منوعات

لماذا لا ندّرس النشيد الإسرائيلي؟

يعد “الاجتزاء” كارثة من الكوارث التي تضربنا على كافة الأصعدة، وذلك لأن الاجتزاء متى دخل في شيء أفسده، فهو يفسد الثقافة والاجتماع والسياسة والإعلام، بل يشوه منطق العقول، فلا تدري معه مَنْ القاتل ومَنْ القتيل. ومن أمثلة الاجتزاء التي ضربتنا في الفترة الأخيرة، تلك الحملة القاسية التي تعرض لها نائب بالبرلمان المصري.

أصل القصة أن النائب رياض عبد الستار ممثل دائرة ملوي التابعة لمحافظة المنيا كتب على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك “ما يقول ملخصه: “لماذا لا يُدرّس النشيد الوطني الإسرائيلي لأولادنا في المدارس العربية كنوع من الثقافة؟ والعلم بالشيء خير من الجهل به، أن تدريس النشيد سيمكّن كلَّ مصري وعربي من تحديد عدوه ويستعد لمواجهته، فلنتعرف على ترجمة حرفية دقيقة للنشيد القومي الإسرائيلي الذي يعزف في المناسبات والأعياد وعند استقبال الرؤساء والسفراء في إسرائيل ومن ضمنهم سفراء عرب.. “إنهم يضغطون علينا لتغيير مناهج التعليم لدينا وتعديل تفسير بعض الآيات القرآنية ولم يطرح يومًا عليهم تغيير نشيدهم الوطني الرسمي”.

النائب رياض عبد الستار

انتهى كلام النائب لتبدأ حفلة الاجتزاء التي شارك فيها بقوة نشطاء على الفيس بوك، ودخلت معهم على الخط فضائيات مناوئة للدولة المصرية وليس للحكومة المصرية. زعم مقيمو حفل الاجتزاء أن النائب يدعو للتطبيع ولتخريب عقول تلاميذ المدارس!

لقد أكتفوا بنشر عنوان الدعوة، ولم  ينشر أحدهم كامل كلام النائب، ولم يناقش أحد مضمون الدعوة وهدفها، لقد تواصل الهجوم على النائب حتى سكت، مفضّلًا  السلامة على الشجاعة!

بحثتُ من جانبي عن الترجمة الدقيقة لنشيد دولة الكيان، فوجدتُ ما هو فوق العجب، إذ لم تهتم مؤسسة رسمية واحدة بترجمة النشيد، والأمر كله متروك لاجتهادات بعض الأفراد والمواقع الثقافية.

مترجمو النشيد هم على فريقين: أغلبية تقدم ترجمة تؤكد أنها حرفية حتى أنها تضع الكلام العبري في سطر، يقابل الترجمة العربية، وأقلية تقدم ترجمة مغايرة.. فأي الترجمتين أصدق؟

لو كانت هناك مؤسسة عربية واحدة ذات مصداقية قدمت ترجمة للنشيد ما كنا طرحنا سؤالنا!

الأكثرية، أصحاب الترجمة الشائعة قدّموا لترجمتهم بكلام كثير عن أصل النشيد جاء فيه: “إن النشيد هو في أصله قصيدة تحمل عنوان “هاتكفاه” ومعناها (الأمل).. مؤلف القصيدة شاعر نمساوي يهودي يدعى نافتالي هيرتس إيمبر، وقد كتب إيمبر قصيدتَهُ تلك في عام 1877 ونشرها لأوّل مرّة في عام 1886 “.

نافتالي هيرتس إيمبر

  ووفقا لهذه المقدمة فإن هذه القصيدة “جرى إنشادها لأول مرة في ختام المؤتمر الصهيوني السادس الذي عُقد في عام 1903، ثم أصبحت تنشد في ختام كل المؤتمرات الصهيونية إلى أن أصبحت نشيدًا رسميّا للحركة الصهيونية، وذلك بعد المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في عام 1933”.

وقد أدخل “ي. ل. هاكوهين” ,أحد مؤسسي مدينة تل أبيب، اللمسات الأخيرة على القصيدة عام 1905 لتصل إلى كمالها، وفور إعلان تأسيس دولة الكيان تم اعتماد القصيدة لتكون النشيد الرسمي للكيان “.

كان هذا عن القصيدة ومؤلفها فماذا عن كلماتها ؟

تقول ترجمة الأكثرية: إن النشيد عنصري جدًا ودموي غاية في الدموية، فهو يدعو إلى غرس الرماح في صدور سكان مصر وكنعان، وأرض كنعان هي الآن سوريا ولبنان وفلسطين وجزء كبير من الأردن، ويدعو لبث الخوف في نفوس سكان بابل التي هى العراق الآن..

مادامت تكمن في القلب نفس يهودية

تتوق للأمام، نحو الشرق

أملنا لم يصنع بعد

حلم ألف عام على أرضنا

أرض صهيون وأورشليم

ليرتعد من هو عدو لنا

ليرتعد كل سكان مصر وكنعان

ليرتعد سكان بابل

ليخيم على سمائهم الذعر والرعب

حين نغرس رماحنا في صدورهم

ونرى دماءهم التي أريقت

ورؤوسهم المقطوعة

وعندئذ نكون شعب الله المختار..

تلكم هي إذن الترجمة الذائعة المنتشرة للنشيد الإسرائيلي، التي يقدمها الأفراد المهتمون ومعظم المواقع الثقافية العربية، أما الترجمة غير الشائعة فليس بها ذكر للدماء والرماح والعداء لمصر وكنعان وبابل، بل فيها الشوق لإقامة الكيان والدعوة إلى التمسك بالأمل لمواجهة الصعاب التي ستعترض حلم التأسيس.

وأيَا كانت الترجمة، فالنشيد عنصري بامتياز ويحرض على اغتصاب أرض الغير وعلى عدم احترام الحقوق والممتلكات الخاصة بالشعوب، من منطلق أن اليهود هم شعب الله المختار الذي يجوز له فعل أي شيء دون مقاومة أو معارضة لمشيئته.

إن الغرب يقيم الدنيا ولا يقعدها، مطالبًا بحذف آيات قرآنية يجرى اقتطاعها من سياقها، لكي يضعها في قفص الاتهام، موجهًا إليها تهما شنيعة، أقلها الدعوة إلى القتل على الهوية. ولذا كان من الواجب على الجماعة الثقافية العربية أن تهتم، بل تحتضن دعوة البرلماني المصري وتقوم بترجمة نشيد دولة الكيان، ليعرف الذي لا يعرف أي الفريقين هو العنصري المغتصب الداعي لقتل الأبرياء؟.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق