منوعات

سلامٌ على صلاح عيسى في الساخرين

قالت لي الشاعرة الكبيرة كوثر مصطفى: عملت شهورًا مع صلاح عيسى فكان يدهشني، لقد كان يستطيع الجمع بين الكتابة ومحادثة جليسه! ثم دار الزمان دورته وعملت أنا مع الأستاذ صلاح عيسى فرأيته يدخن ويرشف القهوة ويتشاجر معي ويلقي بالنكات ويكتب كتابة دافئة متدفقة كأنها تملى عليه!

كنت أسأله عن تفرده هذا فيرد ضاحكًا: لقد مرضت بالكتابة في طفولتي وتجاهل أهلي علاجي.

بعيدًا عن إجابته الضاحكة فقد كان فعل الكتابة بالنسبة لعيسى كأنه من أفعال الغريزة التي لا يمكن مقاومتها أو الفرار منها، كان يكتب كأن الكتابة هى الهواء الذي يتنفس، ولا حياة لإنسان إن توقف تنفسه.

سألته مرة عن جدوى الكتابة فقال: هى النقطة التي لا يبدأ النهر إلا بها، يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، بل ودهرًا بعد دهر، تظهر جدوى الكتابة، بل تظهر فائدة كل فن وعلم، قد يموت الكاتب ولا يرى بعينيه أثر كتابته، ولكن صدقني الكلمات لا تتبخر، وهي تختبئ في مكان ما ثم تظهر في يوم ما وقد أعلنت انتصارها الحاسم والنهائي على كل قبح.

كأن إجابته لم تقنعني، لذا قطع كلامه ونفث دخان سيجارته بالقرب من وجهي وقال: قم لعملك يرحمك الله.

ها! لقد أهدتني جملته تفسيرًا صادقًا لظاهرة صلاح عيسى.

إنه الشغف بالعمل، هو يعمل ليل نهار، يعمل وهو مطرود من جرائده، يعمل وهو معتقل لا يعرف متى سيرى ضياء الشوارع، يعمل ليضرب المثل، في مقاومة  الظلم والقبح بالعمل، وليضرب المثل في الخصام الأبدي للكسل وتقلبات المزاج، وليضرب المثل في الانحياز التام والكامل لمعنى السير ولو منفردًا في الطرق الموحشة التي ستقود يومًا إلى نشوة الانتصار للجمال وللحق وللعدل.

أتذكر الأستاذ الضاحك الباكي صلاح عيسي وبين يدي أحدث مؤلفاته “سلامي عليك يا زمان / مشاغبات وهموم صحفي عربي في الثمانينيات”.

هذا الكتاب الذي نشرته قبل أيام “دار الكرمة” هو شهادة على شغف صلاح عيسى بالعمل ، فالكتاب ما هو إلا جمع لمقالات سبق له نشرها في صحف شتى، ثم بصبر جمعها مرتبة حسب تواريخ نشرها، ووضعها في مكان ما من مكتبته المترامية الأطراف، فما أن رحل عن دنيانا قبل سنة حتى تناولت زوجته الكاتبة الكبيرة الأستاذة أمينة النقاش ملف المقالات وقدمته لدار الكرمة.

واحد غير الأستاذ صلاح نشقى لنجمع ما تبعثر في بطون الجرائد من كتاباته، أما هو فقد كان يتقن عمله ويحرص على الاحتفاظ بكل ورقة كتبها حتى ولو لم تكن تحمل سوى سطرً واحد.

يضم الكتاب ستة وثلاثين مقالًا نشر معظمها في الثمانينيات، وكلها وفية لعنوانها الذى هو اشتباك حي لصحفي عربي مع وقائع وأحداث زمانه.

يبدأ الكتاب بمقدمة طيبة كتبتها الأستاذة أمينة النقاش، وكان ألطف ما بها هو حرصها على شرح عنوان الكتاب، فسلام عليك يا زمن هو جزء من دور غناه الفنان الراحل محمد عثمان الذي كان صلاح عيسى مولعًا به.

أمينة النقاش

ولكن برغم جودة المقدمة فلم تقطع الأستاذة أمينة بنسبة العنوان للمؤلف، فهل هو الذي كتبه أم هى التي قامت بوضعه على الكتاب وفاءً لذكرى محبة صلاح لمحمد عثمان.

كما لم تذكر سببًا لإعادة نشر مقال أو فصل “خط العتبة يا حبيبي” وهو الفصل الذي كتبه عيسى عن الراحل الكريم الكبير فتحي رضوان ونشره في كتابه “شخصيات لها العجب”.

وكان من الطيب المفيد أن تقوم الأستاذة أمينة بذكر أسماء الجرائد التي نشرت بها المقالات لكي يتمكن الباحث من الرجوع إليها، وهى ذكرت الصحف على وجه الإجمال وليس على وجه التفصيل اللازم لحفظ التراث.

بعيدًا عن هذه الملاحظات الهينة نتوقف عند واحد من فصول الكتاب وهو فصل جامع لخصائص أسلوب صلاح عيسى، كما أنه يكشف عن توجهه العربي وعن وجهه العروبي، ذلكم هو الفصل المعنون بـ “إحنا بتوع البيريسترويكا”.

يبدأ عيسى هذا الفصل بوقوفه في صالة مطار القاهرة تمهيدًا لسفره إلى دمشق، قبل إقلاعه يجلب بخياله الخصب شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي ينشد عيسى سائلًا: “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟

حافظ ابراهيم

هنا العلا وهناك المجد والحسب”. يقول عيسى: حيرني السؤال وبدا لي أن الإجابة عليه مشكلة معقدة.

سافر عيسى فاستقبله في دمشق صوت عفاف راضي مغنيًا “كله في المواني يا بابا”. في دمشق كان الفندق متواضعًا وقاعة الاجتماعات أشد تواضعًا ، الحضور الساطع كان للبرد الشديد، كان المجتمعون من شتى أرجاء الوطن العربي الكبير، يدخنون في شراهة وهم يتناقشون حول “البيريسترويكا العربية !”

يسأل عيسى نفسه: هذه البيريسترويكا هل هى شأن روسي بدأه رئيس روسيا جورباتشوف أم هي نظرية عالمية؟ وإن كانت تعني في روسيا إعادة البناء فما هو معناها في الواقع العربي؟

جورباتشوف

يفيق عيسى من أسئلته التي يلقيها على نفسه فيسمع شجار المناقشات الساخنة .لقد وصل النقاش إلى فرضية عربية عجيبة، يقول ملخصها: يجب ألا ندخل الثمانينيات بحقد الأربعينيات والخمسينيات، لو واصلنا الصراع مع الصهاينة فسيتوتر السلام العالمي وقد يصل التوتر إلى استخدام الأسلحة النووية، ولو جرى استخدامها فسنهلك جميعًا نحن والصهاينة وسيفوتنا تحرير فلسطين من النهر إلى البحر!

لقد سمعهم عيسى وهو يقولون: إن إعادة البناء وفق آليات البيريسترويكا العربية ستتيح لنا الدخول إلى الزمن القادم بمفاهيم العقل لا النقل .عند هذا الحد تأكد عيسى أن المغنية كانت محقة وهى تغني “كله في المواني”. الجماعة يريدون مصالحة العدو والتطبيع معه دون قيد أو شرط لكي لا ينهار السلام العالمي!

في طريق عودته إلى القاهرة مثخنًا بجراح المناقشات، يتم اتهام ليبيا بإسقاط طائرة أمريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية، وهو الحادث الذي عرف إعلاميًا باسم قضية لوكيربي وكان سببًا في حصار أمريكا لليبيا لسنوات.

جرى تفتيش الوفد الذي شارك في اجتماع “البيريسترويكا”، في كل مطار وصل إليه، حتى إذا وصل الوفد  إلى مطار القاهرة رأي عيسى شاعر النيل في استقباله ليسأله مجددًا “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟ هنا العلا وهناك المجد والحسب”. هنا أجابه عيسى : “إحنا بتوع البيريسترويكا “، فتقدم شخص كان يقف خلف شاعر النيل ليقول له بصراحة: “اتفضلوا معي على مكتب الأمن”.

صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق