ثقافة

الناقدة مروة مختار: نظام التعليم الحالي لا ينتج قراءة جدلية للتراث

ترى أن النقد فعل بناء وليس وسيلة لتحطيم الكيانات الأدبية أو اصطياد الأخطاء، كما أنه ليس سوطا نشهره في وجه المبدعين كما يفعل بعض النقاد، لكنه محاولة متفردة للبحث في أعماق الإبداع لكشف مزيد من جمالياته. رؤيتها لمهمة الناقد ولدور النقد الأدبي جعل كثيرين ينظرون اليها باعتبارها واحدة من أكثر النقاد موضوعية. إنها الدكتورة مروة مختار، الناقدة  الأدبية ومديرة مركز الدراسات الثقافية التي التقاها  موقع “أصوات أونلاين” وكان معها هذا الحوار:

 بداية وكناقدة أدبية ماذا يعنى لك الاشتغال بالنقد؟

الاشتغال بالنقد يعنى لي أن أكون داخل كل نص وداخل كل نفس، يعني دوما الاجتهاد لتنمية وعيك ثم وعى من حولك تدريجيا، هو بصيرة واعية تقرأ النص القديم والنص الحديث دون تعصب لجنس أدبى، كما يعنى أنك إنسان محب للموسيقى ولألوانها المختلفة، تتنقل بين المناهج النقدية وتؤمن بتطورها، تمسك بعصا قائد الاوكسترا محدثا تناغما بين معطيات المناهج القديمة والحديثة لتكتب بمنهجية يسكنها روح فنان، وتغض الطرف عن تلك الأسواط التي يتبارى بعض النقاد في إشهارها في وجه المبدعين.. الاشتغال بالنقد يعنى أنك تمارس فعل البناء فى كل علاقاتك الإنسانية وإن سبقها تفكيك واستبصار لنقرأ بعضنا بوضوح بحثا عن مساحات مشتركة نبدأ منها. كما أن ممارسة النقد تعني الجلوس في مقاعد متعددة كي تقرأ نصا واحدا، يعنى أن القلق المعرفى يسكنك ويدفعك إلى التساؤل دوما، يحرضك على محاولات متكررة للفهم لن ترضى أن تنعم بها وحدك، ويعنى أنك تمد يدك دوما لتصافح من أمامك مبتسما لتغرس فيه أن محبة النصوص والنفوس هى أولى خطوات القراءة والتحليل، الاشتغال بالنقد يعنى أنك فى قلب الحياة.

ما الذي أضافه تأسيس مركز الدراسات الثقافية الذي تتولين إدارته، إلى المشهد الثقافي المصري؟

تأسيس مركز الدراسات الثقافية كان في عام 2016، بمجموعة من الباحثين، بعضهم انسحب وبعضهم استمر، ومع كل فاعلية ينضم إلينا أعضاء جدد. الهدف من تأسيس هذا المركز هو علمي وثقافي واجتماعي من خلال عمل جماعي، وهو أمر نادر في مصر وفى وطننا العربي، وهو مركز مستقل تماما، يحاول أن يقدم الجاد بشكل يتناسب مع شرائح متباينة، لا يقصر جهده على الإفادة ممن اسميناهم نخبة لتصل رسالة سلبية عن الثقافة بأنها ترف، لكننا نسعى إلى الوصول بكل ماهو معرفى وثقافى إلى المتلقى بشكل غير متعال ..نحن نحاول أن نستفيد من كل الخبرات الثقافية والإبداعية حولنا ،واستيعاب كل جديد وربطه بالواقع المجتمعى، هذه المهارة أو الموهبة حافظ عليها بعض الأكاديميين الذين لم تمنعهم أسوارالجامعة من التواصل مع مجتمعهم بوسائل متعددة، ومن ثم فالمركز يهتم فى المقام الأول بقضايا الدراسات الثقافية، كما يهتم بمختلف القضايا التي يمر بها مجتمعنا المصرى والعربى ويحاول أن يناقشها أو على الأقل يناقش ما كتب حولها ويبحث فى أسباب تفعيل الحلول وتطويرها.

لماذا تغيب مشاريع ثقافية متكاملة داخل الجامعات المصرية مبنية على استقصاء وربط بواقعنا الثقافي؟

سؤالك يعيدني مرة اخرى لفكرة العمل الجماعي التي تكاد تكون منعدمة في ثقافتنا، كل يبحث عن نفسه، عن صورته أو انعكاس صورته على طلابه بداية من نموذج الإجابة الذي اعتاد الطالب أن يكتبه من صغره حتى يكون نموذجا مطابقا للأصل حتى نصل إلى المذكرة الجامعية أو الكتاب المقررالذى يحفظه الطالب بجهده الذاتى أوعن طريق ملخصات خارجية ليحصل على أعلى الدرجات نتيجة مطابقته الأصل الذى ذاكر عنه أو بمعنى آخر حفظه، انه بحث عن فكرة الامتداد بشكل سلبى قد تستمر لمرحلة الماجستير والدكتوراه، نلحظها فى تلامذة الاستاذ الواحد وكتاباتهم وطريقة صياغة أفكارهم، ووصلت ببعضهم أنهم اعتبروا التقليد دون تجديد ضرب من الإخلاص والوفاء لأساتذتهم .لكن الأستاذ الحق في ظني، هو من يترك أثرا فى عقول طلابه ونفوسهم تدفعهم إلى البحث عن الجديد وإعادة النظر فيما كتب أو اتفق حوله، وربما تكون أولى معارضات طلابه لأفكارالاستاذ نفسه وكتاباته، من هنا يطلق لهم العنان فى الدوران حول العالم وإعاده النظر فيه واكتشاف جديده لا الدوران فى فلكه الخاص. من هنا تتحرر الرؤى البحثية من النمطية وتتحرر الروح من البحث عن صورها داخل كل نفس كأنها عمليات استنساخ من الأصل. وحينما تعالت الأصوات باتساع الهوة بين الجامعة وأبحاثها عن الواقع المجتمعى، تم انشاء وحدات ذات طابع خاص لربط أنشطتها بالمجتمع، وقد أسهم ذلك  تحريك الماء الراكد بلاشك، لكن الواقع المجتمعى الذى تأخرنا كثيرا عن اللحاق به، لظروف متباينة اقتصادية واجتماعية وفكرية وثقافية، يتطلب هذا الأستاذ الذى أسلفت الحديث عنه ليضع تلك المشاريع ويخطط  لها  لبلورة أفكاره النظرية إلى ممارسات وأفعال تطبيقية تلبى احتياجات مجتمعه من جانب، وتدعم فكرة العمل الجماعي من جانب آخر، بعيدا عن المظاهر الاحتفالية والتقاط الصور ووضع الأنا الظاهرة والمقنعة فى أطر مزيفة.

العقاد يحتل مكانة كبيرة من اهتماماتك الأكاديمية والنقدية، ولكنك تقدمينه باعتباره أحد أصحاب الرؤية الأدبية الأحادية المنغلقة لماذا؟

دراستي للماجستير كانت عن أعمال العقاد النثرية، لأن نثره هو الأكثر انتشارا وتأثيرا فى أجيال متباينة، وكتبه ما زالت تحتل موقعا متقدما في نسبة مبيعات دور النشر، وهذا مؤشر على أن هناك خطابا ما يستقطب شريحة كبيرة فى أجيال سابقة ولاحقة، ومن ثم فقد حاولت من خلال منهج تحليل الخطاب كشف بعض استراتيجيات خطابه فى كتاباته النثرية وتحديدا “عبقرية عمر”، الاختيار هناك كان له هدفان: الأول محاولة فهم كتابة العقاد وكيفية سيطرته على القارىء وتوجيهه وكشف خطابه الأحادى وهذا ماكشفته الدراسة، والآخر تطبيق منهج تحليل الخطاب باعتباره وقتها منهجا جديدا وكان هذا بين عامى 2000 :2003 ونشرت هذه الدراسة في كتاب بعد ذلك، ثم ابتعدت عن العقاد بعدها مايقرب من عامين متواصلين ثم تلا ذلك قراءات متفرقة أهدت إلى فكرة تحليل خطابه عن الشخصيات العامة وكان بحثى “سلطة المفكر بين الخطاب الحجاجى والخطاب الثقافى”، وكانت الشخصية شكسبير، وحاولت فى أكثر من مقالة ومداخلة أو لقاء تلفزيونى أن أتحدث عن خطابه، هادفة من هذا كله إلى تنمية الوعى بفكرة أننا نناقش الرواد لا نطوف حولهم، فالطواف شعيرة مقدسة لها مكانها الخاص بها، والرواد بشر يؤخذ من أفكارهم ويرد عليها، وكتاباتهم  لها أنساقها الثقافية التى كتبت فيها ولابد من مراعاتها ووضعها في اعتبارنا  أثناء القراءة، وتحليلها بعيدا عن فكرة حصار القارىء بين قوسين التى كان العقاد يجيدها.

وسأضرب مثلا واحدا على تناقض بعض أفكاره في مواقف حية؛ فعلى سبيل المثال كلنا يعلم موقف العقاد من شعر صلاح عبد الصبور الذى لم يعترف به وطالب بتحويله إلى لجنة النثر رافضا أي تجديد في الشكل العمودي القديم للشعر العربي. لكن العقاد الذي اتخذ هذا الموقف من شعر صلاح عبد الصبور، هو نفسه الذي أنكر موقف فولتير ورفضه بشدة عندما وصف (فولتير)  شكسبير بأنه محروم من الفن ومن النسق لأن المثل الأعلى عند فولتير أن يسير المبدع على سنن الأقدمين.

هل ترين أن هناك تواصلا حقيقيا مع تراثنا؟ أم أنه وبفعل القطيعة جرى تغيب التواصل مع هذا التراث ومن ثم تنقيته لخلق قارئ جدلي؟

بداية قراءة التراث لاتخلق قارئا جدليا، قراءة التراث تحتاج إلى قارئ جدلي، هذا القارئ لا يولد لحظيا نتيجة مصادفة حصوله على مكانة أو شهادة أو درجة علمية أو مساحة إعلامية مفتوحة، قارىء التراث الحقيقى يقرأه فى سياقه الثقافى لايقتطعه منه كالنبتة بلا مناخ يحيط بها أو جذور، كما أنه لا يقرأه  ليطبقه حرفيا كما وجده ويحاول الزامنا بفهمه على شاكلته. والعقلية الجدلية لا تنمو بالتأكيد فى نظام تعليمى اختار الحفظ علامة على التفوق، نظام يعتمد مطابقة فكرك لقلمى وإلا اتهمت بالخروج على الأراء التى اكتسبت قداستها بفعل الزمن وبفعل من يقومون بنشرها لضمان السمع والطاعة ،رغم تعدد وتباين الأيدولوجيات التي يصطفون تحتها .

نحن أمة مازالت تتغنى بأمجاد ماضيها، ولاتجيد الحوار البناء معه إلا فيما ندر،بمعنى أن كل طائفة ـ وأنا متأسية لتقرير ذلك ـ تحشد من التراث ما يؤيد فكرها ويعضده، لدرجة وصلت لاعتبار بعض الأفكار التى لا يقبلها أى عقل أوإنسانية نوعا من التراث يجب الحفاظ عليه لا بين دفات الكتب فحسب، لكن في صدور أتباعها وعقولهم، فالحشد أو التأييد المطلق أصبح سمة تداولية رئيسة لتقريرصلاحية بعض الأفكار لا المتن ومايحمله من أفكار وآراء قابلة للأخذ والرد.

ويمكننى أن أقول إن بعض القدماء كانوا أكثر منا إقداما وجرأة على المناقشة والقراءة والتأويل ،القراءة التى تبني الوعى وأثناء البناء تحطم القيود وتقيم الجسور، لتصبح الرؤية أكثر شفافية ومواكبة للعصر، فأين نحن منهم الآن ؟.. إن الحوار مع التراث يتطلب إنسانا يؤمن بجدواه، غير مبال بمجد شخصي زائف، أو يدعى حمل شعار “كل قديم صالح لأى عصر” دون حوار عقلانى معه أو إنسانى،وأظن أن البون شاسع بين من يبحثون عن الشهرة ومن يبحثون عن تنمية الوعى، الذى أهمل عمدا، بكشف أنساق ثقافية مضمرة لكتابات كثيرة فى تراثنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق