رؤى

شخصيات مصر التاريخية ..بين الحزم الأكاديمي والاحتفاء الوطني

ثمة كتابان قيّمان  ليس بوسع أي مثقف أو باحث مهموم بتاريخ مصر الحديث والمعاصر أو مسيرتها الثقافية ، إلا أن يحرص على قراءاتهما، لما يشكلانه من  إسهام ثقافي ومعرفي مهم جدا .. الكتاب الأول هو “قاموس تراجم مصر الحديثة ” للبروفيسور الامريكي” أرثر جولد شميت” (الأبن ) والصادر عام ٢٠٠٠ في لغته الأصلية ، والذي ترجمه إلى العربية أستاذ التاريخ المصري المرموق الدكتور عبد الوهاب بكر عام ٢٠٠٣ ، وصدر عن المركز القومي للترجمة.

 أما الكتاب الثاني ” مائة شخصية صنعت تاريخ مصر”  فهو كتاب مصري خالص صدر عام 2016 عن دار البديل لأربعة مؤلفين مصريين موهوبين ينتمون إلى جيلي الشباب والوسط ،هم ماهر الشيّال و محمد الصّبان ومحمد الطناوي وهيثم أبوزيد. الكتابان  ينتميان إلى ما يعرف في الثقافة العربية بـ” أدب التراجم ” لكن الفارق بينهما هو أن الأول اعتمد مؤلفه على المنهج العلمي الحازم في تناول شخصياته، بينما غلبت العاطفة والانحياز الوطني على مؤلفي الكتاب الثاني . لكن هذا الفارق لا يجرح مطلقا قيمة الكتابين عن شخصيات مصر التاريخية، لاسيما عند مقارنتهما بكتب وكتابات ومواقف بعض من يسعون لنيل رضا اللوبي اليهودي المؤثر في منح الجوائز الدولية، والذين ينهالون تشكيكا في رموز مصر وأبطالها.. فلا هم حققوا ومحّصوا بعلم كما فعل جولد سميت، ولا هم انحازوا، بحب ووعي، لأوطانهم ورموزهم كما فعل مؤلفو الكتاب الثاني.

الفروق بين الكتابين عديدة، لكن الجدية والدقة وتقديم (دليل ) للفهم تحتاج اليه الأجيال الجديدة ليس من بين تلك الفروق، بل هي سمات تجمع بينهما. كما يجمع الكتابين اتساع أفق معاييرهما في اختيار الشخصيات التي صنعت تاريخ هذا البلد القائد في محيطه العربي، فهم لم يقصروه علي السياسيين والعسكريين والدبلوماسيين من الرجال بل وسّعوه ليشمل الفنانين والكتاب والشيوخ والنساء والمسلمين والأقباط واليهود.

لكن الكتاب الاول أنفرد بتناول والاهتمام بكل من لعب دورا جوهريا في تاريخ مصر الحديث، فلم يقصر تناوله على الشخصيات المصرية فحسب بل تناول سيرة وتاريخ شخصيات غير مصرية لعبت دورا مهما في مسار التاريخ المصري المعاصر، سواء كان هذا الدور، من وجهة نظر الوطنية المصرية، دور هدم وليس بناء مثال (الخديوي توفيق أو مصطفي باشا فهمي وغيرهما ) أو كان دورا لمصلحة الاستعمار البريطاني وليس لمصلحة مصر مثل ذلك الذي قام به ( اللبني  وكرومر )، في حين اقتصر الكتاب الثاني في تناوله لسيرة مائة شخصية، على المصريين أو المتمصرين فقط.

اللورد كرومر                                                      اللورد اللنبي

الكتاب الأول مرجع أكاديمي رصين ( لدرجة الجفاف ) في بعض مواضعه لباحث يتركز جل عمله الأكاديمي والبحثي علي الشأن التاريخي المصري الحديث، بينما الكتاب الثاني هو رسالة احتفاء حارة مشبوبة بالعاطفة لأجيال من الكتاب أرادت أن تقدم من وجهة نظر كل فرد من المؤلفين الأربعة، من تراهم بحق بناة نهضة مصر وحضارتها.

في كتاب” شميت” اقتصار علي تراجم ما يعرف بتاريخ مصر الحديثة والذي يبدأ، حسب أكثر المؤرخين المصريين والأجانب، مع تولي محمد علي ( بداية القرن ١٩ )، إلا أن المؤلف هنا  فضّل –وعن حق – أن يبدأه من فترة علي بك الكبير التي شهدت بذور نهوض من السبات الحضاري الذي جعل من الحملة الفرنسية على مصر شرارة الاحتكاك التي أشعلت بداية النهضة الحديثة وليست صانعتها.

ويرتب “شميت” شخصيات كتابه ترتيبا صارما حسب الحروف الأبجدية، ويعكس عدد السطور التي كتبها المؤلف عن هذه الشخصيات، الحجم والدور التاريخي  لكل شخصية دون مجاملة أو إسراف. كما يتضمن الكتاب سجلا كاملا بالمراجع التي عاد المؤلف اليها للكتابة عن شخصيات كتابه.

أما المؤلفون المصريون الأربعة فهم، وعلي طريقة التداعي الحر، يتنقلون بين أزمنة مصر المختلفة من العصر الفرعوني إلى العصر القبطي ومن مصر الاسلامية حتي مصر المعاصرة جدا. كما تتنقل النحلة بين البساتين فتختار انتقائيا من كل الحقب التاريخية ما تمتص رحيقه وتعيد إفرازه عسلا شهيا، وعلي أساس يختلط فيه الموضوعي بالذاتي ،والدور المؤثر للشخصية مع ذائقة وميول كل كاتب من الكتاب الأربعة . فتجد علي التوالي -وبغض النظر عن حجم الدور وطبيعته وفِي عدد كلمات شبه متساو- رموزا بدءا من القائد الفرعوني أحمس الأول وصولا حتي الزعيم الطلابي المعاصر أحمد عبد الله رزة.

أحمد عبد الله رزة

 وفضلا عن أنه لا يتضمن أي إشارة للمراجع التي عاد اليها المؤلفون الأربعة في تناول سيرة شخصياتهم، فإن الكتاب لا يعتمد أي ترتيب هجائي أو تتابع زمني منهجي، كما فعل شميت، ولا حتي نمطا مشتركا في طبيعة الأدوار التاريخية. فقرب نهاية الكتاب مثلا تجد  شخصية رمسيس الثاني الفرعون الأكثر شهرة  والذي عاش عام ١٢٧٩ قبل الميلاد، في حين يسبقه في صفحات الكتاب القطب الصوفي عبد الوهاب الشعراني ١٤٩٥ ميلادية، وبعده يأتي يعقوب صنّوع ( أبو نظارة) الكاتب المسرحي والصحفي الساخر الذي لحق بالقرن العشرين متوفيا في عشريته الثانية ١٩١٢.

طبقات الشعراني الكبرى                                         يعقوب صنوع

في كتاب شميت، وهو مرجع صارم للباحثين علي طريقة التقاليد الغربية في قواميس التراجم المفتقد في ثقافتنا العربية مع استثناءات محدودة، استعراض لنحو ٤٠٠ شخصية تمتد أدوارها على مدى حوالي مائتين وخمسين سنة، وهي الفترة ما بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر وحتي قرب نهاية القرن العشرين.

أما الكتاب المصري، فكما ينبئ عنوانه، يضم مائة شخصية فقط رغم اتساع المساحة الزمنية التي تمتد على مدى أربعة آلاف سنة من تاريخ مصر، من العصر الفرعوني وصولا إلى القرن الواحد والعشرين، أي حتي عام ٢٠١٦. وفي هذا الكتاب تجد عنوانا يقدم لكل شخصية من الشخصيات المائة، وهذا العنوان يوضح الملمح الأبرز من وجهة نظر الكاتب لدور هذه الشخصية في صنع  قوة مصر الناعمة التي مكنّتها من نشر تأثيرها الي شقيقاتها العربيات.

 فعلي سبيل المثال جمال عبد الناصر عند هيثم أبو زيد ليس سردا متدرجا من الميلاد للوفاة وإنما هو( عدو الاستعمار)، وهو يبدأ من لقطة تأميم القناة (لحظة الانطلاقة التاريخية) لزعيم العرب وقائد الثورة وأبرز قادة التحرر الوطني المنحاز للأغلبية الفقيرة من شعبه وهو عندما انتهت حياته في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ انتهت حياة الرجل الذي غير وجه المنطقة وَقّاد المواجهة مع قوي الاستعمار الغربي .

في المقابل فإن عبد الناصر عند “شميت” الأكاديمي هو باقتضاب ( ضابط جيش وقائد ثورة١٩٥٢ ورئيس وزراء ورئيس لمصر ) يتدرج معه من ميلاده ويتمه المبكر لأمه ومشاركته في المظاهرات وهو طالب في الثانوي وحتي وفاته، ليقول إن ناصر أحدث الكثير من التغييرات الداخلية الكبرى، لكن خلفه السادات غيّر الكثير من السياسات ومكّن بعض المصريين من الهجوم علي (الشخصية القمعية لنظام عبد الناصر وفشل سياساته الاشتراكية ). ويضيف  شميت أنه ورغم أن سمعة عبد الناصر عانت من هذا الهجوم -المدبر من السادات – إلا أن ذكراه  تلقي الاحترام من جانب كثير من العرب.

جمال عبد الناصر                                             أنور السادات

 سيرة الفنان نجيب الريحاني جاءت في كتاب “شميت في ١٧ سطرا فقط، فهو ممثل كوميدي ومؤلف ل٥٠ رواية ، شاركه رحلة تأليفهما الكاتب المعروف بديع خيري، ومّثل ٧ أفلام ّوتزوج مرتين آخرهما كانت من الراقصة الشهيرة بديعة مصابني.

أما عند ماهر الشيّال فقد جاءت ترجمته لنجيب الريحاني في أربع صفحات ونحو الف كلمة، وهو عنده المشاكس الناقد للسلطة في عهده، وهو متقد بالشعور الوطني، منشغل بقضية التحرر الوطني، الذي استفز الملك فاروق عمدا باختيار مسرحية لعرضها أمامه تتحدث عن حالة الفقر المدقع التي يعيشها المصريون في عهده .. وهو صاحب مسرحية “حكم قراقوش” التي أغضبت الملك فارغمته الحكومة علي إيقاف عرضها في مصيف رأس البر. يرسم الشيّال للريحاني صورة تحمل قدرا من الحب والحماس الزائدين من الكاتب، وتنفرد بتقديمه كمناضل سياسي يوظّف فنه لصالح مجتمعه.

وفي الأخير لو كنت مكان مؤسسة التربية والتعليم المصرية التي تتحدث كثيرا في الوقت الراهن عن منهج للتفكير، وليس للحفظ في تعليم أولادنا، لقررت الكتاب المصري عن الشخصيات المائة ككتاب مساعد للمنهج المدرسي المقرر في المرحلة الأولي من التعليم الثانوي، ولقررت  الكتاب الأجنبي المترجم  لنحو ٤٠٠ شخصية، كمرجع خارجي أيضا للمرحلة الاخيرة من الثانوية.

الوسوم

حسين عبد الغني

كاتب وإعلامي مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق