فن

صلاح أبو سيف.. سينما تنتصر لأحلام وطن

من السهل أن تصبح مخرجاً سينمائياً لكن من الصعب أن تكون علامة للإخراج السينمائي بالمعنى الحقيقي للمصطلح، أي أن تصبح ذاك المخرج الذي يملك رؤية وفلسفة وقدرة فائقة على مزج أفكاره المتألقة مع حرفية الإخراج المتقن بأفضل الأدوات والتفاصيل في لغة سينمائية متفردة.. هذه هي قيمة صلاح أبو سيف في عالم السينما الذي تربع فيه على قمة فنية عالية لا يطالها أحد وحاز حب جمهور عريض عشق ما أبدعه من أفلام سكنت وجدان وطن بأكمله.

ولد أبو سيف في حي بولاق الشعبي العريق بالقاهرة  عام ١٩١٥، لعائلة تنحدر من مركز الواسطي بني سويف، جنوب مصر. ظروف نشأته المبكرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ونضجه شابا في مرحلة الحرب العالمية الثانية، كانت بمثابة ذخيرة من الأحداث العظمي التي شكلت وجدانه وتكوينه الفكري منذ صغره. وبينما كان العالم المشتعل على خلفية ويلات الحرب يفرز فلسفات ونُظم ورؤى جديدة ومتمردة، كان أبو سيف هو بصمة التمرد في السينما المصرية التي عاشت من خلاله عصراً ذهبياً لا تزال أجيال متعاقبة تنهل من إبداعه.

شخصية صلاح أبو سيف السينمائية نتاج ثقافة سينمائية متفردة نهلت فنون صناعة السينما من كل منابعها، بداية من القراءة الواعية لإبداعها العالمي، والدراسة المتعمقة لفنون الكتابة والسيناريو والتصوير والموسيقى والمونتاج في مصر، ثم في فرنسا التي عاد منها بعد الحرب العالمية الثانية وقد رسخت خبراته بكل أدوات الفن السابع وبدا مؤهلا لتقديم بصمته الخاصة في السينما العربية والعالمية أيضا.

قدم أبو سيف أولى تجاربه الإخراجية في العام 1946 مع فيلم ” دايماً في قلبي” المقتبس عن الفيلم الأجنبي “جسر وترلو”، ليبدأ به مسيرة امتدت على مدى خمسة عقود من الفن الساحر.

فيلم “دايما في قلبي” 1946

النقلة الحقيقية في سينما أبو سيف جاءت بعد عودته من إيطاليا التي سافر إليها لتصوير أحد أعماله وعاد منها محملا بإلهام ثورة السينما الواقعية الإيطالية العريقة والاستثنائية، التي لامست وجدانه الإنساني الثري بخبرات النشأة الشعبية وسط هموم المصريين وطموحهم في حياة تليق بهم، والتي ترجمها صلاح أبو سيف في تأسيسه للسينما الواقعية المصرية التي أعطى لها كل عمره منذ منتصف الخمسينيات وحتى آخر أفلامه “المواطن مصري” في تسعينيات القرن الماضي.

أهمية أبو سيف وما تمثله ثورته السينمائية في مصر والعالم العربي تتضح بجلاء لدى مقارنة إنتاجه بما سبقه من أفلام نمطية غارقة في الرومانسية والخيال والأكليشيهات المحفوظة عن الأخلاق والمُثل العليا وصور الحب الكلاسيكي في أوساط الطبقات المترفة غالبا.

حمل أبو سيف كاميرته إلى قلب حياة المهمشين في واقع طالما عايشه بكل ما يموج به من أحلام وصراعات وطموحات ليعيد تقديمه لنا ببراعة واقتدار من خلال سينما أصيلة معبرة، وربما يفسر ذلك تلك العلاقة الوثيقة التي ربطت بين صلاح أبو سيف والروائي الكبير نجيب محفوظ، الذي تعلم تقنيات كتابة السيناريو على يد أبو سيف، ليبدعا معا عدة أفلام استثنائية تحمل توقيعهما معا، ربما كانت الأروع في تصوير حال المجتمع المصري وما طرأ عليه تطورات متلاحقة.

في مشواره الطويل قدم صلاح أبو سيف ٤١ فيلماً، صنف ١١ فيلما منهم ضمن الأفضل في تاريخ السينما المصرية، وكان لأفلامه الأثر الأكبر في إعادة تقديم السينما المصرية إلى المهرجانات العالمية عبر مشاريع سينمائية واقعية رائدة حفرت اسم صاحبها ضمن قائمة أهم المخرجين في تاريخ السينما العالمية.

تميزت واقعية أبوسيف بأداء فني مقتدر ولغة سينمائية متقنة وقدرة على الإبهار بجماليات العمل ليخرج كقطعة فنية ناطقة بحياة المصريين البسطاء بمعالجة سينمائية ساحرة تسمو على المبالغات في تصوير عورات المجتمع أو الوقوع في السرد الوثائقي أو نقل القبح المباشر في متاجرة بآلام البسطاء وفضح لسترهم.

في فيلم “القاهرة ٣٠” مثلا نجد أنفسنا أمام مجتمع غارق في وحل التحلل الأخلاقي والفقر وسطوة نفوذ أصحاب السلطة ورأس المال، يفرض التهميش على كل من يخالف منظومة القيم المختلة الحاكمة، وبالتالي يؤسس لإعلاء قيم الوصولية والانتهازية كسبيل وحيد لاقتناص فرص الترقي الاجتماعي، كما تصورها حالة “محجوب عبد الدايم” بطل الفيلم في بحثه عن فرصة عمل تنتشله من الفقر والبطالة، فلا يجدها إلا في الرضوخ لإملاءات صاحب النفوذ والسلطة الباحث عن غطاء لنزواته مع عشيقه اضطرتها ظروفها البائسة أيضا أن تسلم له نفسها بموافقة أسرتها. ورغم ذلك لم تنزع معالجة أبو سيف لهذا الواقع البائس إلى جلد من أوقعتهم الظروف في معاناته، بل قدمهم إلينا كحالات تجسد الضعف الإنساني في مجتمع مختل القيم لا يعرف الرحمة.

مشهد من فيلم القاهرة 30

وفي “الزوجة الثانية” تظهر سطوة العمدة المتسلط على الأهالي، الناهب لحقوقهم بمساعدة مأمور القسم ورجل الدين المنافق، الساعي لتطليق زوجة من زوجها الفقير لمجرد أن تحقق له حلمه في إنجاب ولد يرث ثروته ونفوذه. تفضح معالجة أبو سيف هنا بسلاسة فنية عبقرية قسوة الظلم الاجتماعي للفئات المطحونة في مجتمع زواج الثروة والسلطة، ويجعلنا نتعاطف بشدة مع أبو العلا وزوجته في تلك المحنة، بل يفتح لنا أبواب الأمل في الانتصار عليها في النهاية بقدر من المقاومة المتاحة في مواجهة أوضاع بالغة القسوة.

مشهد من فيلم الزوجة الثانية

أما أكثر الحالات الفنية تمرداً في أعمال أبو سيف السينمائية فتجسدها شخصية شفاعات في فيلم “شباب امرأة”، تلك المرأة المتصابية المتسلطة التي يدفعها الشبق الجنسي إلى الإيقاع بذلك الشاب الفقير البائس القادم من الريف لاستكمال دراسته بالجامعة، الذي يرضخ لإغوائها فيهمل دراسته ويبتعد عن الفتاة التي كان يسعى للارتباط بها، وإن كان أبو سيف في النهاية يفتح لنا طاقة الأمل بتلك النهاية المأساوية لشفاعات وعودة البطل إلى حبيبته. ورغم تطرق أبو سيف هنا لقضايا شائكة مثل الجنس والرغبات الشهوانية الجامحة التي لا يخلو منها مجتمع، إلا أنه قدم ذلك بمعالجة إنسانية راقية تسمو على الابتذال الذي نشاهده في نماذج السينما التجارية الرائجة.

مشهد من فيلم شباب امرأة

المفارقة أن أبو سيف ظل واقعيا حتى في رومانسيته،  كما شاهدنا في فيلم “الوسادة الخالية” عبر قصة حب رومانسية لم يمكنها الصمود إلى النهاية في تحدي قيود المجتمع وتقاليده الصارمة.

ذلك الأداء العبقري لمخرج استثنائي اختار أن يقدم سينما تعبر عن وطن كان طبيعيا أن يكتب الخلود لأعماله في وجدان كل من شاهدها ولا يمل أبدا من تكرار مشاهدتها. ومن منا يمكن أن يمل من مشاهدة روائع أبوسيف الخالدة، مثل: شباب امرأة، الفتوة، المنتقم، بين السماء والأرض، الأسطى حسن، الزوجة الثانية، بداية ونهاية، القاهرة ٣٠، المواطن مصري، وغيرها من درر فنية شاهقة تؤرخ لوطن بأكمله، استحق عنها بجدارة أن يكون المخرج الأهم في تاريخ السينما المصرية والعربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق