبو زعبل» و«بحر البقر» و«محاكمة لوكوللوس».

أقصد لماذا لم تعد تكتب أغاني كالأغاني التي كانت تظهر في أعياد الثورة؟

– الحقيقة أنني بعد النكسة أُصبت بصدمة أحدثت لي نوعًا من الشلل، ثم أخذت أسأل نفسي: هل أخطأت بكتابة هذه الأغاني المتفائلة؟ ألم أشترك أنا والكثيرون غيري في خلق أكذوبة خدرت أعصاب الجماهير حتى صدمهم الواقع؟

هذا هو ما دار بيني وبين الشاب حول هذا الموضوع، وأنا لا أجد فيه ما أخجل منه. إن اليقظة والضمير الوطني والنقد الذاتي كلها صفات يُحمد الإنسان عليها. ولكن ربما استرعت انتباه بعض الأصدقاء في الحوار الصحفي كلمة “أكذوبة” بين سطور حديثي، فانتزعوها من مكانها وصدَّروا بها فقرة ظالمة، انهالت فوقي تبكيتًا وتعنيفًا من قبيل: “وهل السد العالي أكذوبة يا أستاذ؟”، إلخ.

وأضاف جاهين في رسالته: “للشباب الذي أحزنَته هذه الفقرة أحب أن أؤكد الآتي: إنني مؤمن بثورة 23 يوليو إيمانًا لا يتزعزع. إنني مؤمن بعبد الناصر ومحب له كمؤسس لمصر الثورة، مصر التصدي للاستعمار، مصر القطاع العام، مصر التصنيع وكهربة الريف، مصر العمال والعاملات، مصر الإصلاح الزراعي، إلى آخر النواحي المشرقة التي حققناها في عصره العظيم. ولكنني تعلمت ودفعت غاليًا لأتعلم أنه في كل العصور، وحتي في عصر عبدالناصر، كانت هناك الفئران التي تنخر في أساس البناء، وأن الذي لا يلتفت وينتبه إليها، يحدث له ما حدث لي من صدمة واكتئاب وندم وضياع. ربما لا يفهم الشبان هذا الألم، لأنهم لم يصادفوه بعد، وأرجو ألا يصادفوه، وإن صادفوه، أرجو بدلًا من أن يكتئبوا ويضيعوا أن يواصلوا النضال”. كتب جاهين قصيدته الشهيرة “على اسم مصر” في ليلة 16 إبريل 1986، ليلة الغارة الجوية الأمريكية على ليبيا التي سقط فيها مدنيون، دخل بعدها في غيبوبة الموت، ليرحل في 21 أبريل 1986.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق