الحدث

سباق داعش والقاعدة لاستقطاب شباب الإخوان والسلفيين

لم تكن مصادفة تلك الهجمة الشرسة من تنظيمي القاعدة وداعش على جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية التي انخرطت في العملية السياسية بعد ثورة 25 يناير 2011، أو تلك التي استمرت في المشاركة بعد ثورة 30 يونيو 2013، وخاصة ذلك الهجوم الذي استهدف جماعة الدعوة السلفية، وذراعها السياسي “حزب النور”.

ثمة هدف محدد وراء تلك الهجمات التي يشنها قادة التنظيمين الإرهابيين الأخطر في العالم من وقت لآخر ضد الإخوان والجماعات السلفية، وهو محاولة إرث حواضن تلك الجماعات التي باءت بالفشل في تجربتها السياسية، وأضحت بلا رؤية أو معالم فقهية واضحة، أو حتى هياكل تنظيمية متماسكة، أو رموز دعوية ما زالت تتمتع بالصلابة في أعين الأتباع والمقتدين.

وعندما ظهر نجل القيادي الإخواني عمر الديب، كمقاتل بين صفوف المبايعين لداعش في سيناء، نظر إليه أغلب المراقبون على أنه مجرد تكذيب لإعلام جماعة الإخوان التي أصرت على نفي الرواية الأمنية التي أكدت مقتل الشاب، بعد اشتباكات معه وخليته في إحدى أحياء الجيزة، لكن المغزى الحقيقي كان في الرسالة التي أرسلها التنظيم للجماعة، وهي: إننا قادرون على استقطاب شبابكم، بعد أن سقطتم ومنهجكم في أعينهم، وبتنا نحن الخيار الناجع والوحيد”، وهي بلا شك رسالة خطرة، تلزم البحث في طبيعة ومآلات الكيانات الإسلاموية المتهدمة وسيرورتها في المرحلة المقبلة.

القيادي الاخواني ابراهيم الديب                                       نجله عمر الديب المنضم لداعش

عندما بث تنظيم داعش ذلك الفيديو اللافت عن “حماة الشريعة”، بدا واضحا تركيزه على أفكار الحاكمية، التي تقتضي، وفق مفهومه، منع أي انتخابات ديمقراطية باعتبارها تحاكم لغير شرع الله، فهذا ما تلح عليه تلك التنظيمات في أحايين كثيرة، لكن اللافت للنظر هو محاولته توجيه ضربات لجميع خصومه من الإسلاميين، وعلى رأسهم الإخوان والسلفيين.. إذ يذهب التنظيم هذه المرة إلى محاولة الانقضاض على إرث الجماعات التقليدية بعد حالة التيه الهوياتي للإسلاميين ما بعد رابعة والنهضة.

لاشك أنه أثر عليهم لصالحه، عبر سوقه للعديد من المقولات المتناقضة لقادتهم، الذين كانوا يحرمون الديمقراطية من قبل، فإذا بهم يجوزونها قربانا للإخوان المسلمين الذين خدعوهم وسولوا لهم إمكانية سيطرتهم على الدولة المصرية، ورفع شعار الديمقراطية إلى حين، حتى تأتي لحظة التمكين الفاصلة، فيكشفون عن منهجهم الأصلي في الاستبداد واحتكار السلطة لصالح  مفهومهم الأحادي… هنا يثبت الدواعش أن استراتيجية الإسلاميين هذه لم تؤت ثمارها، بل الثمرة تأتي بالقتل والقتال والإرهاب المسلح الخالص.. وبذلك يسحبون البساط من تحت أقدام خصومهم، ليتفردوا بالمشهد وحدهم… يفعل الداعشيون والقاعديون ذلك بعد أن طمعوا في إرث تلك الجماعات المنكوبة والضائعة.

لم يكن التنظيم يوجه بذلك ضربه للإخوان فحسب، إذ إنه بين كذبهم وادعاءاتهم، وأثبت الرواية الأمنية المصرية، بل الأخطر تمثل في الرسالة التي وجهها هؤلاء المبايعون للبغدادي، بأنهم باتوا قادرين على ضم عناصر الإخوان، على مستوى أبناء القيادات، وأن يجندوهم في تنظيمهم.. الرسالة بوضوح التي أراد هؤلاء إيصالها، هي أن منهجهم “التكفيري” بات هو الأصلح لدى كثير من الحواضن الشعبية للإسلاميين على كافة تنويعاتهم.

الظاهرة ليست جديدة، فبعد ثورة 30 يونيو 2013، ألقت أجهزة الأمن المصرية، القبض على، يحيى المنجي سعد حسين، وهو نجل قيادي إخواني في محافظة الدقهلية، على خلفية تأسيسه وآخرين فرعا جديدا لجماعة أنصار بيت المقدس في منطقة الدلتا، حيث اعترف الشاب بشكل مفصل عن كيفية استهداف مبنى مديرية أمن الدقهلية عبر سيارة يقودها انتحاري… فعل التنظيم في سيناء ذلك قبل ثورة يونيو، حيث كشف عن أنه استطاع تجنيد أعضاء من جماعة الإخوان، وحازمون.

كما أن الانتحاري منفذ الهجوم على الكنيسة البطرسية، في أواخر العام 2016م، محمود شفيق، كان خارجا لتوه من السجون المصرية على خلفية انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه كان نجح في التسلل للانضمام لتنظيم ولاية سيناء.

يلعب التنظيمان “داعش – القاعدة” على نسف الديمقراطية كمفهوم في عقل الإسلاميين، والربط بينها وبين عبادة الأصنام و”الديمقراطية صنم العصر”.

الراصد للخطاب الداعشي يلحظ بوضوح محاولة تعرية الجماعات الإسلامية التي وافقت على المشاركة في العملية الديمقراطية بعد 25 يناير، في محاولة منه لخلق حواضن شعبية محتملة له في صفوف تلك التيارات أو الموالين لها، أو لبدء التهيئة والتوطئة الشرعية والفكرية- كما هي عادته- قبيل شن ضرباته التي يذهب ضحيتها مئات المدنيين.

لاشك أن هناك تحولا في استراتيجية التجنيد لدى الجماعات العنفية، ففي وريقاته عن “كيفية تجنيد الأفراد في التنظيم” حثّ عبدالله العدم، أحد منظّري القاعدة، الجماعات السلفية الجهادية، على الابتعاد عن تجنيد من يثبت انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أنّ هذه القاعدة يبدو أنّها أسقطت، أو تعرضت لتغيرات، بعد “الربيع العربي”، أو أخذت منحى جديدًا بعد ثورة ثلاثين يونيو  في مصر؛ حيث اقتربت أجنحة وشرائح من داخل الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان، من تخوم الأيديولوجية الجهادية، ومارست العنف المسلح، بعد الإطاحة بنظام الرئيس الإخواني الأسبق، محمد مرسي، وما تبع ذلك من فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة، ما فتح شهية “داعش”، و”القاعدة” لمحاولة إرث الحالة الإسلاموية المنكوبة، واستثمار فشلها في التوظيف في مسارات العنف المسلح الخالص.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق