منوعات

المدونات السعوديات وحقوق المرأة.. رحلة محفوفة بالمخاطر والألغام

الحديث عن أوضاع وحقوق المرأة في المجتمع السعودي، كالسير في حقل من الألغام التي يمكن أن تنفجر في وجه من يحاول إثارة هذا الملف أو رفع الصوت بشأنه.. الغام قبلية شديدة المحافظة تحكم النظرة إلى المرأة، واخرى دينية متشددة تشكل غطاء شرعيا لتلك النظرة، وثالثة سلطوية تخشى التغيير وعواقبه. ورغم ذلك فإن المتابع لما يجري في المجتمع السعودي ربما يصاب بالدهشة لما يشهده هذا المجتمع من حراك وجدل صاخب على مواقع التواصل الاجتماعي حول الكثير من القضايا المسكوت عنها، وفي مقدمتها حقوق النساء السعوديات. ويعود الفضل في جانب كبير من هذا الحراك، الذي بدأ يؤتى ثماره، إلى مجموعة من المدونات والناشطات السعوديات اللواتي قررن كسر الصمت المفروض حول هذا الملف، والسير في حقل الغامه الخطرة، والحفر في صخوره الوعرة، وبعضهن دفع ثمنا غاليا لهذا الحراك.

 “أسقطوا_الولاية_ولا_كلنا_بنهاجر” … كانت هذه الصرخة المدوية التى أطلقتها العديد من النساء السعوديات خلال الأيام الماضية على صفحات مواقع التواصل الإجتماعى، تعليقا على حادث هروب “رهف القنون” وهي فتاة سعودية في الثامنة عشرة من عمرها، من أسرتها في تايلند، لطلب اللجوء إلى أستراليا  خوفا من تعرضها للقتل بعد أن تخلت عن دينها كما قالت، وقد اعتبرتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة “لاجئة” وطلبت من السلطات الاسترالية منحها اللجوء. وبصرف النظر عن الملابسات المتعلقة بتفاصيل تلك الحادثة والأسباب التى دفعت هذه الفتاة إلى الهرب من أسرتها، وما ستنتهي إليه تلك القصة، إلا أنها طرحت العديد من التساؤلات حول دور المدونات والناشطات السعوديات في المجتمع السعودي؟ وهل هن بالفعل قادرات على إحداث تغيير ما فيما يتعلق بحياة وأوضاع المرأة السعودية.

رهف القنون

النساء السعوديات سجينات بأمر الولي:

أطلقت العديد من النساء السعوديات صرختهن المدوية المطالبة بإسقاط نظام الولاية على النساء، ذلك النظام الذى يجعل النساء خاضعات لسلطة الرجال في كل ما يتعلق بتسيير شئون حياتهن، فالنساء السعوديات في حاجة إلى الحصول على موافقة ولي الامر ليس فقط عند الرغبة في السفر للخارج أو عند الزواج، بل إنها بحاجة لموافقته في الحصول على عمل أو مجرد الحصول على الرعاية الصحية، ليس هذا فحسب فالنساء اللاتي يتعرضن لقضاء عقوبة بالسجن لا يحق لهن الخروج من السجن حتى بعد إنقضاء فترة العقوبة، إلا بموافقة أولياء أمورهن، وذلك على الرغم من أنه لا يوجد نص قانوني على ذلك، إلا أن العرف السائد لدى مصلحة السجون يقوم على عدم السماح لأى من النساء بالخروج إلا بموافقة ولى الأمر.

غير أن هذه الصرخة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها حملة “أنا ولية امري” التي أطلقتها سيدة الأعمال السعودية “لبنى العليان” عام 2016، وتجاوبت معها العديد من المدونات والناشطات السعوديات، وأرسلت في سياق تلك الحملة نحو 2500 برقية من نساء سعوديات إلى مكتب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز للمطالبة بإسقاط الولاية، إضافة إلى جمع عدد من التوقيعات بلغ نحو 14 ألف توقيع على عريضة حملت المطلب نفسه.

لبنى العليان

مدونات سعوديات جلبن رياح التغيير:

التساؤل المطروح هنا: هل يمكن للمدونات والناشطات السعوديات أن يلعبن دورا في تحسين وضع النساء داخل المجتمع السعودى؟ وكيف يمكن لهن ذلك؟. هنا يمكن التعرف على عدد من المدونات والناشطات السعوديات، وأهم القضايا المجتمعية اللاتي أشتبكن معها عبر مدوناتهن وما حققنه من تغيير.

المدونة هديل الحضيف، مواليد 1983، قاصة ومدونة سعودية، أعتبرها كثير من المدونيين السعوديين أبرز رائدات التدوين في السعودية، وقد كان لها دور بارز في حملة المطالبة بالإفراج عن المدون السعودى، “فؤاد الفرحان” وهو أحد مؤسسى مجموعة “الدفاع عن حقوق المدونيين السعوديين”، وكان قد تم إعتقاله على خلفية تدوينات تنتقد بعض الأوضاع داخل المجتمع السعودي، إلا أنها دخلت في غيبوبة مفاجئة أدت لوفاتها قبيل الإفراج عن الفرحان بعدة أيام وذلك عام 2008.

هديل الحضيف

شاركت هديل الحضيف بتقديم ورقة عمل عن المدونات السعودية، ضمن حلقة دراسية للإعلاميين، نظمتها جامعة السلطان قابوس في مسقط، تحت عنوان “المدونات في السعودية: تطويرها ودورها في التعددية الإعلامية وحرية التعبير”، كما أصدرت مجموعة قصصية تحت عنوان، ظلالهم لا تتبعهم” ومسرحية بعنوان، “من يخشى الأبواب”، وفي أعقاب وفاتها المفاجئة أشرف والدها عام 2009، على إصدار كتاب لها يحمل عنوان “غرفة خلفية”، حيث عكف  على تنقيح مادته من مدونتها الشخصية التى كانت تحمل ذات الاسم.

المدونة السعودية “إيمان النفحان” طالبة دكتوراة في علم اللغويات، بدأت التدوين عام 2008 من خلال مدونة “Saudiwomen”، حول مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالمجتمع السعودى، مع التركيز على قضايا النساء. وقد جرى اعتقالها مع ست من زميلاتها من بينهن عائشة المانع ولجين الهذلول وعزيزة اليوسف في منتصف مايو من العام الماضي  وفق ما جاء  في بيان لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، بتهمة “تجاوز الثوابت الدينية والوطنية والتواصل مع جهات خارجية وتقديم دعم مالى لعناصر معادية في الخارج”. المنظمة اعتبرت أن اعتقال النفحان وزميلاتها يأتي في إطار “حملة لتخويف الإصلاحيين الحقوقيين ممن يتجرأون علنا على الدفاع عن حقوق الإنسان أو تمكين النساء بالسعودية”.

إيمان النفحان

“روزا باركس” السعودية:

إما المدونة منال الشريف وهي من مواليد عام 1979، فقد أشتهرت بتزعمها حملة المطالبة بحق النساء السعوديات في قيادة السيارة، وقد بدأت حملتها عام 2011 في أعقاب موجة الثورات التى اجتاحت العالم العربي، ورغم أن قانون المرور السعودي لا ينص على منع النساء من القيادة إلا أن تراخيص القيادة كانت لا تصدر إلا للرجال فقط، حيث أصدرت “هيئة كبار العلماء” فتوى بتحريم قيادة النساء للسيارات.

تم إعتقال منال الشريف في مايو من عام 2011، على أثر محاولة قيادة سيارتها فى إطار تلك المبادرة التى أطلقتها تحت عنوان “سأقود سيارتي بنفسي”، واتهمت بالإخلال بالنظام، ورغم الافراج عنها فقد تم اعتقالها عدة مرات لاحقا على أثر تلك الحملة، ولإنتقادها الدائم لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

منال الشريف

 حازت منال الشريف على لقب “روزا باركس السعودية”، و”روزا باركس” هى سيدة سمراء من أصول إفريقية، ناضلت من أجل الحقوق المدنية للأمريكيين من أصول أفريقية. وقد تحقق لها ما أرادت أخيرا بعد أن سمحت السلطات السعودية رسميا في منتصف عام 2018، للنساء بالحصول على رخصة لقيادة السيارة.

أما مريم العتيبى وهى مدونة سعودية، فقد ساهمت في حملة المطالبة “بإسقاط نظام الولاية”، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتم إعتقالها لمدة مائة يوم بدايات عام 2017، ونتيجة للضغط الدولي تم إطلاق سراحها، دون الحاجة إلى موافقة ولى امرها، وهي الخطوة التى اعتبرت تطورا إيجابيا على طريق الخلاص من شرط موافقة ولي الامر على خروج النساء من السجن، حتى بعد إنقضاء مدة العقوبة.

مريم العتيبى

هي إذن رحلة نضال شاقة ومحفوفة بالمخاطر تخوضها المدونات السعوديات، لانتزاع حقوق النساء في بلادهن، ورغم صعوبتها فقد بدأت تؤتى ثمارها، حتى وإن بدت صغيرة. ولعل السماح بحصول النساء على رخصة لقيادة سيارة بالمجتمع السعودي، والإفراج عن مريم العتيبي دون موافقة ولي أمرها، يقدمان مؤشرا مهما لما يعيشه هذا المجتمع من حراك إجتماعي، قد يستمر ليفتح الباب لمزيد من الحقوق للنساء السعوديات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: