منوعات

ورش الكتابة الإبداعية.. بوح يتقاسم الوجع

“أهدانى الرب سهم الحياة .. كي أطلقه في عنان السماء .. ليضىء بريقه .. طريق الحائرين”. استيقظت ذات صباح وفي أذني تتردد تلك العبارة، بإيقاع يشبه إلى حد كبير إيقاع الترانيم الكنسية، وبصوت يشبه صوتي، بل هو بالفعل صوتي، لكنه صوت أكثر عمقا، صوت أكثر دفئا، شعرت يومها أن تلك العبارة تحمل لي رسالة ما، لكننى لم أدري ما فحواها. أخذت تلك العبارة تتردد باذني من حين إلى أخر، لا هى تذهب عني، ولا هى تستكين داخل نص ما، إلى أن التحقت بإحدى ورش الكتابة الإبداعية، “ورشة غوثية” التي يشرف عليها أستاذ الدراما والنقد الأدبى بأكاديمية الفنون الدكتور ياسر علام، وعبر إحدى تدريبات الورشة خرجت بنص كانت هذه العبارة أحد أعمدته الأساسية.

الدكتور ياسر علام

يتساءل البعض عن جدوى تنظيم ورش الكتابة الإبداعية، وهل حقا يمكن أن تخرج مبدعين؟ أو أن تساعد في تطوير بعض المشروعات الإبداعية؟.. ثمة  فريق يرى أن الإبداع الأدبي موهبة تثقل بالقراءة، والتواصل مع مختلف الفنون السمعية والبصرية، وفريق آخر يقول بأن الكتابة الابداعية  مهارة مثلها مثل أى مهارة أخرى يمكن أن تكتسب بالتدريب المنظم المستمر. وهناك من يرى أن الكتابة الإبداعية أى ما كان إطارها أو مضونها هى إحدى وسائل التعبير عن النفس ومن ثم هى مجرد وسيلة عبر رحلة البحث عن الذات من أجل الوصول إلى حالة السكينة والسلام النفسي. وبالتالي فإن دور المدرب بتلك الورشة الإبداعية ينحصر في حث المتدربين على البحث داخل ذواتهم عما يحييهم، ولكن ما هو موقع “ورشة غوثية” من هذا الجدل؟

 تستند ورشة “غوثية” للكتابة الإبداعية، إلى فكرة أن الفنون المختلفة تغذي بعضها بعضا، ففي تلك الورشة يقوم المشاركون بقراءة العديد من الأعمال الأدبية، كما أنهم يشاهدون العديد من الأعمال السينمائية، ويمكن لهم أن يقوموا بزيارة لأحد معارض الفن التشكيلي، إلى جانب الجولات الحرة بالمناطق ذات الطابع الأثرى، داخل وخارج القاهرة، حيث ينظم المشاركون  رحلات ميدانية، يخرجون منها بنصوص أدبية متنوعة.

فلسفة غوثية:

من أين جاءت فكرة غوثية، وما هي الفلسفة التي تقوم عليها؟..  في اجابته على هذين السؤالين يقول الدكتور ياسر علام إن “غوثية” جاءت وليدة شيوع حالة الإحباط والإنكسار التى شاعت داخل الأجواء الثقافية في السنوات الأخيرة، في هذه الحالة يمكن القول إن أى شخص يدعى أنه يمتلك حلول واضحة لمواجهة هذه الحالة، شخص غير صادق.. نحن إزاء الحاجة إلى لجان إغاثة ثقافية، كل مجموعة يمكنها أن تتشارك فيما بينها  لعمل شيء ما، تنقذ هذه المجموعة من الغرق في حالة الإحباط الثقافي.

 يضيف علام، من هنا جاءت فكرة غوثية، بإعتبارها لجنة إغاثة لعدد من المشاركين فيها، وهذه الورشة لا تهدف إلى تخريج مبدعين في الكتابة الأدبية، ولكن الهدف منها استخدام فعل الكتابة كوسيلة للتعرف على النفس، فكرة كتابة الذات هى الفكرة المحورية التى تقوم عليها ورشة غوثية، وتطوير مهارات وأدوات الكتابة يمكن أن يحدث خلال أعمال الورشة لكنه بالطبع ليس هو المنتهى من هذه الورشة.

 وعن معنى” كتابة الذات” يتحدث علام: كتابة الذات لها معنيان :معنى دارج يستند إلى فكرة التعبير عن خلجات الذات، وهى الأقرب لفكرة السيكودراما، ومعنى غير دارج يرتبط بفكرة أن الإنسان يمكن له عبر فعل الكتابة أن يعيد اكتشاف  ذاته، يعيد صياغة نفسه بطريقة أوفق لما يريد أن يكون عليه.

Image may contain: 4 people, people sitting, table and indoor

تفاعلية الفنون:

” يؤكد علام على التفاعل والتواصل المرن بين المبدعين على إختلاف طبيعة ونوعية الإبداع الذى يمارسونه، فالفنون تصدر عن أصل واحد أو نقطة مركزية واحدة، وهذه النقطة يمكن لها أن تتشعب بأشكال مختلفة، ومن ثم يمكن أن يكون الملهم لفن ما من الفنون، هو فن أخر غير هذا الفن المعنى للمبدع.

 وحول نقطة التلاقي بين الفنون يرى الصحفي إسلام صلاح الدين،وهو أحد المشاركين بالورشة، أن ورشة غوثية مفيدة لأنها  تهتم بمختلف الفنون، فالتعرض لأشكال مختلفة فنيا مفيد جدا لأى مبدع، لأن أى عمل فنى يمكن أن يعتمد على غيره من الفنون، يمكن لنص أدبى أن يتأثر كاتبه بعمل سينمائي معين أو عمل  موسيقى أو حتى عمل معماري .

 أما مروة سلطان أستاذ تعليم اللغة العربية للأجانب بالجامعة الأمريكية بالقاهرة  فتقول عن تجربتها مع ورشة غوثية، إن هذه الورثة لا تعلم فن الكتابة، بل هي لاكتشاف نفسى واكتشاف العالم من حولي، وأنا أكتب منذ فترة، ثم توقفت عن الكتابة وبدأت في ممارسة الرسم والخزف والخرز، ثم عدت مع غوثية بعد فترة طويلة للكتابة مرة أخرى، هناك دائما أشياء لا يمكننى التعبير عنها بالرسم، لكن يمكننى التعبير عنها بالكتابة، وهناك أشياء لا يمكننى تناولها بالكتابة لكن يمكننى رسمها، وبصفة عامة فإن كل الفنون تصب في بعضها البعض.

Image may contain: 4 people, people sitting, table and indoor

تشارك دون اصدار أحكام:

إذا كانت الكتابة الإبداعية في حد ذاتها هى الوسيلة لإكتشاف الذات فهل يمكن للتفاعل داخل ورش الكتابة الإبداعية أن يكون وسيلة لدعم هذا الإكتشاف أم لا؟ تجيب عن هذا التساؤل مروة سلطان بقولها: غوثية فيها تعددية وقبول للأخر، ولا توجد فيها فكرة اصدار الأحكام، بمعنى أن كل شخص يمكن له أن يقول ما يحلو له وهو مطمئن تماما أنه لن يتعرض لأى أحكام تصدر ضده.

وتقول رضوى نبيل، اخصائية الموارد البشرية واحدى المشاركات في الورشة، إن الكتابة الإبداعية تحمل الكثير من أوجاع كاتبها، ونحن في “غوثية” نلمس أوجاع بعضنا البعض، ونتشارك هذا الوجع، فمن خلال الكتابة لا يجد صاحب هذا الوجع نفسه وحيدا، وإنما نتشارك ذات الشعور، وهو ذات المعنى الذي اكد عليه إسلام صلاح الدين بقوله: المفيد في الورشة أننا نسمع بعض، ونتأثر بكتابة بعضنا بعضا، حتى دون أن ندرى.

 

ورش الكتابة الإبداعية كعملية تجارية:

 رغم كل ما قد قدمه المشاركون في ورشة “غوثية” من تأكيد على مدى أهمية الورشة بالنسبة لهم، إلا أنهم حذروا من انتشار ورش الكتابة الإبداعية ذات الطابع التجاري، والتى يطلق عليها البعض “السبوبة” وهنا يشير إسلام صلاح الدين إلى ان هناك فئة من الكتاب المشهورين، الذين يستغلون وجود حالة من الاحتياج لهذا النوع من ورش الكتابة، ويقومون بتنظيم ورش مبالغ في تكلفتها دون وجود مضمون حقيقى، لكن وبفعل آليات السوق المتعارف عليها، لن يبقى سوى الأصلح وما هو أفضل وفقا لرأى الجمهور.

تؤكد على ذات المعنى مروة سلطان، حيث تشير إلى أنها  التحقت بإحدى تلك الورش التى بلغت تكلفتها ثلاثة آلاف جنيه في الشهر الواحد ولم تستفد شيئا،  وتقارن مروة بين تلك الورشة “السبوبة” وورشة غوثية التى إلتحقت بها منذ نحو عامين ومازالت مستمرة بها، معتبرة أن “غوثية” ليست بالنسبة لها مدرسة ستتخرج منها بعد إنقضاء فترة ما، وإنما هى بالنسبة لها مشروع أو مكان يضم بعض الأشخاص الذين يتشاركون في حب شيء ما وبالتالى هم يجتمعون على هذا الشيء .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق