رؤى

قصة الجماعة الليبية المقاتلة (1)

عقب اندلاع أحداث العنف والفوضى في ليبيا في العام 2011، تأثرا برياح ثورات الربيع العربي، لجأ العقيد معمر القذافي إلى معقله في باب العزيزية، وظل معتصما هناك معتزما ألا يغادره، حتى سمع قذائف الهاون ودانات المدافع تتساقط بجانبه مدوية.. عندها أدرك أن جحافل المليشيات قد اقتربت منه.

كان القذافي حريصًا على معرفة القائد الذي يدك حصنه المنيع، فأجابه بعض من كان حوله: إنه عبدالحكيم بلحاج، زعيم الجماعة الليبية المقاتلة. لم تكد تلك الجماعة أن تنتهي حتى تولد منها المليشيات وعشرات من أمراء الحرب، بدأت بذرة هذه الجماعة في النمو منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي وبالتزامن مع بزوغ نجم التنظيمات الجهادية في مصر.

النشأة

في سبعينات القرن الماضي، حملت الرياح فيروس التكفير من القاهرة متوجها نحو ليبيا، عابرا بحور الرمال لتحط في طرابلس وبني غازي وبرقة ومنها إلى الجبل الأخضر والكفرة.

فعلت معالم سيد قطب فعلتها، وبدأت أول خلية “جهادية” في التشكل على يد علي العشبي ومعه ثمانية من رفاقه، ما لبث أن فككتها الأجهزة الأمنية الليبية واغتالت عناصرها الــ9.

وفي عام 1989م استطاع عوض الزواوي تشكيل جماعة أخرى أطلق عليها “حركة الجهاد”.. فاعتقل هو أيضا، وفي نفس العام شكل أحد أنصاره وهو محمد المهشهش الملقب بــ” أبو سياف” تنظيما يدعى” حركة الشهداء الاسلامية”.

بعدها انتقل العديد من الشباب الليبي من ذوي التوجه الجهادي إلى أفغانستان ملتحقين بتنظيم “الاتحاد الإسلامي” الذي يترأسه القائد الأفغاني عبد رب الرسول سياف.

نشط الجهاديون الليبيون في معسكر يعرف بمعسكر سلمان الفارسي في منطقة من مناطق القبائل الباكستانية على الحدود مع أفغانستان. كما نشطوا في معسكرات أخرى في قندهار وخوست وغيرهما.

وفي 1990م تأسست فعليا الجماعة الليبية المقاتلة التي كان من أبرز أهدافها عودة عناصرها إلى ليبيا والإطاحة بالعقيد معمر القذافي. ولدت نواة الجماعة الليبية المقاتلة إذن في أفغانستان بمبادرة من شباب مقاتلين وجدوا أنفسهم عند نهاية الحرب وانسحاب القوات السوفييتية ـبين خيارين إما العودة إلى بلادهم، أو مناصرة طرف من الأطراف التي صارت تتصارع على الحكم في كابول.

صاروا عرضة لمضايقات ومطاردات، إثر نشوب حرب أهلية بين فصائل المقاتلين الأفغان فتأزمت أوضاعهم كبقية إخوانهم من المقاتلين العرب الذين زحفوا من بلدانهم للمشاركة في زخم الجهاد الأفغاني بمباركة غالبية الدول العربية والغربية على حد سواء.

كان عليهم البحث عن ملاذات آمنة فكان اختيار السودان، بعد ما وفر نظام عمر حسن البشير المتحالف مع الجبهة القومية الإسلامية وزعيمها حسن الترابي ساحة مثالية للأفغان العرب، وتحولت السودان وقتها إلى مركز استقطاب لعدد كبير منهم.

التمركز في السودان

وجدت الجماعة الليبية المقاتلة أرضية خصبة للانتشار في الداخل الليبي بحكم الحدود السوادنية الليبية المتلاصقة  فشرعت في إعادة أحياء خلايا السرية النائمة. لم تفكر في المواجهة العاجلة مع نظام “القذافي” وإن عملت على الاستعداد لإسقاطها دفعة واحدة ريثما يتسنى لها ذلك.

كان أول أمير للجماعة يدعى عبد الغفار واسمه الحقيقي مفتاح المبروك الذوادي، لكن إمارته لم تستمر طويلا فقد اعتقل في مصر وسلِّم إلى النظام الليبي العام 1992.

مفتاح المبروك الذوادي

ودخل من السودان عدد من أتباع الجماعة سِرّا إلى ليبيا وأشرفوا على تدريب مجموعات مقاتلة؛ تجمع بين من عادوا من القتال ومراكز التدريب في أفغانستان ووزيرستان وشباب ليبيين عبأهم الخطاب الحماسي الجهادي وهيأهم للمواجهة.

لكن هذه الفترة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما توصل نظام العقيد معمر القدافي ونظام الفريق عمر البشير إلى اتفاق لتبادل المجرمين، على إثره أمرت السلطات السودانية كل عناصر الجماعة المقاتلة بمغادرة البلاد، ما حدا بهم إلى الانتشار في عدد من الدول المغاربية والخليجية والأوربية، كالجزائر وموريتانيتا والسعودية واليمن وتركيا وسوريا والأردن.

التمدد في الجزائر

عندما كانت تنشط تلك الجماعة خلايا مسلحة في الداخل الليبي لمواجهة نظام القذافي كان الوضع في الجارة الجزائر ملتهبا بعد توقيف المسار الانتخابي هناك مطلع التسعينات من القرن الماضي، ظهرت الجماعة الإسلامية المسلحة “جيا” كأقوى التنظيمات المسلحة التي خاضت صراعا دمويا ضد النظام الجزائري.

شاركت الجماعة الليبية المقاتلة بقوة بجانب الجماعة الإسلامية المسلحة في تمردها ضد الجيش الجزائري بقيادة أبو عبدالرحمن أمين، هذا المناخ الشبيه بما جرى في أفغانستان وفر للجماعة الليبية المقاتلة وللجماعات الجهادية الأخرى في المنطقة فرصة مثالية للعمل والتكوين على المواجهة القاسية طويلة النفس.

لكن هذا التعاون لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تبرأت الجماعة الليبية المقاتلة من الجماعة الإسلامية الجزائرية، بعدما أسمته الانحراف العقائدي والمنهجي الذي طرأ عليها وأدى بها إلى التوسع الكبير في التكفير، وترتب عليه مقتل الآلاف من المدنيين وارتكاب جرائم مروعة بحقهم، ولم تسلم عناصر الجماعة الليبية من القتل والاستهداف الذي مارسته الجماعة الإسلامية المسلحة بحق كل معارضيها، بدعوى أنهم ليسو على العقيدة السلفية الصافية.

في الوقت ذاته ظل تنظيم الجماعة المقاتلة سريا داخل الأراضي الليبية، ووضع لنفسه برنامجا للإطاحة بالنظام لا يعتمد على المواجهات الصغيرة والتفجيرات هنا وهناك، بل سعى إلى اعتماد خطة تقوم إما على التصفية الجسدية لرموز النظام وعلى رأسهم العقيد معمر القدافي، أو قيادة تمرد وانقلاب داخل الجيش الليبي، إلى جانب هذه الخطة فقد وضعت الجماعة خطة للطوارئ يتم تفعيلها إذا ما اكتشفت أي خلية من خلاياها.

الصدام مع القذافي

بالصدفة المحضة وفي عام 1995 اكتشف أحد المخبريين السريين في بنغازي مزرعة تقع على ضواحي المدينة، تؤوي العديد من أعضاء تنظيم “المقاتلة” فوقعت حينها اشتباكات، وافتضح أمر التنظيم فاضطرت الجماعة إلى الظهور للعلن وإصدار أول بيان لها بتاريخ 17 أكتوبر من العام فعلت على إثره خطة الطوارئ، ونشبت بين الجماعة والنظام صدامات عنيفة وقع غالبيته في منطقة الجبل الأخضر  استخدم فيها “القذافي” الطائرات الحربية ادعت “المقاتلة” في إحدى بياناتها أنها طائرات صربية استجلبها النظام لإبادة الجماعة.

اضطرت المقاتلة إلى تغيير استراتيجيتها في المواجهة عبرت عن ذلك في بيان لها بــ”الهجوم الاستراتيجي والتراجع التكتيكي” فأوقفت بمقتضى تلك الاستراتيجية الاشتباكات مع الجيش الليبي مقتصرة على عدد من محاولات اغتيال “القذافي” بائت جميعها بالفشل، وألقي القبض على المئات من أعضاء الجماعة وقتل عدد كبير منهم مما دعاها إلى الهرب مرة ثانية لأفغانستان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق