منوعات

معرض القاهرة للكتاب.. مَنْ أطفأ بريق الذهب؟

في الخامس من يونيو من العام 1967 هجم العدو على وطننا بكل ما لديه من قوة وقدرات، لم يكن عدونا يريد احتلال أرضنا فحسب، بل كان يريد هزيمة أعماقنا وكسر إرادتنا، وشل عزيمتنا. ردنا على الضربات العسكرية جاء سريعًا، وجميعنا ما يزال يفاخر بملاحم حرب الاستنزاف، وفي أثناء ردنا على هجمات العدو العسكرية كان هناك ردنا الحضاري الذي أفشل مخطط العدو في سحق إرادتنا. لقد احتفلنا على مدار أيام العام 1969 بمرور ألف عام على تأسيس عاصمتنا القاهرة، وكان من أبرز علامات الاحتفال، انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب، ليكون أول معرض من نوعه تحتضنه دولة عربية وأفريقية.

عامنا هذا يشهد العيد الذهبي للمعرض الذي رفض الهزيمة وبشّر بالنصر القادم، فكيف كان استعدادنا لهذا العيد اللافت العزيز؟

بداية شهد المعرض، الذي سيفتح أبوابه للجماهير بعد أيام قلائل، ارتباكًا غير مبرر بالمرة بخصوص مكان إقامته، فقد أصرت الحكومة على نقله من مكانه المتميز الكائن بأرض المعارض بمدينة نصر إلى منطقة التجمع الخامس، وهو مكان يجهل معظم زوار المعرض كيفية الوصول إليه.

سألت أحد الناشرين ـ تحفظ على ذكر اسمه ـ عن تقييمه للمعرض فقال: لو بدأت بالحسنات فسأقول: معرض هذا العام مقام في مكان مجهز بطريقة جيدة جدًا، فلن يطاردنا الغبار ولا الأمطار، وعلينا ألا نظلم وزارة الثقافة، فهي لم تكن مالكة لأرض المعارض، فالأرض مملوكة لوزارة التجارة والصناعة التي ستبيع الأرض وبثمنها ستقيم أرض معارض جديدة في العاصمة الإدارية، ثم هناك مرونة في مواعيد العمل من التاسعة صباحًا حتى السابعة مساءَ مع فتح الأبواب، أما الندوات الشعرية فحتى التاسعة مساءً، وقد خصصت الحكومة 6 خطوط مواصلات رئيسية لرواد المعرض. ويجب ألا نغفل أهمية مشاركة الهيئة العامة للكتاب بأكثر من 594 عنوانا جديدا، ومشاركة 35 دولة عربية  وأجنبية من خلال 1273 ناشرا، كما تمت دعوة 170 مبدعا عربيا وأجنبيا لحضور فعاليات المعرض.

عدت لسؤاله عن العيوب فقال: زيادة سعر تذكرة دخول المعرض إلى ثلاثة جنيهات، وهو ما يعني أن الأسرة المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى 15 جنيهًا لدخول المعرض، ثم هناك خطوط المواصلات العامة الت لن يقل ثمن تذكرة أي أتوبيس منها عن ستة جنيهات، وزائر المعرض لن يستقل وسيلة مواصلات واحدة بل قد يستخدم وسيلتين أو ثلاث، فهل سينفق على شراء الكتب أم على المواصلات؟.

وأضاف الناشر: أن عدد حفلات التوقيع وصل إلى ستمائة حفلة، وهذا عدد كبير جدًا ولن يتيح الفرصة للجماهير لكي تلتقي بمن تحب من الأدباء، ثم هناك أكثر من ثلاثمائة شاعر. هذا الزحام لا يعني إثراء المعرض بقدر ما يعني حفلا من الضجيج الذي لن يستمع فيه أحد لأحد.

وواصل الناشر كلامه قائلًا: أما العيب الخطير الذي قد يؤدي إلى مشاكل مالية لي وللناشرين أمثالي فهو إيجار الأجنحة، قلت أولًا إن المكان فخم جدًا ويليق بصناعة المعارض، ولكن الإيجار هو نار الله الموقدة، فأصغر مساحة متاحة للناشرين هى تسعة أمتار وإيجارها بالإضافة إلى رسوم اتحاد الناشرين يصل إلى تسعة آلاف جنيه، يعني المتر بألف جنيه. هذا إيجار مرتفع جدًا، إذا وضعنا في حساباتنا مسألة المكان الجديد والمشقة التي سيتحملها الزائر، بوضوح نحن نخشى من حملات المقاطعة التي انطلقت على وسائل التواصل الاجتماعي  لموسم المعرض، كما نخشى من المعرض الموازي الذي سيقيمه باعة سور الأزبكية. إن انصراف الجمهور عن المعرض سيجعلنا لن نفلح حتى في الحصول على إيجار الجناح!

انتهى كلام الناشر الذي أنا على يقين من وصوله لأهل الشأن الذين كان يجب عليهم مراعاة خصوصية الحدث هذا العام، فمثل هذا العيد لن يشهده مرة أخرى معظم الذين على قيد الحياة الآن.

كان من الواجب تأخير نقل المعرض ولو لعام واحد فقط، ثم اطلاق حملة قومية للاحتفال بالعيد الذهبي وتذليل كل العقبات التي قد تواجه معرض هذا العام على وجه التحديد لأنه موسم استثنائي كان يجب أن يحظى بمعاملة خاصة تليق به، ولكن من الواضح أن التسرع في اتخاذ القرارات المهمة قد يؤدي إلى ذهاب لمعة الذهب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: