رؤى

زواج وطلاق الأقباط.. بين هيمنة الكنيسة وسلطة الدولة

تجسد الأحوال الشخصية للأقباط المصريين علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بتقاليدها، وطقوسها الدينية، بالدولة الوطنية وما لحق بها من تطورات سياسية، جرت عبر عقود عديدة، وما فرضه ذلك من توازنات دقيقة حول ما يستوجبه الدين ويقره من طقوس وفرائض، وتلزمه الدولة من خلال قوانين، تبسط من خلاله إرادتها على المواطنين، وعبر تلك التوازنات تراوحت آلام وآمال المواطنين الأقباط في إنهاء مشاكلهم الاجتماعية، التي تنتج عبر علاقات زواج لم يكتب لها الاستقرار والنجاح.

يعد الزواج في المسيحية سراً من أسرار الكنيسة، ولا يمكن أن يتم خارج إرادتها الدينية، ويستند الزواج في تقاليد الكنيسة الأرثوذكسية إلى عدة نصوص مقدسة، تذهب نحو تقديس الحياة الزوجية “وأن ما يجمعه الرب لا يفرقه إنسان”. ومن هنا عرفت قضية الأحوال الشخصية للأقباط المصريين طريقها نحو سؤال الأزمة في مبررات الطلاق، وتصاريح الزواج الثاني، خاصة، بعد العدول عن لائحة العام 1938، التي أقرها المجلس الملي، واعتمدت، بشكل أساسي، في نصوصها على كتاب “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية “، وأقرت لائحة المجلس الملي تسعة أسباب ارتأت من خلالهم وقوع حكم الطلاق، وانهاء العلاقة الزوجية، قبل أن تقيدها في علتي الزنا وتغيير الملة، إبان عهد البابا شنودة الثالث، واستقرار العلاقة بين الكنيسة والدولة، بحيث تحتفظ الكنيسة بكافة آلياتها التي تسمح لها بتمرير الزواج باعتباره يحتوي على شق ديني، لا تنازعها الدولة في أمره.

أسباب ومبررات الطلاق

وقد جاءت مبررات الطلاق بموجب لائحة 1938 في الاسباب التالية:

-يجوز لكل من الزوجين أن يطلب الطلاق لعلة الزنا.

-اذا خرج أحد من الزوجين عن الدين المسيحي وانقطع الأمل في رجوعه إليه جاز الطلاق بناء على طلب الطرف الآخر.

-إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته، وصدر حكم بإثبات غيبته جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.

-الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر، يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.

-إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو مرض يخشى منه على سلامة الآخر، يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كانت قد مضت ثلاث سنوات على الجنون أو المرض، وثبت أنه غير قابل للشفاء، كما يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا كان قد مضى على إصابته به ثلاث سنوات، وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى عليها من الفتنة.

-إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاء جسيماً يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.

-إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسدت أخلاقه جاز للزوج الآخر طلب الطلاق .

-يجوز أيضا طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر.

-كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن أحد الزوجين أو كلاهما .

وبعد حصر أسباب الطلاق حسبما وردت في لائحة 1938، أشارت اللائحة إلى مادة هامة أخرى، “يجوز لكل من الزوجين بعد الحكم بالطلاق أن يتزوج من شخص آخر، إلا إذا نص الحكم بالطلاق على حرمان أحدهما أو كليهما من الزواج. وفي هذه الحالة لا يجوز لمن قضى بحرمانه أن يتزوج إلا بتصريح من المجلس.

وقد ظل العمل بلائحة 1938 حتى صدور قانون 462 لسنة 1955، حيث حصرت أحكام الطلاق في عدة أسباب لم تخرج في مجملها عن لائحة 1938، وإن كان المجلس قد تجمد وأصبحت المحاكم المدنية هي التي تنظر تلك القضاياـ سواء للمسيحيين أو للمسلمين، بيد أن الكنيسة الأرثوذكسية احتفظت لنفسها عن طريق المجلس الإكليريكي، بحق النظر في أمر التصريح بالزواج الثانـي، لمن حكمت لهم المحكمة بأحكام الطلاق. وكان المجلس الإكليريكي واحدا من الآليات التي اعتمد عليها المجلس الملي 1883، في إدارة شؤون الكنيسة ، إلى جانب ال‘كليروس -رجال الدين-، حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952، وجمد الرئيس  السابق جمال عبدالناصر أعمال المجلس في حبرية البابا كيرلس السادس .

 رؤية البابا شنودة للطلاق   

مع جلوس البابا شنودة الثالث 1971-2012على كرسي البطريركية أصدر قرارين بابويين: الأول، يحصر الطلاق في علة الزنا، وأن كل طلاق يحدث لغير هذه العلة لا تعترف به الكنيسة، وتعتبر أن الزواج الذي حاول هذا الطلاق أن يفصمه لا يزال قائماً، والقرار الثاني يقضي بعدم زواج المطلقة؛ لأن المرأة المطلقة إما أنها طلقت لسبب الزنا، أو لسبب آخر غير الزنا.

البابا شنودة

لم تخرج رؤية البابا شنودة في مسائل الأحوال الشخصيةـ منذ صدور القرارات البابوية في سنة 1971، بعدم وقوع الطلاق إلا لعلة الزنا حتى نشوب أزمة 2010، حينما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمين في دعويين منفصلتين، يلزمان البابا شنودة الثالث بالتصريح لاثنين من الأقباط المطلقين بالزواج مرة أخرى،- لم تخرج -عن البحث الذي أعده في العام 1958، وقتما كان راهبا بدير السريان بوادي النطرون تحت عنوان “شريعة الزيجة الواحدة “،ولكنه لم ينشرها سوى بعد سيامته -الانبا شنودة ‘أسقفا للتعليم والمعاهد التعليمية في 1962.

وقد بدا ذلك بوضوح في مجمل تصريحات البابا شنودة التي أعقبت الجلسة الطارئة للمجمع المقدس رداً على حكم محكمة القضاء الإداري ،وتمثلت في النقاط الاتية: احترام القانون، ورفض أي أحكام قضائية تخاصم النصوص المقدسة، وإقرار أن الزواج طقس كنسي مرتبط بالعقيدة المسيحية، وشلح أي كاهن يعقد الزواج الثاني.

واعتبر الكتاب -شريعة الزوجة الواحدة -دستور الأحوال الشخصية طيلة حبرية البابا شنودةــ التي شهدت انزياحا للدولة لحساب الكنيسةـ في كل ما يخص الـأقباط ، حيث أضحت الكنيسة هي من تقف وتواجه في كل ما يختص بأمر الطلاق والزواج، باعتبارها من تملك حق إصدار التصريح بالزواج الثاني، وألا يضطر صاحب المشكلة إلى تغيير الملة، حتى يستطيع أن يتجاوز -أهواله الاجتماعية- وينتظم داخل سياق حياته الجديدة، بينما تدفع الكنيسة بثقل الأزمة نحو الدولة وأجهزتها المعنية في تعطيل صدور قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين،وبين هذا وذاك تظل مشاكل المواطنين الأقباط معلقة وأزماتهم تنزف ألما.

ومع وفاة البابا شنودة الثالث وجريان السيولة السياسيةـ في صفوف الشباب المصري بعد ثورة 25 يناير2011، عرف الأقباط المصريون التظاهر ضد الكنيسة ورفع سقف مطالبهم بشأن تجاوز أزمات قضايا الأحوال الشخصية، التي تقدر في بعض الإحصائيات، غير الرسمية، ببضعة آلاف، ـبينما يراها البابا تواضروس الثاني لا تتجاوز ثلاثة آلاف حالة.

 البابا تواضروس الثاني والتركة الثقيلة

على كل حال، فقد ورث البابا تواضروس الثاني ملفات عديدة عكست في بعض منها أزمة الكنيسة القبطية في مواكبة قضايا العصر ومدى حتمية أن يقترب الدين من هموم البشر، وضرورة أن يتناغم تأويل النص مع طبيعة أزمات العصر .

البابا تواضروس

وهنا طرح البابا تواضروس كلمته الأولى في الأمر “لا توجد آية تقول لا طلاق إلا لعلة الزنا” بينما هي مقولة ارتبطت بالبابا شنودة الثالث. وبالرغم من أن الزواج سر مقدس في المسيحية، إلا أن ثمة أسباب تدفع الحياة نحو لحظة النهاية، ووجوب حكم الطلاق. وقد جاءت رؤية المجمع المقدس لتفتح الباب مرة أخرى لأسباب مختلفة عن علة الزنا، الأمر الذي يجعلنا ننظر إليها باعتبارها صيغة متطورة للائحة 1938، واعتمدت أسباب الغياب، والمرض، وسوء المعاملة، كأسباب ودوافع لوقوع الطلاق.

واعتمدت الكنيسة تقسيم المجلس الإكليريكي الذي كان ينظر كل قضايا الأحوال الشخصية في مصر، وبلاد المهجر مما يجعل النظر في تلك القضايا يستغرق زمناً طويلاً، يستنزف من أصحابها  العمر وحق الحياة والاستقرار إلى ست لجان، نصفها داخل كنائس مصر، والأخر في كنائس المهجر، وبحيث أضحى عامل الوقت ومصالح الأقباطـ، وحقهم في الحياة والاستقرار محل اعتبار وتنظيم الكنيسة التي تسعى نحو مأسسة العمل الكنسي .

وما بين لائحة 1938 والقرارات الجديدة التي اعتمدها المجمع المقدس في حبرية البابا تواضروس الثاني، مروراً بقرارات البابا شنودة التي تعتبر نكوصا على لائحة 1938، يظل قانون الأحوال الشخصية يراوح عبر تلك المسافة الغامضة، التي تحكم العلاقة بين الكنيسة والدولة، وتظل مسألة الاستقرار في حدود مدنية الدولة هي الملاذ الآمن والمستقر لحقوق المواطنة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق