منوعات

بين هامش يضيق ومزاج محافظ.. واقع الحركة النسائية المصرية

حتى لا نقف كثيرا عند تساؤل هل لدينا حركة نسائية في مصر، نقول إن إجابة هذا التساؤل المشروع لن تأتي إذا قارنا ما لدينا مع حركات نسائية مرت من زمن ماض، أو مع حركات نسائية في بلدان غربية أو شرقية. فالحركة الاجتماعية، ومنها الحركات النسائية، تتأسس ببساطة عندما يوجد رافضون للأمر الواقع في المجتمع، ويتطور رفضهم إلى طموح في تغيير بعض الأوضاع أو تطويرها، ويتجسد هذا الطموح في تصورات عن الواقع المرغوب. فتتحدد بناء على ذلك مطالب، يقرب تحقيقها الواقع المرغوب، ويتجمع حول تحقيقها أفراد أو مجموعات من الناس.، دون أن يعني ذلك بالضرورة، تطورا خطيا لابد أن يسير وفق خطوات محددة. وهذا ما شهدت مصر أمثلة عليه في العقود الأخيرة مع ظهور حركات نسائية، تتغير ملامحها وتتشكل مع الواقع المتغير بشدة في تلك الفترة.

لماذا قلتُ حركات ولم أقل حركة؟ لأن رافضي واقع النساء في مصر يأتون من مشارب مختلفة، وينظرون إلى العالم ويقفون منه مواقف مختلفة، فيحملون مرجعيات مختلفة، من مرجعيات نسائية عالمية إلى مرجعيات وطنية إلى مرجعيات دينية، وبالتالي تتنوع المطالب التي يسعون إليها لتغيير هذا الواقع المرير.

فنجد في مصر المطالبات بتقليص إفقار النساء، والراغبات في فتح فرص عمل أوسع للمرأة وتحسين أوضاع العاملات، والمطالبات بتمثيل سياسي أكبر، والساعيات إلى مناهضة العنف ضد المرأة في مكان العمل والتحرش، والداعيات لتوسيع إمكانيات الإبداع أمامها (أي مطالب خاصة بالمجال العام)..  إلى جانب هذا كله، هناك المطالبات بوقف الاستبداد بالنساء داخل الأسرة والعنف الأسري (أو فك حصار المجال الخاص). كما تنشط أيضًا المطالبات بالحريات والحقوق العامة والخاصة للنساء وأحوالهن الشخصية، إلى جانب اللاتي يتركزمنظورهن على جسد النساء المكبل والأسير. وتتشكل من هؤلاء جميعًا مجموعات متعددة تتعاون فيما بينها حينًا، وتعمل بشكل منفصل أحيانًا. لكن الجامع بين كل هذه الحركات، هو تصورها لكيفية تحقيق المطالب، وفي المعوقات التي تقف أمامها وتحول دون تحقيقها لمطالبها، أو نموها وتطورها.

يتثمل أحد أساليب الحركة الاجتماعية في سعيها إلى تحقيق مطالبها، ومنها الحركات النسائية بالطبع، في الدعاية والأنشطة واسعة النطاق التي تحشد بها جماهيرها حول مطالبها وأفكارها. ومع تجمع قطاعات كبيرة من الناس وراء المطالب، وتأثرهم بالأفكار، تتسع قاعدة الحركة الاجتماعية وتمد جذورها وتقوى، وتكتسب النفوذ الذي يمكنها من الضغط على المؤسسات والسلطات الاجتماعية والسياسية لتحقيق أغراضها. وهذا المسار يجعل من الحركة قوة مؤثرة لا يستهان بها، فتحرص المؤسسات والسلطات على تحقيق مطالبها أو مراعاتها، لا أن تلجأ هي دائما للسعي لدى السلطات. وهكذا تعتمد الحركة الاجتماعية في قوتها وفاعليتها على مدى الالتفاف الجماهيري حولها. وتستمد من هذه الجماهيرية إمكانيات استمرار زخمها وبقاءها حتى تحقق أهدافها. كما تحميها جماهيرها من البطش، عندما يعن للسلطات محاربتها إذا شكلت تهديدا لها أو إزعاجًأ.

رائدات الحركة النسائية المصرية

ولكن هل هذا ما يحدث في مصر حاليًا بالنسبة للحركات النسائية المتنوعة؟ قد لا يبتعد كثيرون عن الإجابة (لا). لم تأت نشأة الحركات النسائية الحالية (وغيرها من الحركات الاجتماعية) في مصر أساسًا وسط جماهير واسعة أو قطاع جماهيري كبير، ثم أفرزت بعد ذلك قياداتها. لكن جاءت بنية تلك الحركات في الاتجاه العكسي. فقد اجتمعت أولًا مجموعات قيادية صغيرة، ثم سعت تلك المجموعات بعد ذلك إلى جذب عدد أكبر من النشطاء والجماهير حولها. كما لم تضم هذه المجموعات القيادية شخصيات ذات نفوذ طبيعي في مجموعة اجتماعية أو قطاع اجتماعي بعينه، وإنما كانت في أكثر الأحوال من خارج القطاع الذي تتوجه له. وإمام انغلاق المناخ الديمقراطي معظم الوقت، وهامشية حرية التعبير، وجدت الحركات النسائية صعوبة كبيرة في الدعاية لمطالبها وأفكارها، وجذب الجماهير حولها.

ولم يتوفر للحركات النسائية وجود، ولو هامشي، إلا من خلال الاعتماد على قوة أخرى من خارجها. فإما الاعتماد على قوة الدولة مثل ظاهرة الملتفات حول زوجة الرئيس، أو على منظمات نسائية أقوى خارج الحدود الوطنية مثل المنظمات النسائية في إطار المجتع المدني، أو على قوة سياسية، حزبية كانت أم دينية، مثل نساء الحزب الوطني أو نساء الإخوان المسلمين. فأصبح دور الحركات النسائية أن تقوم بدور الوسيط بين النساء المضطهدات والسلطات، ومحاولة تغيير أوضاع المضطهدات نيابة عنهن. ويؤدي هذا إلى افتقاد الحركات النسائية لقوامها الخاص، وأن تصبح حركتها كرد فعل للتغيرات الجارية، كما يحول بينها وبين الاستفادة من التغيرات الجارية في التوسع وتقوية نفسها.

وبطبيعة الحال، يُصّعب ضيق الهامش الديمقراطي وانغلاق منافذ التعبير انجاز الحركات النسائية لمهامها كما ذكرنا. وتزداد الصعوبة مع تغيير المزاج الاجتماعي واتجاهه إلى المحافظة، وهيمنة الأفكار التقليدية المعادية للتغيير، وخاصة تغيير أوضاع النساء. يمكن أيضًا أن نضيف في هذا السياق، ضعف الحركات والمؤسسات السياسية المتبنية لمطالب الحرية والعدالة بشكل عام، ليتجمع كل هذا كعائق عنيد أمام نمو الحركات النسائية وتطورها.

وبحكم النشأة المشار إليها، أصبحت علاقة ناشطات الحركات النسائية مع قطاعات النساء المختلفة، وكأنها تتم من خلال مستويين متراتبين، أي من خلال مستوى أعلى من الآخر. فرغم حرص بعض الحركات النسائية على التوجه لقطاعات نسائية عريضة والتواجد بين الفقيرات وفي المناطق الريفية البحرية والصعيدية، إلا إن الناشطات لم يتمكن من الإفلات من صيغة معيقة للعلاقة بينهن وبين جمهور النساء، وهي العلاقة بين مانح المال والتدريب والمشروعات الصغيرة، أو متيح فرص التعلم والترقي، أو حامل الوعي والهداية، وفي الطرف الآخر متلقي كل هذه الأشياء.

ولن تستوي اليد العليا والسفلى في أي حال، فاليد السفلى إن غابت عنها العليا لن تواصل تحقيق آمالها بنفسها، بل ستنتظر يدا أخرى تعطي، ولن تنتظم دفاعا عمن كان يعطيها، فهي لم تكن في علاقة مباشرة مع السلطات القامعة. وفي الأغلب ستكتفي بالترحم فقط على أيام الناشطة فلانة، أو المؤسسة علانة. وبالطبع تستدعي الذاكرة هنا المثل القائل “لا تعطني سمكة بل علمني الصيد”. وإذا طبقنا هذا المثل هنا سيكون لا تدافعي عن حقوقي بل اشيري لي على طريق الدفاع عنها بها بنفسي.

وهنا نصل إلى نقطة فاصلة من وجهة نظري، وهي ان الحركات النسائية إذا واصلت الطريقة نفسها في تحقيق مطالبها، أي مطالب النساء، ستقع في دائرة عجز متواصلة، أمام العوائق المهمة التي تحد من تطورها ونموها، بل وتهدد وجودها. وعلى العكس من ذلك، قد تفتح إعادة النظر في هذا المنهج فرصًا متزايدة أمامها.

ولكن كيف تتم هذه المراجعة؟ وهل تأتي بقرار يتخذ وينفذ؟ بالطبع لا. ولكن ربما يتمثل الطريق الذي يمكن اتخاذه لخروج الحركات النسائية من عجزها؛ في سعة صدر ناشطاتها أمام النقد، واهتمامهن بتوفير فرص المناقشة والتفكير وجذب الاهتمام حول الأهداف وأفضل طريقة لتحقيقها والمعوقات التي تحول دون ذلك، وإشراك كافة الأفراد والمجموعات المستهدفة للتغيير في هذا النقاش. أي العمل على بلورة خطاب نسوي نقدي مواكب للوضع الراهن، وتوسيع آفاقه، وربطه بالواقع المصري.

ولا يعني هذا بالطبع توقف الحركات النسائية عن النشاط ومحاولات النمو والتطور حتى يتبلور هذا خطاب النسوي، ولكن يعني أن تضع هذا ضمن أولوياتها. ويتواكب معه قراءة تجارب للحركات النسائية التي تطورت في واقع به كثير من عناصر الشبه مع واقعنا، وتبنت منهج تحرير المضطهدين لأنفسهم. وأظن أنه من خلال هذه الوقفة الواجبة، مع تبدل الأحوال من حولنا سواء في مصر أو خارجها، يمكن أن تحصد النساء ثمار الحركات النسائية.

الوسوم

عزة خليل

باحثة متخصصة في الحركات النسائية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: