منوعات

محمد العزبي.. جبرتي شارع الصحافة

لأكثر من ستة عقود، عايش الأستاذ محمد العزبي تقلبات السياسة وانعكاستها على الصحافة، عاصر أربعة أنظمة حكم، وتعامل مع كل أنواع الرقابة من “الرقابة على المطبوعات مرورا بـالرقيب الضابط، ثم انتقال المهمة إلى رؤساء التحرير، وصولا إلى الرقيب الشبح الذي يتحكم في المسموح والممنوع عبر وسائل الاتصال الاجتماعي الجديدة”.

وصف العزبي العلاقة بين الصحافة والسلطة بأنها “صراع بين القط والفأر.. فالصحافة دورها النبش وكشف المستور وتوجيه النقد.. والحكم كتوم يسعى إلى فرض السيطرة وغلق الأبواب”، ويرى أن موقف الأنظمة من الصحافة واحد في كل العهود التي عاصرها، مع اختلاف القبضة، “فمرة قوية، وأخرى غشيمة، وثالثة ذكية تسمح ببعض الحريات نتيجة الضغوط والظروف”.

اقترب العزبي من بارونات الصحافة وسجل قصصهم، ورافق حرافيش المهنة فعاش همومهم وشمله “غلبهم”، وقبل نهاية الرحلة جمع كل ما سبق في ثلاثة إصدارات تناولت تاريخ “صاحبة الجلالة” بدأها بـ”كُناسة الصحف” ثم “الصحافة والحكم” وأخيرا “صحفيون غلابة”.

 

الصحافة والسلطان

رغم اقترابه من السابعة والثمانين، ألا أن الصحافة لا تزال مبلغ همه وميدان آماله ومصدر سعادته وآلامه، كتب فيها وعنها ولها وعليها، دافع عنها وعن استقلالها وحريات أبنائها.

في كتابه “الصحافة والحكم” انتقد العزبي محاولات الأنظمة تشويه الإعلام وتحميله مسئولية أي فشل “هناك دائما من يكره النور، يصرخ كلما انكشفت عورته (الحق على الإعلام)، متجاهلين أن الصحف لا تصنع الأخبار أو الأخطاء وإنما تنقلها وتسلط الضوء عليه”.

وتساءل: هل أصبحنا حقا خدم السلطان أيا كان؟.. وهل تعودنا ألا تعجب الصحف أولى الأمر والنهي على كل لون.. خوفا من كشف المستور أو خجلا مما يفعلون أو حصرا على السر في بير أو لله وفي الله؟.

“قالوا لا يوجد طاغية، إلا ويتمنى حبس الصحفيين، فإن لم يستطع يقصف أقلامهم، أو يُخرس ألسنتهم، أو يقطع يدهم اليمنى، لكنهم يبرون الأقلام من جديد، ويستخدمون اليد اليسرى، وإذا لزم الأمر يكتبون بالإشارة وينتصرون” هذا ما قاله العزبي في كتابه، مطالبا الجمهور بقراءة الصحف: “أقرأوا الصحف فهي صوتكم إلا قليلا، ولا تصدقوا الحكام الذين تصيبهم أمراض الكذب”، متسائلا: “من الذي أفسد الصحافة وأرادها مسخا؟، ومن الذي يجعل من الحاكم بهلوانا؟.. منها لله سجون السلطان وعطاياه.. ولا غفر الله لمستشاريه ووزرائه”.

رحلة من “طرة” إلى “الفصل”

وعن علاقته كصحفي بالأنظمة السابقة يقول العزبي:” كان طريقي الابتعاد والرضا بالمقسوم، ولم أطلب شيئاً من أحد، وابتعدت لأنى أعرف أن كل شىء له ثمنه وتطورت بنفسى ورُقِّيت بمهنيتى وليس بعلاقاتى بأحد، وقد تعرضت لمشاكل فى عملى فقد منعت من السفر أكثر من مرة، وأتذكر وقت كان جمال عبد الناصر رئيسًا اعتقلت 6 أشهر في سجن  مزرعة طرة، وكان معى فى الزنزانة 63 أديبا وشاعرا منهم صلاح عيسى وعبدالرحمن الأبنودى وسيد حجاب وجمال الغيطاني”.

 عبد الرحمن الأبنودي                  جمال الغيطاني                   سيد حجاب                     صلاح عيسى

ويضيف: “السادات أحالنى إلى المعاش وعمرى 31 عاما بسبب تقرير أمنى بتهمة ترويجى بيان توفيق الحكيم الذى كان بعنوان “لا سلم ولا حرب” وكان يتعلق بالحرب مع إسرائيل، ولم أكن وحدي وإنما معي عشرات من الصحفيين، بقرار من لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي التي رأسها محمد عثمان إسماعيل ،وقد أصبح محافظا لأسيوط، وكان ممن يقال عنهم رجال السادات، ومن أعضاء اللجنة الدكتور أحمد كمال أبو المجد وقد أصبح وزيرا للإعلام، وكانت الخطة هي الفصل من الاتحاد الاشتراكي الذي كان شرطا لعضوية نقابة الصحفيين، وبالتالي نفصل من النقابة فلا يحق لنا الاشتغال بالصحافة.. وكان مصطفى بهجت بدوي رئيس مجلس إدارة الجمهورية الضابط والشاعر يحضر بنفسه ومعه أمين الخزينة يسلمنا معاشاتنا، وهي ثلث المرتب، في بيوتنا أو كل شهر”.

توفيق الحكيم

من “الطب” إلى كتابة “البخت”

ولد العزبي عام 1932، لأب يعمل أستاذا في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، مات والده قبل أن يبلغ السادسة من عمره، “لم أتحدث إليه ولم أعرف ملامحه، سمعت عنه ممن عايشوه خصوصا في قريتي المنزلة بمحافظة الدقهلية”، وأكملت والدته تربيته ورحلة تعليمه حتى دخل كلية الطب.

وعن تحوله من “الطب” إلى “الصحافة” يقول العزبي: “التحقت بكلية طب قصر العيني في عام 1949، ونجحت في السنة الأعدادية وكنا ندرسها في كلية العلوم، ودخلت المشرحة التي كرهتني في الطب بينما استهواني جو الكلية حيث سبقني يوسف أدريس، ونوال السعداوي وجماعات من اليساريين والإخوان، وأنا كنت غاوي صحافة فلم يكن صعبا أن أجد طريقي إلى بوفيه الكلية حيث مقر مجلة “طب قصر العيني”، التي كان يرأس تحريرها الطالب صبري أيوب ويحررها زملاؤه حمدي قنديل ومسعود أحمد وسليمان أدريس، أما المشرف عليها من الأستاتذة  فكان الدكتور ناصح أمين أستاذ التحاليل وأحد أطباء عبد الناصر”.

يوسف ادريس                                               نوال السعداوي

وعن أول احتكاك له مع الرقابة قال العزبي: كتبت في المجلة تحقيقا صحفيا بعنوان “طلبة قصر العيني تقود المعركة”، وكان لابد من موافقة الرقابة على الصحف التي فرضت بعد قليل من قيام ثورة يوليو، واختاروني لمهمة العرض على الرقيب في جريدة المصري بشارع قصر العيني، لا لشئ إلا لأن منزلي قريب، والرقيب يأتي في المساء، هكذا التقيت بالصاغ موفق الحموي، وكنت أظن أن عميد الكلية الدكتور عبد الله الكاتب غير راض عن المجلة وأن هناك اتجاها لمصادرتها.. غير أن حمدي قنديل يقول في كتابه “عشت مرتين” إن التحقيق الذي كتبته هو سبب المصادرة، أما الرقيب وكان من الضباط الأحرار فسألني: أنتو ليه بتهاجموا العميد بينما هناك وسائل للوصول إلى حل.. وأعطاني رقم تليفون البكباشي جمال عبد الناصر، وقال اتصل به وأحكي له هو يحب يعرف، ولم يصادر المجلة.”

وفي طريقه إلى المنزل حاول العزبي الاتصال بعبد الناصر “من كل دكان فيه تليفون بشارع السد بالسيدة زينب، كان الرقم دائما مشغول، ولما ضرب الجرس ردت سيدة بأدب شديد، اعتقد أنها زوجته السيدة تحية، وقالت إن مواعيده ملخبطة جرب في وقت آخر، ولكنني لم أجرب ثانية”.

ويواصل العزبي سرد ذكريته مع هذه التجربة فيقول “تفرقت بمجلس تحرير مجلة طب قصر العيني السبل، فحمدي قنديل أصبح مذيعا ومسعود كاتب سيناريو وسليمان نقابيا وكان أحد قادة إضراب الحديد والصلب بحلوان، والوحيد الذي أصبح طبيبا هو صبري أيوب”. ويضيف” سقطنا في ثانية طب عدة سنوات قبل أن تتاح لي فرصة الالتحاق بكلية آداب القاهرة بعد أن تأسس بها قسم الصحافة وجاءتني أنا وحمدي قنديل فرصة العمل في مجلة آخر ساعة، وكان الأستاذ هيكل رئيسا لتحريرها ،وعملنا في البداية في كتابة (البخت) نؤلفه ،وكذلك بريد القراء”.

حمدي قنديل في بدايات عمله بالتلفزيون

الطريق إلى “الجازيت”

انتقل العزبي من “آخر ساعة” إلى مجلة “التحرير”، بعد تلقيه دعوة من رئيس تحريرها الجديد الضابط عبد العزيز صادق، “ذهبت أنا وحمدي قنديل وأحمد بهجت وإبراهيم راشد ونهاد رجب لتدعيم المجلة، وبعد فترة أُغلقت، فعاد بهجت وراشد ورجب إلى آخر ساعة، ثم ذهب حمدي قنديل إلى التلفزيون، وأخذوني إلى جريدة الجمهورية، وبقيت فيها طوال عمري، عملت بالقسم الخارجي، ثم قمت لفترة ليست طويلة بتغطية أخبار بعض الوزرارت في القسم الداخلي حتى أصبحت مساعدا لرئيس التحرير ومديرا لتحرير العدد الأسبوعي.”

تولى العزبي في نهاية الثمانينيات رئاسة تحرير صحيفة “الإيجبشيان جازيت” الناطقة بالإنجليزية وأحدث بها تطورا كبيرا، واستعان بعدد من الكتاب من خارج “الجمهورية” لكتابة مقالات دون أجر، منهم السفير محمد وفائي حجازي والسفير أحمد توفيق خليل، والإعلامية ميرفت رجب والفنان حسن كامي، وأثرى الفنان “تاد” برسومه الكاريكاتورية صفحات “الجازيت”،  وصمم صفحاتها المخرج الصحفي محمد الحبروك.

“خرجت من الجازيت بعد سنتين لوصولي سن المعاش، وحصلت على جائزة مصطفى وعلى أمين عن التجديدات التي أدخلتها في أقدم صحيفة مصرية تصدر باللغة الإنجليزية، وفي العام نفسه حصلت على وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى”، يروي العزبي.

صحفيون غلابة

ينقل العزبي في كتابه “صحفيون غلابة.. الكتابة بنظر 6/60” عن الكاتب موسى صبري الذي كان مقربا من السادات ما أسر به وعلى فراش الموت إلى صديقه أحمد عباس صالح: “أفكر الآن أننا خُدعنا خدعة كبيرة، وأن المتصارعين على السلطة قد استخدمونا أسوأ استغلال”. ويضع فى ذات السياق شهادة فكرى أباظة نقيب الصحفيين الأسبق ورئيس تحرير المصور، بأنه بعد تأميم الصحافة أصبح مثل بائع اللب، يكتب مقاله مرتين وثلاثا لكى يوافق الرقيب على مقالة منها!

موسى صبري

ولا يخفي العزبي قلقه من مستقبل الصحافة في مصر، وفي هذا يقول “كلما زاد الحديث عن الإصلاح ازداد خوفى من الفساد، وكلما كثر ترديد كلمة شرف المهنة توجست شراً، وكلما وعدونا بنعيم الحرية تحسست رقبتى! هكذا علمتنى الأيام.. لكن التدهور السريع فى حال صاحبة الجلالة يثير القلق اليوم وغداً”.

ولأنه عانى ظلم السجن والفصل، نقل معاناته في كتاب “كناسة الصحف” حيث يقول” الذي أعرفه أن الإنسان هو المظلوم الأول، وأن الذي يظلم الإنسان هو إنسان آخر يضع في يد أخيه القيود، يمنع عنه لقمة العيش، يحرمه فرصة الحياة، يسرق قوته وقوت أطفاله، يهزم روحه يقتل نفسه فيتحول الجميع إلى موتى يسيرون على قدمين”.

ويعترف العزبي بأنه ضعيف أمام الذين حُرموا من حريتهم دون أن يدروا ما هي تهمتهم، أو بعد أن لفقت لهم التهم المناسبة ” بّي ضعف شديد تجاه الذين حُرموا من أن يقولوا كلمتهم، فماتت الكلمات على الشفاه، وبي شغف شديد بالحرية، حرية الخبز وحرية الإنسان، فأنا قد عرفت الظلم ودخلت السجن، وعانيت حتى من حق الشكوى والابتهال إلى الله.. لقد سألوني مرة لماذا أنت كذلك فقلت في براءة لأنني كذلك، وكانت كذلك جريمة لا تغتفر”.

متع الله الأستاذ العزبي بالصحة والعافية، ومد في عمره ليرصد ويتابع وينقل بأسلوبه السهل وشغفه المدهش، ما جرى وما يجري في كواليس السياسية والصحافة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق