الحدث
أخر الأخبار

100عام علي ثورة 1919.. من أطلق فرية «مفيش فايدة»؟

في عام 1918 تشكل “الوفد المصري” حاملا معه طوفان من التوكيلات من كل قرى ومدن مصر، في مبادرة شعبية عبقرية بدت وقتها الأقوى تعبيرا عن شوق المصريين إلى الحرية ورفضهم استمرار احتلال أرهق بلدهم وأذلها في الحرب العالمية الأولي، إفقارا لجموع المواطنين، وأحكاما عرفية باطشة، وتجنيدا إجباريا يحشد أبناء الفلاحين للحرب تحت رايات الإمبراطورية الإنجليزية العجوز.

كانت مصر خارجة للتو من حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، ولا شأن لها بصراعاتها، تعاني جراح عقود طويلة سابقة حاول الكثيرون فيها إزهاق روح الشعب. وكان المصريون كغيرهم من البلدان المحتلة التي اكتوت بنار الحرب يتطلعون إلى نيل استقلالهم والتحرر من نير الاحتلال وحكم الأجنبي، وفوضوا في ذلك من التمسوا فيهم القدرة والنزاهة على حمل قضيتهم في مواجهة الاحتلال أمام كل المحافل الدولية التي تناقش “المسألة المصرية”، ضمن ترتيبات عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى.

في 25 نوفمبر من ذلك العام بلغ عدد التوكيلات مليوني توكيل، فيما لم يتجاوز عدد السكان وقتها 18 مليون نسمة، ما أرعب الاحتلال وحكومته وأذنابه. لم تكن قد مرت سنوات كثيرة على تخصيص سلطات الاحتلال مبلغ 10 آلاف جنيه ذهبي لمن يدلي بمعلومات مؤكدة عن رجل واحد من أبناء هذا الشعب أذل الاحتلال مشعلا ضده نار الغضب والثورة في كل مكان. وقتها كان عبد الله النديم مختبئا لدى فلاح من الشرقية، والاثنان لا يجدا ثمن وجبة عشاء واحدة في شتاء قارس.

عبدالله النديم

لم يكن ذلك غريبا على سلوك المصريين في مواجهة طغاة كثر تمكنوا من إحكام قبضتهم على البلاد على مدى حقب زمنية طويلة، ذاكرة المصريين لا تنسى أبدا جرائم الطغاة ضدهم مهما امتد بها الزمن وتوالت النوائب، ولم يغب عنها أبدا مشهد 10 آلاف جثة (مجهولة الهوية) ملقاة في شوارع القاهرة يوم دخول المجرم العثماني سليم الأول البلاد على رأس جيشه الغازي مثيرا الرعب في كل مكان.

محاولات وأد الثورة

روح المصريين المقاومة بدت عارمة في عام 1918، ما اضطر المحتل وأعوانه إلى تعبئة فرق أمن كاملة وتخصيص أموال طائلة لمصادرة تلك التوكيلات التي ابتكر بها الشعب كيانا سياسيا ومنحه مشروعية التحدث باسم مصر أمام العالم كله، فيما أراد الإنجليز وأد التمرد في بدايته وبث الرعب في نفوس الغالبية العظمى من المصريين.

في صباح يوم 8 مارس 1919 أعلنت السلطات إلقاء القبض على من اعتبرتهم زعماء التمرد والمحرضين عليه، وشملت حملة القبض أسماء سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي وغيرهم من أعضاء الجمعية التشريعية التي قادت حركة جمع التوكيلات، وتم إعلان نفيهم إلى جزيرة مالطا في اليوم التالي.

علي شعراوي                           عبد العزيز فهمي                                سعد زغلول

سرعان ما انتشر الخبر، وعلى الفور توافد مئات المصريين إلى ثكنات الجيش البريطاني في قصر النيل حيث تم حبس سعد زغلول ورفاقه. بدت صورة زعيم الثورة تكبر لدى المصريين أكثر وأكثر، وتحولت صورة المحامي منحوت الوجه، فارع القامة، حاد النظرات، المتجهم المتهكم، إلى مصدر إلهام و جسارة لا تنقضي للمتشوقين للحرية من جموع المصريين.

غضبة المصريين

فجأة، ودون اتفاق، اتسع التمرد في غضون ساعات قليلة وتحول إلى ثورة. انتفض الشعب الذي بدا طيلة عقود طويلة منهكا محطما، ليتحول في لحظات إلى قوة جامحة لا تحدها حدود ولا تثنيها تصريحات حاكم أو محتل.

التداعي المتلاحق للأحداث بدا مدهشا للمحتل وحكومته، كيف بدأ طلبة المدارس الأميرية المظاهرات، ثم توقف كل سائقي الأجرة عن العمل، وكيف عم التعطل  كافة وسائل المواصلات؟ وكيف انتفض شيوخ وطلاب الأزهر الذين كانت قوات الاحتلال تحسبهم قوة ساكنة تجتر التراث القديم وتدين للحاكم والمحتل بالولاء، ليصدمها ظهورهم فجأة في صدارة المشهد يحرضون الجماهير الغاضبة بلسان من لهب ويواجهون الرصاص بقلب من حديد؟ وكيف اتفقت إرادة المحامين على إضراب شامل يعم كل ساحات العدالة؟

في 17 مارس كانت واحدة من أهم إبداعات المصريين في إسقاط هيبة السلطة حال تجاوزت كل الخطوط الحمراء في الاستهانة بهم واستكانت إلى ما عرف عنهم من صبر وطول احتمال. ففي محافظة البحيرة انقض الأهالي على مدير الأمن إبراهيم حليم الذي وصف الثوار بالرعاع، وأوسعوه ضربا بالأحذية في حلقات دائرية لم تتوقف لعدة ساعات. لم تكد ساعات معدودة تمر على هذا الحدث حتي كانت الدعوات تملأ مصر تلهب نيران الثورة في كل مكان ويستجيب لها الجميع: قطع العلاقات الاجتماعية مع الإنجليز، مقاطعة التجارة والبنوك والسفن وشركات التأمين الإنجليزية، وغيرها من مظاهر سطوة المحتل على أرض مصر.

خبرة الماضي

أحداث الثورة المتلاحقة عمت كل أرجاء البلاد، وعكست ما طرأ من تطور لافت على أساليب نضال المصريين ضد محتليهم، وتكاتفهم معا لحماية ثورتهم والذود عن رموزها.

بدا الفارق كبيرا بين مصير من قادوا الوجدان العام للمصريين أثناء الحملة الفرنسية مطلع القرن التاسع عشر، وبين نظرائهم في ثورة 1919، فالأسماء العظيمة التي قادت نضال المصريين ضد الفرنسيين، مثل: السيد بدر وعبد الوهاب الشبراوي وأحمد البيلي و يوسف المصيلحي وسليمان الجوسقي، وكان معظمهم من مشايخ الأزهر وأناس عاديين، تنتهي سيرتهم في كتب التاريخ بعبارة “مات ودفن في مقابر مجهولة”، أو “مات و لم يعرف له قبر”، لكن التفاف المصريين حول رموز ثورتهم في 1919حماهم من مثل ذلك المصير وحفظ لنا أسماء كل من أسهم بدور في أحداث الثورة، وربما أسهم في ذلك أيضا اختلاف العصر وظهور الصحف والإذاعات ووسائل النشر الحديثة.

طوفان الإبداع

عظمة هذا الحدث المهول أظهر أعظم ما في الروح المصرية، طوفان من الابداع في كل المجالات واكب غضبة المصريين الذين طال شوقهم للحرية والعدل والعيش الكريم ودستور للبلاد يحفظ حقوق أهلها.

ردد الناس وقتها في كل مكان أغنيات الشيخ سيد درويش المحرضة على الثورة واستعادة المجد التليد، ورددوا أشعار مواطن بسيط اسمه (الحاج مصطفى) تصدى لتوثيق حادثة دنشواي في ملحمة شعرية طويلة: “اللي انشنق شنقوه/ واللي انجلد جلدوه/ واللي نجا في السجن رموه/ وزهران سبع ما انحنت هاماته”.

عائلة محمد علي التي حكمت البلاد وتحكمت في مقدراتها على مدى أكثر من قرن قبل اندلاع أحداث ثورة 1919، وظنت أنها روضت المصريين واستمالت نخبتهم من المثقفين والأدباء وأصحاب الرأي، انتابتها الصدمة من صحوة جموع المصريين وغضبتهم العارمة في أرجاء البلاد وجرأتهم في مواجهة حكامهم للمطالبة بحريتهم المسلوبة وحقوقهم المنهوبة.

انطلق صوت بيرم التونسي بسخريته المريرة، متهكما على الملك فؤاد: “ولما عدمنا بمصر الملوك/ جابوك الإنجليز يا فؤاد قعدوك/ تمثل على العرش دور الملوك/ وفين يلقوا مجرم نظيرك و دون”.

سيد درويش                                                                       بيرم التونسي

الثورة وزعيمها

ولعل من أصدق الكتابات التي رصدت حال المصريين وغضبتهم العارمة وقتها، شهادة كاتبنا الساخر محمود السعدني، أحد أكثر من اقتربوا من روح الشعب ورصدوا أحواله، يقول السعدني: “انتشرت ثورة 19 بين الناس كالنار في الهشيم، انطلقت الجماهير كالسيل في حواري القاهرة، وخرجت من أعماق الريف ومن جوف الصحاري تهتف للزعيم البطل، ورفعت الجماهير إلى مصاف الآلهة وانصهر الشعب كله في بوتقة الثورة،  وعادت للأزهر أيامه المجيدة السابقة، وطفت طبقة الأفندية على سطح المجتمع وأخرج تجار المدن وأثرياء الريف كل ما في خزائنهم وتبرعوا به للثورة”.

واعتبر السعدني أن زعيم الثورة سعد زغلول بإيمانه المطلق بقدرات شعبه، كان أحد أهم أسباب نجاح الثورة: “كان سعد زغلول عاشقا للجماهير من الطراز الأول،مؤمنا إيمانا لا حد له بحركة الجماهير ودورها، وبأنه لا طريق ولا حل إلا بها ومن خلالها، ولذلك اتجه إلى الشارع مباشرة وخاطبه بدون واسطة”. وهو ما رصده أيضا عباس محمود العقاد في كتابه: “سعد زغلول.. سيرة وتحية”، الذي احتفى فيه بشخصية سعد الفذة والتفاف كل المصريين من حوله. ومن بعده وثق روائي مصر الأشهر نجيب محفوظ أحداث الثورة في رواياته والعديد من حواراته وكتاباته، وبدا من خلالها مدى إعتزازه بالثورة وزعيمها سعد زغلول ودوره في تاريخ نضال المصريين من أجل الحرية والعدل والحياة الكريمة.

الحرب النفسية

كان طبيعيا أن تتعرض سيرة سعد زغلول لحرب طاحنة، وأن يصفه كتاب وساسة الاحتلال بأنه مثير للاضطراب ومعاد لسياسات الامبراطورية، وأن تتواصل حملاتهم لتشويه ما قام به سعد ورفاقه في قيادة ثورة ألهمت ملايين المصريين وأحيت آمالهم في وطن حر يتسع للجميع دون تمييز أو تفرقة، بل وبدأت مبكرا في جني ثمارها في التأسيس للدستور، والحياة البرلمانية، ومبادرات تمصير الاقتصاد، ونشر التعليم، وحرية الصحافة، ونهضة الثقافة والفن في كل أرجاء الوطن.

لكن الأخطر كان هو محاولة الإيعاز للمصريين أن زعيم الثورة وملهما انتهى به الأمر في ختام حياته إلى اليأس من الثورة والتسليم ببقاء الأحوال على ما هي عليه، دون أمل في تغيير أو حلم بالانعتاق من الظلم والتخلف.

وجد هؤلاء ضالتهم في الترويج لمقولة نسبوها إلى زعيم الثورة على فراش مرضه الأخير، عندما خاطب سعد زوجته وهي تناوله دواء لم يعد يشعر بجدواه مع اشتداد وطأة المرض، فقال وهو يرد لها الدواء: “مفيش فايدة”، التقط خصوم الرجل العبارة واستماتوا في ترويجها وكأنها رسالة سعد الأخيرة إلى شعبه، في محاولة خبيثة للنيل من عزيمة المصريين وإطفاء أملهم في الثورة، وهو أخطر ما يمكن أن تستسلم له ذاكرة وطن وترتهن به إرادة شعب.

تحدي المصريين

لكن وعي المصريين على مر التاريخ يسجل لهم دائما فطنتهم وتمسكهم الدائم بالأمل في غد أفضل، واعتزازهم برموز نضالهم الوطني، وهذا ما فعلوه مع سعد ورفاقه من رموز ثورة لا تزال تلهمنا حتى اليوم، وهو نفس ما فعلوه من قبل مع كل من سعى لترويج وصف “هوجة عرابي” على ثورتهم الباسلة ضد الخديوي توفيق وحكم أسرة محمد علي، وهو أيضا ما أكدوه لاحقا ضد محاولات وصم ثورتهم في 23 يوليو 1952، بأنها “حركة طائشة” لضباط الجيش.

وأبدا لم تفلح محاولاتهم، وردها المصريون دائما على أصحابها خالية الوفاض، وهنا نحن نحتفل بالذكرى المئوية لثورة 1919، فيما نحتفي في الوقت نفسه بذكرى ثورة 25 يناير 2011، التي لم تسلم أيضا من محاولات التآمر عليها ووصمها بأنها “مؤامرة خارجية”، بحسب أبواق حرب نفسية لا تتوقف سعيا لطمس تاريخ نضال المصريين، وزرع اليأس في نفوسهم، وتصويرهم كأمة تنتقل من فشل إلى آخر.

 لكن يبقى للشعب دائما كلمته الأخيرة النافذة مهما طال الوقت واشتدت عليه المحن والخطوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق