منوعات

ست سنوات على رحيل صاحب «مالك الحزين»

ست سنوات مرت على رحيل القاص الأديب الكبير «إبراهيم أصلان»، تبدلت فيها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة المصرية، وانقلبت من حال إلى حال، ولكن بقيت حياة المصريين على حالها. حياة صعبة وحزينة ولكنها ترفض أن تتوقف عن إطلاق النكات. وهكذا بقيت حكايات أصلان حية لا تعبر فقط على حياة المصريين الماضية بتفاصيلها البسيطة ولكنها، أيضا تحاكي حاضرهم وتظهر كسيناريو متوقع لمستقبلهم.

ولد إبراهيم أصلان بمحافظة الغربية ونشأ وتربى في الجيزة حيث عاش معظم سنوات حياته ما بين أحياء إمبابة والكيت كات والورّاق. وقد كان لتلك المناطق  ذات الطبيعة الشعبية وسكانها الفقراء والمهمشين الحضور الأكبر والطاغي في كل أعمال الكاتب الراحل، بداية من مجموعته القصصية الأولى “بحيره المساء” مرورا بروايته الأشهر “مالك الحزين”، وحتى كتابه “حكايات فضل الله عثمان” وصولا إلى روايته “عصافير النيل”.

لم يتحصل «أصلان»، على أي شهادة تعليمية سوى الشهادة الابتدائية، وبعد مسيرة مضطربة في عدد من المدارس الصناعية والمهنية  التحق بالعمل في الهيئة العامة للبريد وفي تلك الفترة أصدر مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء». وعن تلك المرحلة من حياته يذكر أصلان في كتابه “شيء من هذا القبيل» أنه كان يسجل خواطره ويكتب بعض الأشعار كباقي شباب جيله من المحبين للكتابة وأنه كان تائهًا لا يعرف ما هو نوع الكتابة الذي يلائمه، ولكن أحد زملائه في هيئة البريد نصحه بأن يستزيد من القراءة حتى يعرف ما يريد أن يكتب.

ربطته علاقة جيدة بالأديب الراحل يحيي حقي ولازمه حتى فترات حياته الأخيرة، وهو ما ساعده في نشر الكثير من أعماله القصصية في مجلة “المجلة” التي كان حقي رئيس تحريرها في ذلك الوقت.

لاقت أعمال أصلان القصصية ترحيبا كبيرا في الاوساط الأدبية والنقدية عندما نشرت في أواخر الستينات، وكان أولها مجموعة “بحيره المساء” ثم توالت الأعمال بعد ذلك إلا أنها كانت شديدة الندرة، حتى صدرت روايته الأشهر مالك الحزين” والتي أدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربى وحققت له شهرة هائلة بين الجمهور العادي، خصوصا بعد أن تحولت إلى عمل سينمائي هو أحد أجمل الأفلام في تاريخ السينما المصرية وهو فيلم ” الكيت كات” بطولة النجم السينمائي الراحل محمود عبد العزيز.

 ولرواية “مالك الحزين” التي دخل بها أصلان عالم الرواية من بابه الواسع، حكاية طريفة بطلها الآخر هو الأديب الكبير نجيب محفوظ وهي الحكاية التي كان لها الفضل في تحول أصلان إلى الرواية. فبعد أن عُرف أصلان ككاتب للقصة القصيرة اعتاد أن يتقابل بشكل أسبوعي بمقهى ريش مع العم نجيب، كما كان يسميه، والذي كان يتابع ما يكتبه أصلان ويشجعه.

وفي هذه الأثناء كان أصلان يعمل بنظام الورديات في هيئة المواصلات، مما جعله يتخلف عن ميعاد العم نجيب الأسبوعي. وعليه قرر العم نجيب كتابة رسالة يزكيه فيها لمنحة تفرغ لمدة عام من وزارة الثقافة. وتمت الموافقة على المنحة، ونُشر الخبر في الصحف بأن الكاتب إبراهيم أصلان سيتفرغ لمدة عام لكتابة رواية. وحينها حاول أصلان تصحيح الخبر قائلًا إنه لا يكتب روايات، لكنه علم أن التفرغ في ذلك الوقت لا يُمنح إلا لكتابة الروايات أو المسرحيات الطويلة. فاستسلم أخيرًا وقال: «خلاص. نكتب رواية» ،فكانت رائعته “مالك الحزين “.

وبالرغم من النجاح المدوي الذي حققته الرواية، فإن أصلان عاد مجدا لعالمه المحبب في كتابة القصة القصيرة ولم يتوقف أبداً عن ذلك حتى رحيله. وحينما كان يُسأل عن نجاح هذه الرواية جماهيريًا بشكل يفوق مجموعاته القصصية كان يقول: «ليس مهمًا أن نحقق أحلامنا أو لا نحقق، فالأمور لا تقاس بنتائجها ولكن بما نبذل من جهد»

 في السابع من يناير 2012 أي من العالم التالي لثورة 25 يناير التي غيرت حياة المصريين، وقبل أن تتحول حكايات الثورة إلى نوستالجيا لأيام ما قبل هزيمة أحلام الثوار، رحل إبراهيم أصلان في هدوء دون أن يشعر أحد تقريبًا من المصريين البسطاء برحيل أديب يصفه كثيرون بأنه أفضل وأصدق من كتب القصة القصيرة في تاريخ الأدب المصري. رحل إبراهيم أصلان قبل ست سنوات لكن قصصه المدهشة المليئة بحكايات وأوجاع الناس البسطاء باقية وستبقى تتنقل من جيل إلى جيل، إلى أن يأتي يوم تحظى فيه مصر بزمن يُقدَر فيه الإنسان، ومن ثم يقدر من عبّروا عن معاناته وآلامه وأحلامه. حينها ستُسمي الشوارع والميادين بأسماء نجيب وأصلان.

تصميم صورة الغلاف: حمدي شعبان

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: